الطريقة:جدلية.
الدرس: إشكالية العدل.

الإشكال:هل يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل الفروق الفردية ؟

إن مفهوم العدل لم يصبح مفهوما شائعا في عصرنا الحاضر إلا بعد الثورات الكبرى التي أرقيت فيها الدماء و أزهقت فيها الأرواح البشرية و التي بها ثائرون متعطشون إلى الإخاء ضد الاستبداد و الطبقية و الاستغلال و صار مفهوم العدل كثيرا ما يقرن بمفهوم المساواة و يعتقد أن العدل في المساواة و الظلم في التفاوت و لكن أليس المساواة المطلقة ظلما ؟ لقد اختلف المفكرون في الإجابة عن هذا السؤال فمنهم من قال بالمساواة لأنها عدل و منهم من رفضها لأنها ظلم و حتى نصل إلى الرأي الذي يبدو لنا صحيحا و نأخذ به لابد من عرض الموقفين:



يرى أصحاب التفاوت أن العدل يتأسس على احترام الفوارق الموجودة و يوردون حججا تتعلق بالفوارق الطبيعية و الفوارق الاجتماعية فهم يرون أن الأفراد منذ ولادتهم يتميزون عن بعضهم البعض فلكل منهم قدراته و مواهبه الجسمية و العقلية الخاصة به فمنهم الضعيف و منهم القوي , منهم الذكي و منهم الغبي , فمن الظلم أن تمنح الغبي و غير الكفء منصبا إداريا ممتازا , لقد كان هذا رأي أرسطو فهو يزعم أن التفاوت قانون الطبيعة فهو يعترف بأن استغراق البعض للبعض الآخر هو ضرورة طبيعية و مادام الناس مختلفين من حيث الخصائص العقلية و الفيزيولوجية فلا بد فيما يرون من توسيع شقة الاختلاف بينهم يقول كاريل أليكس*عالم فيزيولوجي و جراح فرنسي* فبدلا من أن نحول تحقيق المساواة عبر اللامساواة العضوية و العقلية يجب أن نوسع دائرة هذه الاختلافات و ننشئ رجالا) و هو يوضح القول قائلا إن تقسيم سكان البلاد الحرة إلى طبقات مختلفة لا يرجع إلى المصادفة أو العرف الاجتماعي و إنما هو مؤسس على قواعد بيولوجية صلبة و كذلك على قدرات الأفراد الفيزيولوجية و العقلية) ففي المجتمع الديمقراطي كما ترى *فرنسا , بريطانيا* استطاع كل شخص أن يجد فرصته خلال القرن (19م) ليرتفع إلى المركز الذي مكنته مقدرته من بلوغه , لكن اليوم عامة الشعب يدينون بمراكزهم إلى الضعف الوراثي لأعضائهم و عقولهم بالإضافة إلى هذا الرأي فقد تبنى هذا الموقف بعض الأديان القديمة (الإبراهيمية) و التي بادروها بتقسيم الناس إلى أربع طوائف أعلاها الكهنة و البراهمة و أدناها السفلة و الأنجاس , و حديثا نجد اليهود الذين زاعمو أنهم وحدهم شعب الله المختار بالإضافة إلى الحركة النازية التي قسمت الجنس البشري إلى طبقات أسماها الآري ولقد علل أنصار هذا الضرب من الفوارق الاجتماعية منها و الطبيعية بأنها كحافز يدفع الأفراد إلى السعي و النشاط ذلك بأن الإنسان بطبعه مفطور على أن يسعى وراء آماله الواسعة و محاولة تحقيقها، فحياة بعض الناس في الرفاهية وتمتعهم بالكماليات يثير فيمن هم دونهم رغبة أقوى في العمل قصد الوصول إلى طموحاتهم فهو ينكر وجود تفاوت بين الناس في مكانتهم وقدراتهم وهذا لا يعني عدم مساواتهم أمام العدالة في أن أي تفاوت يتحول إلى ظلم.

إلاً أن هذه النزاعات تشبه إلى حد ما المبادئ التي انطلق منها التوسع الاستثماري الحديث يدّعون أن القوي له الحق بل ومن العدل أن يحتل الضعيف ويسير شؤونه المختلفة ويثبت العلماء أن العرق الصافي من المستحيل وجوده أي أن كل بلاد العالم مزيج من العروق حتى أن الدم الذي تفتخر به ألمانيا نفسها هو دم هجين إلى حد بعيد أكثر من غيره لا بل إن الواقع يؤكد أن الدم الهجين باعث على التقدم و الحيوية .

وعلى عكس الرأي الأول ظهر اتجاه ثان يرى بأن الناس خلقوا متساوين وفي هذا المعنى يقول شيشرون الخطيب الروماني(الناس سواء وليس أشبه من الإنسان بالإنسان لنا جميعا عقل ولنا حواس وإن اختلفنا في العلم فنحن متساوين في القدرة على التعلم)، وهو يقصد بهذا أن الناس سواسية لا من حيث ملكاتهم العقلية وكفاءاتهم وإنما لهم طبيعة بشرية واحدة أنهم سيختلفون فيما سيحصلون عليه أثناء عملهم وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول تنويها بالمساواة العادلة متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، أي متساوين في جميع الحقوق كحق الحرية وحق الحياة و المعاملة ، و أن الناس لم يولدوا منقسمين إلى طبقة أسياد وطبقة عبيد وليس لأحد حق السيادة على الآخرين بسبب ما يجري في عروقه من دم أرستقراطي، إنما خلق الناس طبقة واحدة وكتب توماس جيفرس في إعلان الاستقلال الأمريكي (إن جميع الناس قد خلقوا متساوين) كما يقول أن العدل هو احترام الكرامة الإنسانية مهما كان الأشخاص ومهما كانت الظروف الطبيعية و الاجتماعية التي تتعرض له فلابد من تجاوزها) ، ويرى أيضا (العدل في أسمى معانيه هو تجاوز الحدود و الفوارق الاجتماعية).
بالرغم من أنه لا يمكن إنكار أهمية المساواة و ضرورتها للمجتمع و الأفراد إلاّ أنه لا يمكن من مستوى الحقوق و الواجبات إلى مستوى يتعارض فيه الناس على حسب إمكانياتهم فلكل واحد إمكانياته الخاصة به بالإضافة إلى أنه لو ساوينا كل الناس في
جميع المستويات العقلية و الجسدية و العلمية فكيف يحد من بعضهم بعضاً .
إن العدل معناه إزالة الفوارق المصطنعة و المظالم والفروق الواسعة التي نشأت بطرق غير مشروعة ولابد من فتح الطرق أمام
الجميع و تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في جميع المجالات وإذا كان لا فضل لعربي عل عجمي إلاّ بالتقوى فإن الله سبحانه وتعالى يقول ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات) ولكن هذا لا يعني أن العدل معناه المساواة المطلقة بل إعطاء كل ذي حق حقه وفق
جهده و عمله .






وإذا أردنا الخروج بحوصلة فإن العدل ليس مساواة مطلقة و ليس كل تسمى بلا حدود ولا قيود فهناك فروق لا حيلة لنا فيها كالفروق الطبيعية .

إذا فالعدل هو الاحترام الصارم للحقوق لكل ذي كرامة وهو حرب ضد كل العمليات الاحتيالية أي العمليات التي من شأنها أن توفر المساواة .




ig dl;k jprdr hgu]hgm hgh[jlhudm td /g hgtv,r hgtv]dm ? []gdm