statistics in vBulletin
بحث حول جريمة تبييض الاموال

 

 

 

راجع مادة الرياضيات للسنة الرابعة متوسط مع الاستاذ نبيل البسكري موقع طموحنا سؤال و جواب يرافقك في انجاز بحوثك و الاجابة عن اي استفسار يخطر ببالك هل تعاني من ضعف في العلوم الطبيعية، هذا الموضوع سيساعدك كثيرا ستصلك آخر الأخبار مباشرة على صفحتك على الفايسبوك

بحث حول جريمة تبييض الاموال

بحث حول جريمة تبييض الاموال المقدمــة*الفصل التمهيدي : ماهية جريمة تبييض الأموال المبحث الأول : مفهوم جريمة تبييض الأموال المطلب الأول : تعريف جريمة تبييض الأموال

بحث حول جريمة تبييض الاموال


النتائج 1 إلى 6 من 6

 

  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    2,642
    الجنس
    ذكر
    like
    0
    liked 171 Times in 135 Posts
    معدل تقييم المستوى
    396

    افتراضي بحث حول جريمة تبييض الاموال

    بحث حول جريمة تبييض الاموال

    المقدمــة

    *الفصل التمهيدي : ماهية جريمة تبييض الأموال
    المبحث الأول : مفهوم جريمة تبييض الأموال
    المطلب الأول : تعريف جريمة تبييض الأموال

    المطلب الثاني : مصادر الأموال المبيضة
    المبحث الثاني : آلية تبييض الأموال

    المطلب الأول : أساليب تبييض الأموال
    المطلب الثاني : مراحل تبييض الأموال
    * الفصل الأول : الإطار القانوني لجريمة تبييض الأموال
    المبحث الأول : التكييف القانوني لجريمة تبييض الأموال

    المطلب الأول : إشكالية التكييف الجزائي لجريمة تبييض الأموال

    المطلب الثاني : تمييز جريمة تبييض الأموال عن بعض الجرائم المتشابهة
    المبحث الثاني : أركان جريمة تبييض الأموال

    المطلب الأول : الركن الشرعي
    المطلب الثاني : الركن المادي
    المطلب الثالث : الركن المعنوي

    * الفصل الثاني : مخاطر جريمة تبييض الأموال و مكافحتها
    المبحث الأول : مخاطر جريمة تبييض الأموال

    المطلب الأول : المخاطر الاقتصادية
    المطلب الثاني : المخاطر الاجتماعية
    المطلب الثالث : المخاطر السياسية
    المبحث الثاني : مكافحة جريمة تبييض الأموال

    المطلب الأول : مكافحة الجريمة على الصعيد الوطني
    المطلب الثاني : مكافحة الجريمة على الصعيد العالمي
    المطلب الثالث : عقبات المكافحة .
    الخاتمــة

    المقدمــــة

    تعتبر ظاهرة تبييض الأمـوال ( blanchiment d’argent )أخطـر ظواهـر عصر الاقتصاد الرقمي باعتبار أنها التحدي الحقيقي أمام مؤسسات المـال والأعمـال وبالنظر لكونها ترتبط بأنشطة غير مشروعة وعمليات مشبوهة يتحقق منها دخول طائلة تؤثر سلبا على الاقتصاد المحلي والعالمي .
    وتشمل عمليات تبييض الأموال مجمـوعة الأنشطة التي تتـم بعيدا عـن أجهزة الدولة القانونية ، ولا تسجل في حسابات الدخـل الوطني وهـذه الأنشطة تمثل مصدرا للأموال القذرة التي يحاول أصحابها تبييضها في مرحلة تالية وذلك بإجراء مجموعة من العمليات والتحويلات المالية والعينية على هذه الأموال لتغيير صفتـها غير المشروعـة
    وإدخالها ضمن النظام الشرعي لإكسابها صفة مشروعة ، وبذلك تهدف عمليات تبييض الأموال إلى إخفاء مصادر أموال المجرمين وتحويلها بعد ذلك لتبدو كاستثمارات قانونية.
    وإذا كانت جريـمة تبييض الأمـوال حديثة النشأة فإنها كظـاهرة لا تعتبر كذلك بحيث أن لفظ " غسل الأمـوال " " MONEY LAUNDERING " بـدأ مصطلحـا و ظاهرة إجرامية في الولايات الأمريكية في المدة ما بين 1920م إلى 1930 م ، حيث استخدم رجال الأمـن الأمريكيون لفظ "غسل الأموال " للدلالة على مـا كانت تقوم بـه عصابات المافيا من شراء للمشروعات و المحلات بـأموال قـذرة ذات مصدر غـير مشروع ، و مـن ثـم خلطها برؤوس أموال و أرباح مـن تلك المشروعات لإخفـاء مصدرها عن أعين الرقابة ، وهو ما قام به أحد أشهر قادة المافيا ( آل كابون) ، والذي أحيل عام 1931 على المحاكمة لكن ليس بتهمة تبييض الأموال غيـر المجرمة في ذلك الوقت وإنما بتهمة التهرب الضريبي .
    و فـي الوقت ذاته تم استخدام لفظ " المـال القذر " "DIRTY MONEY " للدلالـة على تلك الأموال التـي يستوجب إخفـاء مصدرها غسـلا تفاديـا لانكشاف الجرائم و الأفعال المولدة لتلك الأموال .
    و قد يكون من الصعب الجـزم بأن تبييض الأموال ، بوصفه جريمة بـدأ فـي الولايات الأمـريكية ، لكـن اليقين أن تبييض الأمـوال باعتباره ظـاهرة إجرامـية
    – ارتبطت بالجريمـة المنظمة – بدأت فـي الولايـات المتحدة الأمريكية بعـد الحرب العالمية الأولى ، و تزايدت في النمو و التوسع منذ الكساد الاقتصادي العظيم في عهد الرئيس الأمريكي " فرانكلين روزفلت " حتى نهاية القرن العشرين .
    و لكـن هـذه الظاهرة لـم تقتصر على الو.م.أ فقط ، إذ تشير أقدم المصـادر أن غسل الأموال خارج الو.م.أ بدأ خلال الحرب العالمية الثانية " 1939 – 1945 " فقد قامت الحكومة الأمريكية و من خلال وزارة الخزانة الأمريكية بعملية سميت"الموطـن الآمن " للبحث و حصر الأموال التي قامت المصارف السويسرية بغسلها لصالح النظام النازي الألماني ، و حينما وقعت الأدلة في أيـدي اللجنة المشكلة لذلك دعت الحكومـة الأمريكية العالم إلى عدم الاعتراف بالأموال المنهوبة و المسروقات التي استولى عليها الجيش الألماني في أوربا ، و طالبت بإعادتها لأصحابها الشرعيين .
    وأشارت تقارير لاحقة أن جزءا من تلك الأموال المنهوبة كانت بأسماء أشخاص بارزين في النظامين النازي والفاشي ، وقد ظهر أن تلك الأمـوال تم تحويل جـزء منـها إلى حسابات شخصية في أمريكا اللاتينية ودول النظام الشيوعي سابقا ، حيث انقطعت الصلة تماما بين تلك الأموال ومصادرها غير المشروعة .
    وقد بقت ظاهرة تبييض الأمـوال وإلى غاية سنة 1988 محـل اهتمام دولـي وإقليمي ووطني وهذا ضمن إطار البحث العلمي ورسم الخطط وبناء الإستراتيجيات من دون أن يصل إلى إطار دولي أو وطني واضح يجرم هذه الظاهرة ويوحد الجهود لمكافحتها.
    ويمكن القول أن عام 1988 يمثل سنة الارتكاز بالنسبة للجهود الدولية في حـقل محاربة ظاهرة تبييض الأموال ، فخلال هذا العام وتحديدا في 19/12/1988 صـدرت اتفاقيـة الأمم المتحدة لمكافحة أنشطـة ترويج المخدرات ( اتفاقية فيينا) والتـي فتحت الأنظار على مخاطر أنشطـة تبييض الأموال المتحصلة من المخدرات وأثرها المدمـر على النظم الاقتصادية والاجتماعية للدول ، فهذه الاتفاقية وإن كانت لا تعـد مـن حيث محتواها خاصة بتبييض الأموال ، إذ هي في الأساس اتفاقية في حقل مكافحة المخدرات بيد أنها تناولت أنشطة غسيل الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات ، باعتبار تجـارة المخدرات تمثل أكثر المصادر أهمية للأموال المبيضة .
    وإلى جانب جهد الأمم المتحدة ، وبعد عام واحد تقريبا تأسس إطار دولي لمكافحة جرائم تبييض الأموال ( Financial action task force on money laundering - FATF )
    والذي نشأ عن اجتماع الدول الصناعية السبعة الكبرى .
    وقبل ذلك كانت اللجنة الدولية للنظام البنكي والممارسات الإشرافية وفي إطـار الجهـد المالي وعلى صعيد الهيئات المتخصصة قد أصدرت مبادئ إرشادية للحماية من جرائـم تبييض الأموال في ديسمبر 1988 عرفت باسم ( Basle Statement of Principles )
    وقد سارع الاتحاد الأوروبي إلى إصدار الاتفاقية الأوروبية المتعلقة بإجـراءات التفتيش و الضبط الجرمي لتبييض الأموال وهذا خلال سنة 1990 ، وذلك لكون ظاهرة تبييض الأموال قد أصبحت مشكلة خطيرة في أوربا ،فقد اكتشفت أوربا أنها مرتع وبؤرة مالية عالمية لتبيض الأموال و إن عواصمها الكبـرى مثـل لندن و باريس و بروكسل و مدريد تتم فيها عمليات تبييض الأموال علنا و كأنها عمليات بيـع و شـراء عاديـة الأمر الذي فرض بالضرورة سن مجموعة من التشريعات الجديدة لوقف جميع أشكـال غسل الأموال ، و هو ما تم فعلا بحيث صارت العديد من التشريعات الداخلية تتضمـن نصوصا خاصة تجـرم و تعاقب نشـاط تبييض الأمـوال المتأتية مـن مصادر غيـر مشروعة.
    و إذا كانت جهود الدول الأوربية و الصناعية لمكافحة تبييض الأموال جاءت في المقام الأول ضمن جهود مكافحة المخدرات بالأساس ، فإن الأمر يختلف بالنسبة للدول النامية بحيث أن عوائد أنشطة الفساد المالي و الوظيفي و التي أدت إلى خلق ثـروات باهضة غير مشروعة هي السبب الرئيسي لتجريم نشاط تبييض الأمـوال و محـاربته و هو ما يفسر لجوء العديد من هذه الدول إلى تجريم هذا النشاط .
    و إذا كانت هذه الجريمة قد تفشت في الغـرب فإن طابعها الإجرامي التعاونـي جعلها جريمة منظمة تـقارفها منظمات إجرامية متخصصة ، و جريمة عابرة للحـدود بحيث أن مقترفيها أصبحوا يتربصون بالأسواق الناشئة في الدول النامـية و التي تسعى لفتح أسواقها أمام رأس المال الأجنبي مما بات يهدد اقتصاديات هذه الدول و هو ما يحتم عليها القيام بإجراءات للحيلولة دون تفشي هذه الظاهرة ، و هذا هو الهدف من اختيارنا لهذا الموضوع باعتبار أن بلادنا عرفت و ما زالت تعرف عدة نشـاطات إجرامية تدر أموالا باهضة و يحاول المتحصلون عليها إضفاء صفة الشرعية عليـها ، كما أن فتـح باب الاستثمار قد يكون مدخلا لنشاط مجموعات تسعى لنفس الغرض ، فهذه الظـاهرة تطرح إشكاليات عديدة أهمها :
    تحديد مفهوم نشاط تبييض الأموال و الإطار القانوني لـه بوصفه جريمة بالإضافة إلى الأخطار التي يشكلها و سبل مكافحته ، و للإجابة على هـذه الإشكاليات اعتمدنـا في عرضنا منهجية نقدية مقارنة و هذا لاعتبارين أساسين :
    الأول منطقي بالنظر إلى كون هذه الظاهرة ذات طـابع إجرامي منظم عابر للحدود و هو ما يحتم علينا دراستها ضمن مختلف التشريعات الداخلية و الاتفاقيات الدولية .
    الثاني عملي يتمثل في كوننا قد باشرنا العمـل في هـذا البحث و نـص القانـون الجزائري المجرم لهذا النشاط لم يصدر بعد و هو ما أدى بنا للعمل في ضـوء باقـي التشريعات الداخلية لبعض الـدول بالإضافة إلى الاعتماد على نص المشروع الذي كان قيد الدراسة، و خـلال المراحل الأخيرة لإكمال بحثنا صدر القانون المجرم لهذا النشاط ممـا حدى بنا إلى إجراء تعديل جزئي عل البحث ليكون مواكبا و موافقا لما نص عليه القانون الجزائري .
    كمـا أننا و للإجابة على الإشكاليـات السابقة قـد اعتمدنا ترتيبا منطقيا لعرضنا لجوانب جريمة تبييض الأموال بحيث بدأنا البحث بفصـل تمهيدي خصصناه لدراسـة تبييض الأموال كظاهرة و عنوناه بماهية جريمة تبييض الأموال و قد قسمنا هذا الفصل إلى مبحثين ، أثرنا في الأول مفهـوم الجريمة و مصدر الأمـوال التي تكون محلا لها و درسنا في الثاني آلية التبييض من حيث أساليبه و مراحله .
    أما الفصل الأول فقد خصصناه لدراسة الإطار القانوني لهذه الجريمة ، و بدوره قسمناه إلى مبحثين ، تناولنا في المبحث الأول التكييف القانوني لهذه الجريمة و الإشكاليات التي يطرحها ، بينما تعرضنا في المبحث الثاني إلى أركان الجريمة .
    و أخيرا تطرقنا في الفصل الثاني إلى مخاطر هذه الجريمة و إلى سبل مكافحتها و ذلك من خلال مبحثين ، تحدثنا في الأول عـن مخاطر جريمة التبييض و تناولنا في الثانـي أساليب مكافحتها و العقبات التي تحول دون ذلك، و على هذا تترتب فصول البحث على النحو الآتي :































    الفصل التمهيدي : ماهية جريمة تبييض الأموال

    تشكل الأموال عصب الاقتصاد الـذي يعتبر عماد الحياة المعاصرة و أحـد مقومات الأنظمة السياسية و الاجتماعية السائدة في العـالم ، و يقاس رقـي و تقـدم الشعوب برقي و تقـدم اقتصادها ، و قـد أصبح الاقتصاد نظاما عالميا ارتبطت بـه الأسرة الدولية بصورة عضوية ، فاصبح يشكل كيانا مترابطا تتفاعـل أجزاءه فتتأثر و تؤثر في المتغيرات التي تتجاذب العالم المعاصر .
    و لاشك في أن سلامة الاقتصاد الوطني عامـل أساسي فـي استقرار الحيـاة السياسية و الاجتماعية ، إذ يوفر التوازن بين الإمكانات و الرغبات مما يعطي للسياسة مفهومـها الأصيل ، و هـو حسـب تعريف الفارابي فـي كتابه " السياسة المدنية " ، السياسة فـن إدارة المدينة و هـذا يؤكد ارتباط الأمن السياسي بالأمـن الاقتصـادي و ارتباط الاثنين بالأمن الاجتماعي .
    و قد تأثرت حيـاة الفرد إلى درجة بعيدة بالتطور الاقتصـادي و الصناعي ، فتطور نهج حياته ، كما تطورت علاقاته الإنسانية ، فارضة أنماطا جديدة من السلوك و المواقف ، و قد اتصف بعضها بالأنانية و المادية المطلقة بحيث أصبح هاجس الربح سائدا بغض النظر عن المساوئ الناتجة عن العمليات المؤدية إليه أو الأصناف المنتجة و أصبح الإنسان اليوم يسيطر على قوى الطبيعة و تحويلها إلى خدمة مصالحه اليومية بصورة لم يعهدها من قبل .
    و كانت قد برزت في القرنين السابقين مجموعات من أصحاب النفوذ المـالي بدت كعنصر فعـال على الصعيدين المحلي و الدولي بإمكانها شـراء ضمائـر بعض ممثلي الدول و بيعها في مصـالح اقتصادية محضة و يتجلى ذلك في بعض الفضائـح التي تحدثت عنها الصحف و تداولتها وسائل الإعلام حـول الصفقات التجارية غيـر المشروعة بيـن بعض الشركات و بعض الأفـراد الذيـن يمثلون الإطارات السـامية و النافذة في تلك الدول . و تشكل هذه الممارسات دليلا واضحا على مـا وصل إليـه التنافس الاقتصادي و المادي و الأساليب الملتوية التي تستعمل للوصول على غايـات معينة بغـض النظر عـن أخلاقيات التعامل و مصلحة الأفراد و الدول و الأنظمـة الاقتصادية التي تتبعها، فعندما تبلغ قيمـة صفقة واحدة مـن الأسلحة و الطائرات أو المخذرات عـدة مليارات مـن الدولارات و عندما تقرع نسبة معينة من هذا المبلـغ أبواب أصحاب القرار فكـم مـن الضمانة الأخلاقية الصلبة يجـب أن تتوافـر فـي هـؤلاء حتى لا تمتد أيديـهم لاستلام تلك النسب الـواردة غالبا مـن الأموال غيـر المشروعة؟
    و تعتبر تبييض الأموال أو غسيل الأموال أو الجريمة البيضاء مـن التعبيرات التي تداولت مؤخرا في كافة المحافل المحلية و الإقليمية و الدولية لذلك و حتى تتضح معالم هذا الموضوع رأينا أن نتناول في هـذا الفصل التمهيدي تعريف جريمة تبييض الأموال و تبيان مصدر الأموال المبيضة في مبحث أول ، ثـم التطرق إلى آلية تبييض الأموال في مبحث ثان .














    المبحث الأول : مفهوم جريمة تبييض الأموال .
    سنتطرق في هذا المبحث بداية إلى تعريف جريمة تبييض الأموال و هـذا في المطلب الأول ، ثم ننتقل لتبيان أهم مصادر الأموال المبيضة لما لها من ارتباط وثيق بالتعاريف المختلفة لهذه الجريمة و ذلك في المطلب الثاني .

    المطلب الأول : تعريف جريمة تبييض الأموال:
    تنوعت التعاريف التي قيلت في جريمة تبييض الأموال منهـا التعاريف الفقهية و التشريعية و الدولية و سنتطرق لهذه التعاريف و موقف المشرع الجزائري منهـا تبعا للنقاط التالية :
    1 - التعريف الفقهي لجريمة تبييض الأموال

    2- التعاريف الدولية لجريمة تبييض الأموال
    3- التعاريف التشريعية لجريمة تبييض الأموال ( موقف المشرع الجزائري )
    1 /التعريف الفقهي لجريمة تبييض الأموال :
    لم يتوصل فقهاء الفانون الجنائي إلى تعريف جامع مانع لهذه الجريمة نظـرا لحداثتها و سرعة تطورها الـذي يساير تطـور التكنولوجيا الحديثة حيث أن كـل المحـاولات الرامية إلى إيجاد تعريف خاص لهـا فضفاضة في محتواهـا ، ذلـك لكثـرة الأسـاليب المستعملة في ارتكابها فقد يتمايز تعريف جريمة تبييض الأموال من حيث موضعـها و غايتها و طبيعة هذه الظاهرة الجريمة .
    *من حيث موضعها : تبييض الأموال هو فن توظيف الوسائل المشروعة في ذاتها من مصرفية خصوصا و اقتصادية على وجـه العمـوم لتأمين حصـاد و إخفـاء المحصلات غير المشرعة لإحدى الجرائم .
    *من حيث غايتها : تستهدف ضـخ الأمـوال غيـر النظيفة ( كأمـوال التجـارة بالمخذرات و السرقات الكبرى و سرقة الأعمال الفنية و الإيجار غـير المشروع في الأسلحة و التجارة في الرقيق عبر مختلف شبكاته ...إلخ ) (1).
    و ذلك داخل حيز الأنشطة الاقتصادية و الاستثمارية المشـروعة سواء على المستوى الوطني أو العالمي على نحو يكسها صفة المشروعية في نهاية المطاف و هكذا تتخلص الأموال من مصدرها الأصلي غيـر النظيف و تنحدر بذلك من جديد وسط اقتصـاد طبيعي مشروع .
    *أما من حيث طبيعتها : لعل أهم ما يميز هذه الجريمة أنها جريمة تبعية من ناحية و قابلة للتداول من ناحية أخرى .
    1- فمن ناحية أنها جريمة تبعية : تفترض وقوع جريمة أصلية سابقة و ينصب نشـاط تبييض الأموال بالتالي على الأموال أو المحصلات الناتجة عن هذه الجريمة الأصلـية
    2- أما من ناحية قابليتها للتدويل : هو وقوع الجريمة الأم على إقليم دولة ما ، بينـما يتوزع نشاط تبييض الأموال على إقليم دولة أخرى و هكذا تتبعثـر الأركان المكـونة للجريمة عبر الحدود(2) و هو الأمر الذي يصعب من الملاحقة الجنائية لا سيما مـع ما يثيره ذلك من مشاكل جمة في مجالي الاختصاص و مدى الاعتراف بحجية الأحكـام الجنائية الصادرة في موطن الجريمة الأم .
    *و تعرف أيضا جريمة تبييض الأموال على أنها عبـارة عن عملية يلجأ إليـها مـن يتعاطى الاتجار غير المشروع بالمخدرات لإخفاء وجود دخل أو لإخفاء مصدره غير المشروع أو استخدام الدخل في وجه غير مشروع ، ثم يقوم بتمويه ذلك الدخل ليجعله
    يبدو و كأنه دخـل مشروع(3) أي بعبـارة أبسط التصرف فـي النقود بطريقة تخفـي

    مصدرها و أصلها الحقيقين .
    * و في الواقع أن كلمة تبييض الأموال و غسيل الأموال حسب فقهاء القانـون يلتقيان في دلالة مفهومها و يختلفان في المصطلح فقط إذ كلاهما يعني استخدام حيل و وسائل و أساليب للتصرف في أموال مكتسبة بطريقة غير مشروعة و غير قانونية لإضفـاء الشرعية و القانونية عليها و هـذا يشمل الأموال المكتسبة مـن الرشوة و الاختلاسات و الغش التجاري و تزوير النقود و مكافآت أنشطة الجوسسة .
    * هذه الظاهرة الخبيثة هي و لا شك إحدى ثمـار العولمة الاقتصادية التي يروج لـها الغرب ، فاصطلاح غسيل الأموال و تبييض الأموال اصطلاح عصري و هـو بديـل للاقتصاد الخفي أو الاقتصاديات السوداء أو اقتصاديات الظل و هو كسب الأموال مـن مصادر غيـر شرعية و أحيانا يتـم خلط هـذه الأموال الحرام بأموال أخـرى حلال و استثمارها في أنشطة مباحة شرعا و قانونا لإخفاء مصدرها الحرام و الخروج مـن المساءلة القانونية بعد تضليل الجهات الأمنية و الرقابية .
    * فمن الأساليب التي يجري على أساسها غسيل هذه الأموال غير المشروعة التي يتم تحصيلها مـن عمليـات السرقة و تسهيل الدعـارة و الرشـوة و تهريب المخذرات و تهريب البشر و المتاجرة بالأطفال و نوادي القمار أن يكـون أصحاب الأموال غير المشروعة هذه بإيداعها في بنـوك أو تحويلها بيـن البنوك لدمجـها مـع الأمـوال المشروعة و إخفاء مصادرها الأصلية ، و قد يتم تحويل هـذه الأمـوال من البنـوك الداخلية إلى البنوك العالمية لها فروع كبيرة في العالم ثم تقوم البنوك الخارجية نفسهـا بعملية تحويل أخرى للأموال عبر فروعها المختلفة و بعد ذلك يقـوم أصحابها بسحب أموالهم من البنوك لشراء الأراضي ، أو المساهمة في شركات عابرة للقارات .
    * ويعرفها الأستاذ : جيفري روبنسون بأنها ّّ: " يعـد تبييض الأموال بالدرجة الأولى مسألة فنية ، أي أنها عملية تحايل يتم من خلالها تحصيل ثروات طائلة كما أنها تعـد
    القـوة الحيوية لمهربي المخدرات والنصابين ومحتجزي الرهائن ومهربي الأسلـحة وسالبي الأموال بالقوة وباقي المجرمين من هذا القبيل(1) .
    خلاصة :
    من خلال ما تقدم نستنج أن هناك تعريفان بحسب وجهة نظر الفقهاء لجريمـة تبييض الأموال تعريف واسع وتعريف ضيق .
    أولا: التعريف الضيق : يقتصر التعريف الضيق للتبييض على الأموال غير المشروعة الناتجة عن تجارة المخدرات ومن بيـن المنظمات والدول التي أخذت بهـذا التعريف اتفاقية فيينا عام 1988 – قانـون المخدرات والمؤثرات العقلـية اللبناني – التوصـية الصادرة عن مجلس المجموعة الأوروبية عام 1991 .
    ثانيا : التعريف الواسع : فيشمـل جميع الأموال القذرة الناتجة عن جمـيع الجرائـم والأعمال غير المشروعة ليس فقط تلك الناتجة عن تجارة المخدرات .
    ومن التشريعات التي اعتمدت هذا التعريف القانون الأمريكي لعـام 1986 وإعـلان المبادئ الخاص لمنع استعمال القطاع المصرفي لتبييض الأموال ولجنة بازل (Pasle) في كانون الأول عام 1988 .
    * وهذا التعريف الأخير هو التعريف الأرجح والذي يجب أن يكون لتبيض الأموال إذ أنه يعني بتبييض الأموال "(2) كل فعل يقصد به تمويه أو إخفاء مصدر الأموال الناتجة بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن ارتكاب إحدى الجرائم المذكورة سلفا" .
    2/ التعاريف على ضوء الاتفاقيات الدولية :
    إن اصطلاح غسيل الأموال يرجع من حيث مصدره إلى عصابات المافيا حيث كان يتوفر بيد هذه العصابات أموال نقدية طائلة ناجمة عن الأنشطة غير المشـروعة وفي مقدمتها المخدرات والقمار والأنشطة الإباحية والابتزاز وغيرها ، وقـد احتاجت هذه العصابات أن تضفي المشروعية على مصادر أموالها عوضا عـن الحاجـة إلى حـل مشكلة توفر النقد بين يديها ومشكلة عدم القدرة على حفظها داخل البنوك ، وكان أبرز الطرق لتحقيق هذا الهدف شراء الموجودات وإنشاء المشاريع وهو ما قام به أحد أشهر قادة المافيا ( آل كابون) وقد أحيل ( آل كابون ) عام 1931 إلى المحاكمة لكـن لـيس بتهمـة غـسيل الأموال غيـر المعروفة في ذلك الوقت وإنمـا بتهمة التهرب الضريبي ، وقد أخذ الحديث مداه عن المصادر غير المشروعة لهـذه الأموال في تلك المحاكمة خاصـة عنـد إدانة ( ميرلانسكي ) لقيامـه بالبحث عـن وسائل لإخفـاء الأمـوال باعتباره المحاسب والمصرفي العامل مـع آل كابون ولعـل مـا قـام بـه ( ميرلانسكي ) في ذلك الوقـت وفي بدايات تطور الصناعة المصرفية يمثل أحد أبرز وسائل غسيل الأموال فيما بعد وهـي الاعتماد على تحويل نقـود إلى مصارف أجنبية وإعادة الحصول عليها عـن طـريق القروض .
    - وقد عاد مصطلح ( تبييض الأموال ) للظهور مجـددا على صفحات الجرائد إبـان فضيحة ( ووترجيت ) عـام 1973 . فـي أمريكا، ومـنذ ذلك الوقت جرى شيـوع الاصطلاح للدلالة على أنشطة إسباغ المشروعية على الأموال القذرة المتحصلة مـن مصادر غير مشروعة عن طريق إدخالها ضمن دائرة الأموال المشروعة في عمليـة تتخذ مراحل متعددة وأشكال مختلفة تؤدي بالنتيجة إلى إظهار المال وكأنه له مصدرا مشروعا .
    * وقد عرفتها المادة 03 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية التي اعتمدها المؤتمر السادس في جلسته العامـة المنعقدة في فيينا بتاريخ 19 ديسمبر 1988 ، حيث جرمت الأعمال التي من شأنها تحويل الأمـوال أو نقلها مع العلم بأنها مستمدة من أية جريمة من جرائم المخدرات أو من فعل من أفعال الاشتراك في مثل هـذه الجريمة أو الجرائم بهـدف إخفاء أو تمويه المصـدر غـير المشروع للأموال قـصد مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب هـذه الجريمة على الإفلات من العواقب القانونية .
    * كما عرفتها التوصية الصادرة عن مجلس اتحاد المجموعة الأوروبية في

    10 حزيران 1991 بأنها كل العمليات المتعلقة بالمخدرات والمأخوذة عـن اتفاقية فيينا 1988 .
    * وعرف إعلان المبادئ الخاص لمنع استعمال القطاع المصرفي تبييض الأموال والموضوع في بازل (Pasle) في كانـون الأول 1988 عـرف فـي مقدمته تبييض الأموال بأنه جميع العمليات المصرفية التي تهدف إلى إخفاء المصدر الجرمي للأموال
    * أما فريق العمل المالي (CAFI ) وهـو جـهاز تابع لمنظمة التعـاون والتنمـية الاقتصادية في الأمم المتحدة مكلف بالتنسيق الدولي في شأن مكافحة تبييض الأمـوال
    اعتمد تعريفا واسعا فشمل أنواعا أخرى من المال المبيض المتأتي عن الاتجار بالسلاح والتهرب من الضرائب والجمارك ...إلخ .
    * ويعد تعريف دليل اللجنة الأوروبية لتبييض الأموال الصادر لعام 1990 الأكثر شمولا(1) وتحديدا العناصر تبييض الأموال من بين التعريفات التي تضمنتها عدد مـن الوثائق الدولية والتشريعات الـوطنية ، ووفقا للدليـل المذكور فإن تبييض الأمـوال
    " عملية تحويل الأموال المتحصلة من أنشطة جرمية تهدف إخفاء أو انكسار المصدر غير الشرعي و المحضور لهذه الأموال أو مساعدة أي شخص ارتكب جرما ليتجنب المسؤولية القانونية عن الاحتفاظ بمتحصلات هذا الجرم"(2)
    و عملية الإخفاء أو الإنكـار تمتد لحقيقة أو مصدر أو موقع أو حـركة أو ترتيبات أو طبيعة الحقوق المتحصلة من هذه الأموال أو ملكيتها مع توافر العلم أن هـذه الأمـوال متحصلة من جريمة جنائية ووفقا لهذا التعريف فإن تبييض الأموال بالمعنى البسيط هو إظهار المال الناتج عن جرائم جنائية كترويج المخدرات والإرهاب أو الفساد أو غيرها بصورة أموال لها مصدر قانوني ومشروع .

    3/ التعاريف التشريعية ( موقف المشرع الجزائري ) :
    يمكن القول أن نشاط تبييض الأموال واستخدام عائدات الجرائم أضحى شـكل جريمة مستقلة لا تختلط بغيرها من الأوصاف الجنائية الأخرى أو على الأقل لا تلتبس معها ، وقد استجابت معظم الدول إلى تجريم هذا الفعل في تشريعاتها الداخليـة وفقـا لمـا تنص عليه اتفاقية الأمم المتحدة فينا عام 1988 ، وكذا اتفاقيـة مجلس أوربا في ستراسبورغ عام 1990 ، لأنهما حجر الزاوية في هـذا الخصوص ، وصارت العديد من التشريعات تتضمن نصوصا خـاصة تعرف هـذه الجريمة وتعاقب فاعليها وكانت من بين الدول السباقة إلى تعريف هـذه الجريمة في قوانينها الداخلية فرنسا ، الولايات المتحدة الأمريكية و ألمانيا.
    وسنحاول في مـا يلي التطرق إلى كل تعريف مـن هـذه التعاريف على حدى وفي النهاية سنعرج على موقف المشرع الجزائري من هذه الظاهرة .
    المشرع الفرنسي :
    نص المشرع الفرنسي على جريمة تبييض الأموال في المادة 324 فقرة 1 و2 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد المضافة إلى قانون 96/392 الصادر في 13 ماي 1996 بقوله : " تبييض الأموال هو تسهيل التبرير الكاذب بـأي طريقة كانت لمصدر أموال أو دخول لفاعل جناية أو جنحة تحصل منها فائدة مباشرة أو غير مباشرة .
    - ويعتبر أيضا من قبيل تبييض الأمـوال وفقا للفقرة 02 من المادة 324 ق ع ف .
    " تقديم المساعدة في عمليات إيداع أو إخفاء أو تحويل العائد المباشر أو غير المباشر لجناية أو جنحة " .
    - ويستخلص مـن نص المادة 324 / 1 و 2 من ق ع ف الجـديد مظهران للسلوك المكون لتبيض الأموال واستخدام عائدات الجرائم هما :
    1- تمويه المصدر ( مصدر الأموال )
    2- المساعدة في عمليات إيداع أو إخفاء أو تحويل متحصلات جناية أو جنحة.
    * وبذلك يكون المشرع الفرنسي قد وسع مكافحة تبييض الأموال ليشمل كافة الجرائم دون حصرها بأموال المخدرات ( أخذا بالتعريف الفقهي الواسع ) .
    * المشرع السويسري
    أدخل المشرع السويسري لأول مرة في قانـون العقوبات المعـدل فـي سـنة 1990 مفهوما لجريمة تبييض الأموال في نص المادة 305 التي اعتبرت " كل عمـل إرادي من شأنه أن يعرقل تحديد مصدر أو اكتشاف أو مصادرة أمـوال مبيضة يعاقب علـيه بالسجن من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة مالية تصل إلى أربعين ألف حتى مليون فرنك سويسري ، كما اعتبر قانون العقوبات السويسري بأن الموظف الذي يعلن السلطات المختصة لا يمكن ملاحقته ، ثم أصدرت سويسرا قانونا يمنع تبييض الأموال الملوثة بتاريخ 01/08/1990 .
    * المشرع الألماني :
    أعتـبر قانـون العقوبات الألماني المعدل في 1993 عمليات تبييض الأمـوال جريمة يعاقب عليها القانون وقد عرفها في المادة 261 من قانون العقوبات : " هي كل من يخفي أو يطمس أثرا أو يمنع أو يعيق الكشف عن أصل أو موقع يتسبب في إيجاد الموقع أو المصادرة أو وضع اليد أو القبض على ممتلكات ناتجة عـن جريمة خطيرة اقترفها شخص عضـو في منظمة إجرامية وتطبق نفس القواعد عـلى الشركاء فـي الجريمة وإذا قام المخالف بعملية تجارية مـع عضو في هـذه العصابة بهدف تحصيل عمولة مستثمرة من عمليات تبييض الأموال يعاقب وفقا للقانون وأوجب كذلك مصادرة الأموال أو الممتلكات الناتجة عن عمل إجرامي يتعلق بتبييض الأموال سواء كانت هذه الممتلكات داخل أو خارج البلاد .
    - وبذلك يكون أيضا المشرع الألماني قد أخذ بالتعريف الفقهي الواسع متأثرا بما ذهب إليه المشرع الفرنسي .
    * المشرع الأمريكي :
    تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول في العالم تضررا من ظاهرة تبييض الأموال ، بحيث أن هناك اتفاق عالمي بأن التقدير الحالي للمبالغ الملوثة يقـدر في الولايات المتحدة وحدها 300 بليون دولار أي 35% من الأمـوال القذرة بفعـل جريمة تبييض الأموال في الـعالم ،لذلك لجأ المشرع الأمريكي إلى تجريمها مبكرا في سـنة 1986 أي حتى قبـل ظهـور اتفاقية فيينا ، وقـد عرفـها القانـون الأمريكي
    لسنة 1986 في إحدى مواده بأنهـا " كل عمل يهدف إلى إخفـاء طبيعة أو مصـدر الأمـوال الناتجة عن النشاطات الجرمية (1) أخذا بذلك بالتعريف الفقهي الواسع لهـذه الجريمة .
    * المشرع الأسترالي :
    تعتبر أستراليا من بين أبـرز الدول وأكثرها فعالية فـي تبني نظاما لمكافحة تبييض الأموال ،وقد جاء أول نص قانوني في أستراليا يعرف تبييض الأموال في جزر سيشل ، حيث عرفت هذه الجزر تبييض الأموال بأنه " كل من يخفي الأصـل الحقيقي لأمواله التي حصل عليها بطريقة غير شرعية " .
    *مشرع الإمارات العربية المتحدة:
    بدأت وزارة الداخلية الإماراتية منذ عام 1995 بالتنبه إلى خطـورة عمليـات تبييض الأموال فشكلت لجنة وزارية لدراسة وتجريم هذه الظاهرة ، وقد عرف مشروع قانون العقوبات الإماراتي الجديد تبييض الأموال بأنها : "عمليات تغيير الصفة الأصلية لهذه الأموال وصعوبة معرفة مصادرها وتعقبها مـن الجهات الأمنية ثم إعادة الأموال إلى مصدرها الأصلي مرة أخـرى لتبدو و كأنها مشروعة ".
    * المشرع الكويتي :
    ربما لا يوجد في دولة الكويت تشريع عام يجرم تبييض الأموال ولكـن هناك نموذج لتشريع رقابي على نشاط العمولات التي تتـم في إطار العمليات العقدية مـع الدولة ، وقد أبرز القانون رقم 52 لعام 1996 بأن الكشف عن العمولات التي تقدم في العقود التي تبرمها الدولة ، حيث تكون قيمة العـقد 100 ألف دينار أو أكثر و نـص القانون على تضمين العقد نصا يبين ما إذا كان المتعاقد قد دفع عمولة نقدية أو عينيـة أي منفعة أخرى لوسيط ظاهر أو مستتر ، ففي هذه الحالة يجب أن يكون المتعاقد مع الدولة وكيلا معتمد بالكويت .
    و منه فإن المشرع الكويتي لا زال لا يفرق بين جريمة تهريب رؤوس الأموال إلى الخارج و جريمة تبييض الأموال كجريمة مستقلة .
    *المشرع اللبناني :
    إن موقع لبنان كمركز مصرفي و مالي ذا بعد إقليمي بالإضافة إلى قطاعـه المـالي الناشط و انفتاحه الدولي هـو مـن الأسباب التي دفعته إلى الاهتمام بمكافحة تبييض الأموال على نطاق واسع ، و قد تناول قانـون المخذرات و المؤثرات العقلية و السلائف القانون رقم 273 /98 و لأول مرة عبارة تبييض الأموال في المادة 2 من نفس القانون معتبرا أن تبييض الأموال هـو :" إخفاء و تمويه المصدر غير المشروع للأمـوال المنقولة أو المـوارد الناتجة عـن جرائم المخذرات و المؤثرات العقليـة و السلائف ".
    و منه فإن المشرع اللبناني و على خلاف باقي التشريعات قـد أخـذ بالتعريف الضيق لجريمة تبييض الأموال ، إلا أنه ما لبث أن تراجع مؤخرا و غير موقفه و ذلك بإصداره قانون مستقل لمكافحة تبييض الأمـوال(1) في 20 نيسان 2001 ، إلا أنـه و بالرجوع إلى هذا القانون نجد المشرع اللبناني و على خلاف باقي التشريعات الأخرى حـدد في المادة الأولى مـن التعديل المذكور مفهوما للأموال القذرة : " بأنها الأموال الناتجة عن ستة جرائم فقط و هي : المخذرات ، الإرهاب ، جمعيات الأشرار ، السرقة و تزوير العملة .
    * المشرع المصري :
    تعتبر مصر من الدول المتحمسة لمكافحة تبييض الأموال ، و قـد وقـعت على اتفاقيتين دوليتين لمكافحة تبييض الأمـوال : اتفاق الأمـم المتحـدة ( فيينا ) 1988 م و الاتفاق العربي ( تونس 1994 ) .
    و قد انتهت الحكومة المصرية من إعداد مشروع قانون مكافحة غسيل الأموال و يتألف من 30 مادة و تمت مناقشته في شعبة القطاع المـالي و السياسات النقدية كـما ناقشه المجلس الشوري .
    و فيما يلي أهم ما تضمنه مشروع قانون مكافحة غسيل الأمـوال : حيث عرف المشروع في مادته الأولى الأموال : بأنها جميع الأشياء ذات القيمة سواءا كانت منقولة أو عقارية أو كـانت مـن العملات الوطنية أو الأجنبية أو الأوراق المـالية بجميع
    أنواعها ، و كذلك الحقـوق المتعلقة بهــذه الأمـوال شخصية كـانت أو عينيــة و الصكوك و السندات المثبتة لكل ذلك .
    و حسب منظور هـذا المشروع : تبييض الأموال : " بأنـه كـل سلوك ينطوي على اكتساب مال أو حيازته أو التصرف فيه أو تحويله إذا كان متحصلا على الجريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة رقم 2 متى كان القصد مـن هـذا السلوك إخفاء أو تمويه مصدر الأمـوال أو تغيير حقيقته أو الحيـلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل إلى شخص من ارتكب الجريمة المتحصل منها المال .
    أما المتحصلات : فهي جميع الأموال العائدة و الناتجة بطريق مباشر أو غير مباشر من ارتكاب أي جريمة من الجرائم المشار إليها سلفا(1) .
    *المشرع العربي السعودي :
    جاءت موافقة مجلس الوزراء على مشروع نظام مكافحة غسيل الأموال فـي جلسته التي عقدها في 2004 هذا العام برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز الذي رفـعه معالي الدكتور إبراهيم العساف وزير المـالية لنظر في قرار المجلس الشوري حول المشروع ، ليضع المملكة في مقدمة الدول التي اتخذت خطوات مهمة في مكافحة غسيل الأموال .
    و قد جاء في أبرز مواد هذا النظام الـذي سيصدر سمو وزير الداخلية بالاتفاق مـع وزير المالية اللائحة التنفيذية لهذا النظام خلال تسعين يومـا من يـوم المصادقة عليه
    و قد جـاء في المادة الأولى مـنه " غسيل الأموال هـو إجراء أي عملية لأمـوال أو متحصلات مع علم الفاعل بأنها ناتجة عن نشاط إجرامي أو مصدر غـير مشروع أو غير نظامي و كذلك تمويل الإرهاب و الأعمال الإرهابية و المنظمات الإرهابية "
    *المشرع الجزائري :
    تماشيا مع المخطط الإستعجالي الذي بادرت به وزارة العدل سنة 2001 و تجسيدا للتوصيات المنبثقة عن اللجنة الوطنية لإصلاح العدالة المتعلقة بضرورة إعادة النظر في مجمل النصوص القانونية لهذا القطاع ، و قصد جعل قانون العقوبات يساير التحولات الاقتصادية و السياسيـة و الاجتماعية التي تعرفهـا بلادنا و قصد التكفـل بالأشكال الجديدة للإجرام التي تهدد الأمن الفردي و الجماعي ، و كذا من أجل جعـل القانون الوطني يتجانس مع المعايير الدولية و الإلتزامات الاتفاقية لبلادنا ، و تبعا لذلك تم ظهور أول نص قانوني(1) يتكلم عن تبييض الأموال في الجزائر ، و عند تفحصنـا لهذا النص القانوني نجد أن المشرع الجزائري قد نهج منهج التشريعات الدولية السابقة في الأخذ بالتعريف الفقهي الواسع لجريمة تبييض الأموال ، حيث عرفتها المادة 389 مكرر و الذي جاء بها القانون رقم 04 –15 المؤرخ في 27 رمضان 1425 هـ الموافق 10 نوفمبر 2004 المعدل و المتمم للأمر 66/156 المتضمن قانون العقوبات بما يلي:
    - يعتبر تبييضا للأموال :
    أ- تحويل الممتلكات أو نقلها مع عـلم الفاعل بأنـها عائدات إجرامية بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الممتلكات أو مساعدة أي شخص متورط فـي ارتكاب الجريمة الأصلية التي تأتت منها هـذه الممتلكات على الإفلات مـن الآثـار القانونية لفعلته.
    ب- إخـفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكـانها أو كيفيـة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها مع العلم بأنها من عائدات إجراميـة
    ج- اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع عـلم الشخص القائم بذلك وقت تلقيها بأنها تشكل عائدات إجرامية .
    د- المشاركة في ارتكاب أي من الجرائم المقررة وفقا لهذه المادة أو التواطؤ أو التآمر على ارتكابها و محاولة ارتكابها و المساعدة و التحريض على ذلك و تسهيله و إسداء المشورة بشأنه .
    و سنتطرق إلى مناقشة هذا القانون بطريقة مفصلة في حينه(1) .

    المطلب الثاني :مصادر الأموال المبيضة :
    للأموال المبيضة عدة مصادر يصعب حصرها في إطار أو عدد معين ، وقـد جاء في تقرير غافي GAFI الثامن أن أهم مصادر المداخيل غير المشروعة هي :
    - تهريب المخدرات – الجرائم المالية ( الغش المصرفي الاستعمال الإحتيالي لبطاقات الائتمان أو الدفع ، الإفلاس الإحتيالي ، الاختلاس ، تهريب الكحول والتبغ المرابـاة الميسر ، الدعارة .

    • تهريب السلاح – الخطف – سرقة السيارات

    و ذهب المشرع اللبناني إلى تحديد مصادر الأموال المبيضة و اعتبر أن القصـد بالأموال غير المشروعة – المعنية بجريمة تبييض الأموال – الأموال كافة الناتجة عن ارتكاب إحدى الجرائم الآتية :

    • زراعة المخدرات أو تصنيعها أو الاتجار بها .
    • الأفعال التي تقدم عليها جمعيات الأشرار و المعتبرة دوليا جرائم منظمة .
    • الجرائم الإرهابية .
    • الاتجار غير المشروع بالأسلحة .
    • جرائم السرقة أو اختلاس الأموال العامة أو الخاصة أو الإستلاء عليها بوسائل احتيالية و المعاقب عليها بعقوبة جنائية .
    • تزوير العملة .

    و إذا كانت اتفاقية فيينا قد حصرت مصدر الأموال المبيضة في عائـدات المخدرات
    فقط ، فإن المشرع الجزائري و على غرار معظم التشريعات الداخلية للدول لم يحصر مصادر الأموال المبيضة ، و اكتفى باعتبار كل العائدات الناتجة عن نشاط إجرامـي مصدرا لهذه الجريمة .
    ويمكن بدورنا و على سبيل الشرح أن نعدد أهم النشاطات الإجرامية التي تعتبر عائداتها مصدرا من مصادر الأموال المبيضة في ما يلي :
    1- تجارة المخدرات والمؤثرات العقلية :
    نظرا للمردود الضخم للأموال التي تدرها تجارة المخدرات(1) فإنها تعتبر أهم مصدر من مصادر الأموال المبيضة ، وتعد أشهر عملية من عمليات تبييض الأموال والتي تتعلق بتجارة المخدرات تلك التي قام بها رئيس بانما PANAMA المخلوع نورييغا ، حين سمح لعصابات المخدرات الدولية في مدينة مادلين الكولومبية باستخدام بانما كمحطة عبور لتجارة المخدرات ، مقابل الحصول على مبالغ مالية طائلة ، يتـم إيداعها في البنوك العالمية لإجراء عمليات الغسيل لـها، وقـد سـاهم بنك الاعتـماد والتجارة الدولية قي مدينة فلوريدا الأمريكية في تسهيل إيداع أموال المخدرات المنقولة من كولومبيا إلى أمريكا، وبواسطة فروعه المتعددة يقوم بتحويل الأموال إلى كولومبيا فتدخل مجددا إلى البلاد بصورة قانونية .
    أما بالنسبة لحجم الأمـوال المتداولة في سـوق المتاجرة غـير المشروعـة بالمخدرات، فقد اختلفت التقديرات الرسمـية وتفاوتت في تحديدها ، رغـم أن كـل المؤشرات تدل وبكل وضوح أن حجم هـذه الأموال في تصاعد مستمر ، فقـد أشار تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الأمريكي سنة 1992 أن حجم عملية تبييض الأموال بلغ مائة مليار دولار سنويا يتم تحويله إلى أموال مشروعة ، وقد ورد في نشرة الأمم المتحدة سنة 1998 في مقال بعنوان " غسل الأموال "(1) أن الخبراء يرون أن الاتجار غير المشروع في المخدرات يدر سنويا ما يبلغ 400 مليار دولار، أي ما يقارب نحـو عشرة أضعاف القيمة الإجمالية لمبالغ المساعدات التنموية الرسمية كافة.
    وقد ورد في النشرة نفسها تقديرات صندوق النقد الدوليFMI والتـي أحصت حجم الأموال التي يتم غسلها بما يتراوح بيـن 2 % إلى 5% مـن إجمـالي النـاتج المحلي العالمي ، وعـدت جريمة تبييض الأموال مـن أخطر المشكلات التي تواجـه الاقتصاد العالمي .
    وتقدر قيـمة المخدرات المتداولة في السـوق المصـري بحوالي( 03) ثلاثـة مليارات جنيه سنويا ، تحاول مصر من خلال اٌٌُلإدارة العامة لمكافحة المخدرات بوزارة الداخلية مصادرة أموال وممتلكات كبار مهربي المخدرات ،وذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بحيث يتم اقتسام الأموال بين الدول الثلاث وتقـدر قيمة هذه الأموال بنحو 7.5 مليون دولار ، وذلك في إطار الاتفاقيات الدولية لتعزيز التعاون في تجريد تجار المخدرات من أموالهم ومصادرتها خاصة وأن 70% مـن الأمـوال المستخدمة في تجارة المخدرات تتعرض لتبييض الأموال (2) .
    وقـد أعلن رالف لانيدر Ralf Lainder وهـو خبير عالمي فـي مكافحـة الممارسات المصرفيـة غـير المشروعـة ، أن تهريب المخدرات يساهم في حـدوث عمليات تبييض أموال قيمتها 125 مليار دولار على مستوى العالم ، تمثل 25% مـن قيمة إجمالي عمليات تبييض الأموال المرتبطة بالمخدرات فقـط البـالغة 500 ملـيار دولار سنويا .
    وبذلك فإن الانتشار العالمي لتعاطي المخدرات المحظورة تعد ظاهرة خطـيرة ذلك من منطلق إحصائيات مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات ومنع الجريمة التي تشير إلى ازدياد في عدد المدمنين على تعاطي المخدرات ( الكوكايين ، الأمفيتامينات وان غالبيتهم العظمى مـن الشباب ، ونشير بهذا الخصوص أن مـا لاحظناه أثـناء تربصنا بمجلس قضاء وهران كثرة جنح حيازة واستهلاك المخدرات وكذا المتاجرة بها ويعكس الجدول التالي تطور هذه الجريمة على المستوى الوطني :
    السنة
    عدد القضايا
    عدد المتهمين
    1994
    1918
    3448
    1995 2415 4065
    1996 2284 5301

    وهذا ما يدل على أن هاته الظاهرة قد عرفت تفشيا كبيرا في مجتمعنا.
    وعلى صعيد آخر فإن اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1988 والتي صادقت عليهـا الجزائر بموجب المرسوم رقم 95/41 المنشور في الجريدة الرسمية رقم 07 ، ومـا تلاها من اتفاقيات قد ركزت على موضـوع الأموال الناشئـة عـن تجارة المخدرات بوصفها رأس الرمح في الأموال القذرة التي تكون في حاجة إلى التبييض، وهـذا وان كانت جرائم المخدرات من أكثر الجرائم المعتبرة مصدرا للأموال المبيضة أو المـراد تبييضها إلا أن هناك العديد من الجرائم التي تدر أمـوالا طائلة وتشكل هـدفا لتبييض الأموال نتناولها في ما سيأتي
    2- المتاجرة في الأسلحة :
    تعتبر المتاجرة غـير المشروعة في الأسلحة(1) مصدر مـن مصادر الأمـوال المبيضة، ونعني بالمتاجرة هنا تلك التي تتم في سرية تامة وبعيدا عـن إشراف ورقابة السلطات المعنية ، على اعتبار أن لكل دولة قانونها الخاص بها،والذي ينظم بيع وشراء وامتلاك وحيازة الأسلحة والذخيرة داخل حدودها الإقليمية، وحفاظا على الأمن والنظام عادة ما يحدد القانون العام الداخلي الشروط الواجب استيفاؤها للترخيص للأفراد بحمل الأسلحة النارية .
    ويتـعامل في هـاته التجارة عصابات وسماسرة دوليون يسعون وراء الكسـب المادي بصورة تتنافى مع القوانين والتشريعات الداخلية والدولية المنظمة لتجارة السلاح وتوابعها ، فأصبح السلاح سلعة يتم مقايضتها أحيانا مـع المخدرات خاصة فـي دول العـالم الثالث في آسيا وأفريقيا والتي تعرف بعض دولـها الحـروب الأهلية والقبلية المدمرة .
    وجميع متحصلات هاته الأنشطة غير المشروعة يتم في ما بعد السعي من أجل تبييضها وإدخالها في دائرة الأموال المشروعة .

     


    3- الاتجار في الإنسان ( بيع الأطفال والأعضاء البشرية والدعارة )
    تعتبر ظاهرة الاتجار بالنساء ، والأطفال مـن الظواهر التي تدر أموالا طائلة على مرتكبيها ، وقد انتشرت في أوربا بمعرفة مافيا الدعارة لتهريب النساء مـن دول أوربا الشرقية بعد انهيار النظام الشيوعي ، وقد أشارت إحدى التقارير الصادرة عـن المنظمة الدولية للهجرة ومـقرها جنيف ، إلى أن العديد مـن الفتيات يتركن أوروبـا الشرقية هروبا من الفقر والبطالة للبحث عن الثراء في الغرب ، وأن أعمـار هؤلاء الفتيات يتراوح بين 15 و 20 سنة ، يذهبن إلى أوربا للعمل في بعض المهن الحـرة مثل مضيفات في الملاهي والفنادق وكراقصات ... ثم ينتهي بهن الأمر إلى ممـارسة الدعارة بواسطة سماسرة الرقيق الأبيض، وقد أوضح التقرير أن العصابات المتورطة في هاته التجارة المحرمة ، على درجـة عالـية مـن التنظيم ، وتستخدم وسائل تتسم بالعنف والإرهاب والوحشية والتهديد بالقتل وحرق المنازل لمن ترفض ممارسة الرذيلة
    وتجدر الإشـارة إلى أن اتفاقية فيينا لـعام 1988 تطرقت في مقدمـتها إلى استغلال الأطفال في كثير مـن أرجاء العـالم ، باعتبارهم سـوقا غـير مشـروع للاستهلاك ولأغراض إنتـاج المخدرات والمؤثـرات العقلية وتوزيعها والاتجار فيـها بصورة غير مشروعة ، مما يشكل خطرا فادحا إلى حد يفوق التصور ، خاصة عندما يهدف ذلك إلى التغرير بالقصر أو استغلالهم(1) ، وكان مؤتمر مانيلا (الفليبين) عن الجريمة المنظمة عام 1998، قد تطرق إلى مكافحة الاتجار بالنسـاء والأطفال بشكل واسع وفعال ، في حين أنه أصبح يتم الإعلان عن بيع الأطفال وتبنيهم في الصحف ، واستغلت العصابات هذه الظاهرة لتنفذ إلى هذا المجال من باب الرأفة والتبني وما شابه ذلك ، فأصبحت تقوم بشراء هؤلاء الأطفال بمبالغ زهيدة ليكونوا نواة لأفراد عصابات الجريمة المنظمة، ويتم تدريبهم على أساليبها ووسائلها ليحلوا محل كوادرها .
    وتقترن هاته الظاهرة أيضا بظاهرة الاتجار في الأعضاء البشرية التي لا تقدر بثمن بالنسـبة لمن يكونون في حاجة إليها مـن أثرياء الدول المتقدمة ،وقـد أصبحت على سبيل المثال تجارة الكلى تـدر دخلا كبيرا على عصابـات الإجـرام في أوروبا وأمريكا، وبالتالي فإن أنشطة الجريمة المنظمة على نطاق العالم قد أصبحت متداخلـة ومتشابكة بحيث لم تعد قاصرة على أسلوب معين ، بـل أصبحت جماعات الجريمـة المنظمة يسعون إلى إخفاء أنشطتهم ومصادر أموالهم ، فصاروا يتبعون العـديد مـن الأساليب المتطورة والمـعقدة تفاديا لانكشاف أمرهم ومن ثمة تتجه هاته العصابات إلى ايداع المداخيل المحققة مـن التجارة غـير المشروعة في حسابات سرية فـي البنوك الأجنبية وفروعها ، التي تنتشر في مناطق جغرافية متعددة حول العالم وفي الغالب يتم إجراء العديد من عمليات التحويل للنقود عبر البنوك والمراسلين فـي دول مختلفة ، بحيث يحدث نـوع مـن التعتيم على المصدر غير المشروع للأمـوال ومـن ثمـة يصعب تتبع هـذه الأموال ومكافحتها بشكل فعال .
    ومن الممكن أن تخضع هـذه المداخيل لعمليات التبييض مـن خـلال شراء العقارات و السلع و الحلي و المجوهرات و غيرها .... كما أن هناك بعض العصابات صـارت تقوم بشراء أندية القمار و إدارة بيوت الدعارة و أماكن اللهو و المراقص و غيرها من الأوكار التي لا تحضرها القوانين في كثير من الدول .
    4- الاتجار بالوظيفة العامة : الفساد السياسي والمالي ( الرشوة )
    تعد جرائم الفساد الإداري و السياسي و المالي – جريمة الرشوة – من الجرائم المولدة للأموال القذرة ، و نقصد بالفساد هنا الاستغلال غير المشروع للوظيفة العامـة لتحقيق المكسب الشخصي ، و على كل فإن جـل القـوانين و عـلى اختلافها جرمت الرشوة و فرضت عقوبات عند ارتكابها تتراوح بين الحبس و الغرامة ، كما أن بعض الجهات ذات الصبغة العالمية مثـل منظمة التجارة العالمية و صندوق النقـد الدولي و البنـك الدولي بالتعـاون في هـذا المجال مع منظمات غير حكومية مثل منظمة "ترانسبيرنسي انتر ناشيونال " للعمل ضـد جرائم الفساد و الرشوة على نطاق العالم و كما صار صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و غيرهما من الجهات المانحة للقروض لدول العالم – و خاصة الثالث منـها – تشتـرط سلامة و خلو سجل الدولة الطالـبة للقرض من جرائم الفساد السياسي و الإداري و المالي، حتى تضمن ذهاب هذه الأموال إلى المشاريع التنموية المخصصة لها ، علما بأنها كانت في فترات سابقة لا يذهب منها إلى هذه المشاريع إلا القليل، في الوقت الـذي تودع فـيه الملايين منـها في حسابات المسؤولين بتلك الدول(1) ، لأن عملية تبييض الأمـوال مرتبطة بالفساد السياسي الذي يقترن باستغلال النفـوذ ، لجمع الثروات الطائلة ، ثم تهريب الأمـوال إلى الخـارج و القيام بغسلها و عودتها مرة أخرى في صورة مشروعة .
    وتعـد اتفاقية ميريدا بالمكسيك المبرمة في 01/12/2000 المـتعلقة بمحاربـة الرشوة إطارا عالميا فعالا للقضاء على هذه الآفة ، وقد صادقت 289 دولة من بينهـا الجزائر و التي وقعت عليها بتاريخ 09/12/2003 باسمها ثم نيابة عن مجموع الدول العربية .
    و نشير أن هناك العديد من الجرائم السياسية التي ارتكبت في العالم و كانت مصـدرا لتبييض الأموال ، أشهرها :
    * في فرنسا : و نقصد بذلك رئيس وزراء فرنسا السابق الان جوبيه عندما وجه إليه الاتهام بالحصول على شقة لـه و لأسرته بإيجار منخفض ، مملوكة لبلديـة باريـس عندما كان مديرا للمالية ، و أجرى فيها إصلاحات وفق تكاليفها مـن أموال البلدية ، أي من الضرائب المحصلة من المواطنين ، و كذلك بيبر يغوفو رئيس وزراء فرنسا الأسبق عندما حصل على قرض دون فوائد من رجل أعمال حكم عليه بالسجن بعد ذلك لإدانته بتهمة الفساد ، وقد انتهت هذه المشكلة بانتحار بيبر يغوفو(2) .
    * في الأرجنتين : تورط بعض أقارب الرئيس كارلوس منعم في عمليات تبييض أموال المخذرات ، و بعد اكتشاف الأمر اضطر الأقارب ،و هم من كبار رجـال الدولة إلى
    التخلي عن مناصبهم .
    * في ماليزيا : إلقاء القبض على وزير المالية السابق أنور إبراهيم بتهمة الفساد التي أدين بها و حكم عليه بالسجن و الغرامة .
    * في الباكستان : قضـت محكمة روالبندي بتاريخ 15/04/1999 بسجـن رئيسـة الوزراء الباكستانية السابقة بنازير بوتو و زوجها و هو رجل أعمال ، بالسجن خمس سنوات و غرامة قيمتها 8.6 مليون دولار بعد اتهامها بالفساد .
    * في إيران : استطاع شاه إيران محمد رضا بهلوي ، تهريب العشرات المليارات من الدولارات إلى بنوك أوربية و أمريكية و ذلك من حصيلة الفوائض البترولية المتراكمة لدى إيران ، و كان الشاه يحصل من شركة البترول الوطنية ، على رشوة بقيـمة ألف مليون دولار سنويا ، و لا يزال جانب كبير من هذه الأموال مجمدا في البنوك الأجنبية منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 حتى الآن ، و قد بلغت قيمة الأمـوال المهربة في عهد الشاه عشرين مليار دولار ، و لم تقتصر عملية التهريب على الشـاه وحده ، بل شاركته في هذه العملية الحاشية المحيطة بـه من المسؤولين و الساسـة ، لدرجة أن سكرتيره اختلس 70 مليون دولار في يوم واحد ، و لم تظهر هاته الأمـوال حتى الآن(1) .
    5- اختلاس الأموال :
    تعتبر جرائم اختلاس المال العام من أهم الجرائم المرتبطة بالفساد ، فضلا عن ارتباطها بعملية تبييض الأموال ، حيث يقـوم الحاصلون عـلى الأمـوال المختلسـة بإيداعها في بنوك أجنبية خارج البلاد ، لعودتها إلى البلاد بصورة مشروعة ، سـواء من خلال التصرفات العينية أو من خلال تكرار و تعـدد قنوات المصـارف المحليـة و العالمية .
    و كذلك فقد دأبت كل التشريعات إلى تجريم هذا الفعل و التشـدد في العقوبـة و رغم كل الجهود المبـذولة في تعقب هاته الجريمة ، إلا أن الدراسات و الإحصائيات تشير إلى أن قيمة الأموال التي يجري اختلاسها في تصاعد مستمر و ما لاحظناه أثناء قيامنا بالتربص بمجلس قضاء وهران أنه تم تخصيص غرفة تحـقيق لجرائم الأموال تلقى القاضي - قاضي التحقيق – المكلف بها تكوينا خاصا ، و بالنسبة لنا يعتبر ذلك نقطة إيجابية تسجل في رصيد تسيير مجلس قضاء وهران ، و كل ذلك من أجل ردع و محاربـة هاته الجريمة التـي تلعب دور فـعال كمصدر من مصـادر الأموال المبيضة .
    6- التهرب غير المشروع من الدفع الضرائب :

    يقصد بالتهريب غير المشروع من الضريبة أو الغش الضريبي تمكـن المكلف كليا أو جزئيا من التخلص من تأدية الضرائب المستحقة عليه ، و ذلك عبر مـمارسة الغش و التزوير في القيـود و مخـالفة القوانين و الأنظمة الضـريبية المعتمدة(1).
    و يعتبر التهرب من دفع الضرائب من أكثر المصادر التي يمكن أن تؤدي إلـى جني أموال طائلة تكون هدفا لعمليات تبييض الأموال ، فهناك علاقة وثيقة بين الهروب من دفع الضرائب و عمليات تبييض الأموال حيث يتجه المهربون إلى إيداع أرباحهم في المصارف ، لتكون بعيدة على عيـون مصلحة الضرائب و بمنأى عـن إمكانيـة ملاحقتها و تجريمها و مصادرتها .
    7- تهريب رؤوس الأموال إلى الخارج :
    و تشكل أيضا هاته الجريمة مصدرا مـن مصادر الأموال المبيضة ، و قـد حاربت كل التشريعات هاته الظاهرة لما لهـا من آثار سلبية على اقتصاديات الدول ، و قد جرم المشرع الجزائري هذا الفعل بموجب الأمر رقم 96/22 المـؤرخ في 23 صفر عـام 1417 الموافق لـ 09 يوليو سـنة 1996 المتعلق بقمع مخالفة التشريـع و التنظيم الخاصين بالصرف و حركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج ، و قد عـدل و تمم بموجب الأمر رقم 03/01 المـؤرخ في 18 ذي الحجة عام 1423 الموافق لـ
    19 فبراير سنة 2003 ، و كل ذلك بـغية إخضاع معاملات الأفراد و الهيـئات مـع الخارج للسياسة التي تراها الدولة أنها تكفل الصالح العام، و يستوي في ذلك التدخل في الناحية المالية عن طريق تنظيم عمليات الصرف الأجنبي التي تقوم بها البنوك أو رسم سياسة تهدف إلى توفير نقد أجنبي عن طريق إعاقة الاستيراد أو دفع الصادرات بتأثير وسائل مصطنعة ترسمها السلطات(1) .
    8- المخالفات الجمركية :
    تعد المخالفات الجمركية جرائم تشكل مصدرا من مصادر الأمـوال المبيضة باعتبار أن أي تهريب من تسديد الحقوق و الرسوم الجمركية مهما اختلفت صـوره، يشكل نزيفا للموارد المالية للدولة ، يحتم عليها التصدي لـه و محاربتـه بالوسائـل القانونية المتاحة(2) ، وتأتي السجائر والخمور في مقدمة المواد المهربة .
    ووفقا لإحصائيات أجريت سنة 1997 فإن مبالـغ تهريب السجائر في فرنسـا وحدها تقدر ب 25 مليار فرنك فرنسي ، وفي العـالم تم تقديرها ب600 مليار فرنك فرنسي، وفي تقرير للمنظمة العالمية للصحة فإنه من بين 929 مليار سيجارة تصدر عبر العالم تختفي منها 305 مليار سيجارة في التهريب ، وحسب المدير العام لشركة فليب موريس فإن الخسائر التي تلحق شركته سنويا مـن جراء التهريب تقدر ب 700 مليون دولار .
    بينما يلقى نشاط تهريب السجائر في بلادنا رواجا كبيـرا بحيث أنـه وحسب تقريـر لصحيفة France soir فـإن 25 % من السجائر المبـاعة في الجـزائر مصدرهـا التهريب مما يسبب خسارة سنوية للخزينة العمومية بقيمة 4 ملايير فرنك فرنسـي.
    في حين تقدر إحصائيات الشركة الوطنية للتبغ والكبريت في تصـريح لعضو الهيئة المسيرة ونائب مديرها أن 300 ملـيون علبة تسـوق في الجزائر مصدرها التهريب
    وقد أشارت إحصائية لمصالح الدرك الوطني أنه تـم ضبط 643453 خرطوشـة
    خلال شهري جانفي وفيفري 2003 ، فيما تم حجز 942920 خرطوشة خلال الفترة
    الممتدة بين أكتوبر ونوفمبر 2004 وأغلبها من نوع أجنبي تتولى عصابات الجنوب تهريبها نحو الشمال .
    9- الإرهاب :
    يواجه اليوم المجتمع الدولي ظاهرة الإرهاب التي غالبا ما تكتسي طابعا دوليا و لمواجهة هذه الظاهرة لجأت مختلف الدول التي عرفتها إلى سن تشريع خاص كما حدث ذلك في كل من إسبانيا ، ايرلندا ، ألمانيا ، إيطاليا ، فرنسا ( قانون 09/09/1986 ) .
    و في الحقيقة أن الإرهاب عبارة مطاطة ليس لها تفسير قانوني محدد متفـق عليه عالميا ، و إنما درجت الأوضاع بأن تطلق الكلمة في كل بـلد طبقا للظـروف الأمنية أو السياسية التي تعاني منها ، فالجزائر مثلا و إلى غاية سـنة 1991 عاشت بعيدة عن هاته الظاهرة و بحلول سنة 1992 ظهر الإرهاب و بأبشع صوره ، ممـا جعـل السلطة الجزائرية تسن المرسـوم التشريعي رقـم 92/03 المـؤرخ فـي
    30/12/1992 المتعلق بمكافحة الإرهاب، و هو المرسوم الذي ألغي بموجب الأمر
    رقم 95/10 المؤرخ في 25/02/1995 ، بعدما أدمجت مجمل أحكامه في قانـون العقوبات (المواد 87 مكرر إلى 87 مكرر 9 قانون العقوبات ) .
    و حيث أن تناولنا لظاهرة الإرهاب يتم في إطار موضوعنا الرئيسي ، تبييض الأموال ، فلا بد من توضيح الصلة التي تربط بين الاثنين ، فتبييض الأموال ظـاهرة تبحث لها عن مجال في شتى مناحي الحياة التي تمكن من تبييض الأموال القـذرة ، فمبييضوا الأموال ينطلقون مـن النظرية الميكيافيلية " الغاية تبرر الوسيلة " ، فمـن منطلق المصلحة الشخصية يمكنهم التعامل مع الإرهاب أو مرتكبي الجرائم المنظمـة سـواء اقتضى الأمـر إمدادهم بالأسلحة أو المقايضة ببعض السلع و الخدمات ، بـل و من زاوية أخرى فإن مرتكبي هاتـه الجرائم يسعون من ورائها إلى تكوين ثروة ، تعتبر مصـدرا مـن مصادر الأموال المبيضة ، حيث يتـم تشغيل تلك الأمـوال ذات المصدر غيـر المشروع و من ثم خلطها برؤوس أموال و أرباح من أموال مشروعة و كل ذلك من أجل إخفاء المصدر غير المشروع الذي اكتسبت منـه الأموال المـراد تبييضها .
    ومنه يمكن القول أن الجريمة الإرهابية تعتبر مصدر لا يجب الاستهانة به ، بل يجب أخذه بعين الاعتبار كمصدر من مصادر الأموال المبيضة .






    (1) إذا تبييض الأموال تفترض عموما مزاولة نشاط ظاهري مشروع في ذاته ( كالمطاعم الفاخرة و محلات بيع الملابس و المجوهرات و كازينوهات القمار ) و يعتبر ذلك غطاء نشاط آخر غير مشروع كالاتجار في المخذرات أو أي نشاط إجرامي آخر و يتم إيداع الأموال غير النظيفة المتحصلة على نشاط إجرامي كما لو كانت عن النشاط الظاهري المشروع .

    (2) راجع الدكتور سليمان عبد المنعم : ظاهرة غسيل الأموال غير النظيفة / عن مجلة الدراسات القانونية الصادرة عن كلية الحقوق بيروت العدد الأول المجلد الأول سنة 1998 ص 80

    (3) عن دليل الأمم المتحدة للتدريب على تنفيذ قوانين العقاقير المخذرة ص 2 بنسخة ديسمبر 1992 مصلحة العلاقات الخارجية للمديرية العامة للأمن الوطني مكتب التسيير .

    (1) راجع الدكتور جيفري روبنسون في تعريفه لجريمة تبييض الأموال عن مرجع الدكتور OLIVIER JEZEZ تحت عنوان تبييض الأموال سنة 1998 ص10

    (2) راجع نادر عبد العزيز الشافي ماجستير في قانون الأعمال - تبييض الاموال ( دراسة مقارنة ) تقديم القاضي الدكتور غسان رباح منشورات الحلبي ( بيروت ) .ص79

    (1) دراسة في ماهية و مخاطر جرائم غسيل الأموال و الاتجاهات الدولية لمكافحتها و بيان مخطط المصارف لمواجهة هذه الجرائم للمحامي يونس عرب نشرت في مجلة البنوك في الأردن ( منشورة بالأنترنيت ) العدد الأول لشهر فيفري 2004 .

    (2) مأخوذ من مقال أعده الدكتور مهدي أبو فطيم أستاذ بجامعة لبنان حول جريمة غسيل الأموال منشور في الأنترنيت على الموقع
    W.W.W. fadha .com

    (1) Barbora Webester and Michel S.MG .compbell : international Money lounderning – National institution of Justice ( Semptember 1998) fesearch in Brief .

    (1) أنظر الملحق قانون مكافحة تبييض الأموال المؤرخ في 20 نيسان و الحامل رقم 318 .

    (1) مأخوذ من تقرير أعده الدكتور مهدي أبو فطيم المرجع السابق ص10 .

    (1) المواد 389 مكرر و ما يليها من قانون العقوبات الجزائري .

    (1) ارجع إلى الركن المادي الوارد في المطلب الثاني المبحث الثاني الفصل الأول

    (1) تنقسم المخدرات الأكثر انتشارا في عصرنا الحديث إلى عدة أنواع : - الأفيون و مشتقاته مثل المورفين و الهيروين و الكوكايين – منبهات الجهاز العصبي المركزي مثل الأمفيتامينات و الحشيش و المذيبات العضوية .

    (1) نشرة الأمم المتحدة لعام 1998 ص 28 – 32 .

    (2) اللواء عصام الترساوي ملحق الأهرام الاقتصادي بتاريخ 29 /5 /1995

    (1) يقصد بالأسلحة هنا بالأسلحة النارية .

    (1) الدكتور نادر عبد العزيز الشافي المرجع السابق ص 210 .

    (1) الدكتور أحمد بن محمد العمري المرجع السابق ص 43

    (2) مجلة الحقوق الكويتية العدد الأول الصادرة بتاريخ 01 يناير ص 16 .

    (1) محمد حسينن هيكل : زيارة جديدة للتاريخ – شركة المطبوعات للطباعة و النشر بيروت 1985 ص 376 .

    (1) الدكتور مهدي محفوظ – علم المالية العامة و التشريع المالي و الضريبي – دراسة مقارنة ص 379 .

    (1) أنظر الرقابة على النقد و التجارة الخارجية في الجمهورية العربية المتحدة لحسين كامل مصطفى مكتبة القاهرة الحديثة 1967 ص63

    (2) الدكتور أحسن بوسقيعة - المنازعات الجمركية - الطبعة الثانية 2001 دار النخلة – ص07 .




    fpe p,g [vdlm jfddq hghl,hg

    ندرك ان العمر قد ينتهي في أي لحظة

    لكننا مع كل هذا نضبط المنبه لنستيقظ باكرا في اليوم الموالي !!


    || فهل هذا أمل ||



  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    2,642
    الجنس
    ذكر
    like
    0
    liked 171 Times in 135 Posts
    معدل تقييم المستوى
    396

    افتراضي رد: بحث حول جريمة تبييض الاموال

    المبحث الثاني : آلية تبييض الأموال .
    سنتطرق في هـذا المبحث بداية إلى التقنيات المتعددة المستعملة في تبييـض الأموال و هذا في المطلب الأول ، ثم ننتقل لدراسة المراحل المتخلفة التي تمر بهـا الأموال المبيضة في مطلب ثان .

    المطلب الأول : تقنيات تبييض الأموال .
    تتحدث التقديرات المختلفة عـن المبالغ المهولة التي يتـم تبييضها سنويـا ، إذ يقدرها فريق العمل المالي (GAFI ) التابع للأمم المتحدة بأكثر من 120 مليار دولار من مال المخدرات تخصص سنويا للتبييض(1) ، دون الأخذ بعين الاعتبار الأموال ذات المصادر غير المشروعة الأخرى .
    و يعتمد مبيضو الأموال للقيام بعملياتهم الإجرامية على العديد من التقنيات أو الأساليب بعضها تقليدي و الآخر حديث و سنتحدث عنها بالتفصيل عبر الفروع التالية :
    1-الشراء بسيولة :
    يعمل المبيضون على شراء سيارات فاخرة أو معادن ثمينة أو تحف أو مقتنيات ثمينة بأسعار متفاوتة ، ثم يقومون بإعادة بيعهـا ، الأمـر الذي يسمح بتبرير مـوارد ضخمة بأسباب شرعية ، و ذلك بفضـل فائض القيمة(2) ، و في هـذا المجال يقترب التبييض من صورته الواقعة على عقد البيع بثمن متدن ، إخفاء للثمن الحقيقي و توفير الرسوم ، أو من أجل حرمان الورثة من حقهم في الإرث (3).
    2- الاستثمارات السياحية :
    يتم إنشاء أو شراء الفنادق أو المطاعم أو الكازينوهات أو المنتجعات السياحـية ليقوم المبيضون بإدارتها بطريقة تجعل و كأن الأموال غير المشروعة هي أربـاح و عوائد محققة من تلك المؤسسات السياحية .

    • و قـد كشف أحـد كبار المسؤولين في المصرف المركزي الكولومبي أنـه في

    سنة 1991 م ، دخل على كولومبيا 900 مليون دولار عبر القطاع السياحي ، علما أن المداخيل الناتجة عن هذا القطاع لا تتجاوز عادة 300 مليون دولار في السنة .
    3- الشيكات القابلة للتظهير :
    إن التظهير المتكرر و المتسلسل للشيكات بمروره على أكثر من مظهر يسمـح بإخفاء مصدر الأموال غير الشرعية ، لذا فعملية التظهير تستعمل بكثرة في عمليـات التبييض
    4- شراء تذاكر السفر :
    يعمل المبيضون على شراء تذاكر سفر غالية الثمن ، ثـم يقومون ببيعها فـي وقت لاحق أو حتى ردها في بلد آخر ، بعد خصم جزء بسيط من ثمنها ، فيشكل المبلغ المرتجع مبررا لوجود المال .
    5 - استعمال بطاقات الائتمان :
    تسمح بطاقة الائتمان بدفع المال دون الحاجة إلى حيازته نقدا ، فيتم إيداع أموال كبيرة قي حساب البطاقة ، ليستطيع المبيض من سحب للأموال النقدية في أي مكان من العالم .
    و قد ظهرت في السنوات الأخيرة مسـألة جـديدة تمثلت في تزوير بطاقـات الائتمان و الاحتيال لسحب الأموال مـن نوافذ الصرف الآلي ( A.T.M ) ، ممـا يـؤدي إلى حدوث أخطار تهدد العمل المصرفي ، تنتهي إلى فقدان الأموال بالكامل ، خاصة فـي حـالة ضياع بطاقة الائتمان ، و تعرف المحتالين على الرقـم الشخصي لصاحب الحساب(1) .
    6 - التجارة البحرية :
    يقوم المبيضون بالتواطؤ مع السفن البحرية التي ترفع علم دولتها ، حيث تقـوم هذه السفن بإخفاء أموال غير مشروعة ، فتقوم إلى إدخالها إلى إحدى الدول باعتبارها أموال منقولة من دولة أخرى بصفة تجارة مشروعة .
    7- تأسيس الشركات :
    يعمل المبيضون على تأسيس أو شراء شركات قانونية توحي بصورة طبيعية بعمليات نقدية ضخمة ، ليتمكنوا من مزج أموالهم ذات المصدر غير المشروع مـع أموال الشركات القانونية .
    وظاهرة تبييض الأموال عـن طريق الشركات موجودة في أغلب دول العـالم وتسمى هذه الشركات" بشركات الدمى" وهي شركات أجنبية تمارس نشـاط تجاري أو غـير تجاري . ودورها كوسيط بين أصحاب رؤوس الأموال غير المشروعة لأجـل شرعنتها وإدخالها مرة أخرى مقابل الحصول على عمولات كبيرة .
    كما تقوم هذه الشركات بصورة أخرى مـن صور التبييض حيث تقوم بإنشـاء فـرع داخل دولة مركزها الرئيسي بها أو خارجها ، ثم تقوم باستيراد سلع من الخارج وتحدد أسعار هذه السلع بأكثر من قيمتها الحقيقية ، ثم تفرض على فروعها على إيداع هـذا الفرع في حسابات سرية لها في دولة أجنبية (1).
    وتعتبر فضيحة موج MOGE أشهر الأمثلة على التبييض عبر الشركات، فشـركـة
    GAS Entreprise ( MOGE) Myammar Oil هي شركة بترولية وطنيـة في بورمانيا تقـوم منذ سنة 1988 بعمليات تبييض الأمـوال الناتجة عـن الاتجـار بالهرويين ، حيث يصنع ويصدر تحت رعاية عمداء الجيش البورماني ، وكشفت هذه الفضيحة عام 1992 ، وبين حساب هذه الشركة في مصرف بسنغافورة عمليات مالية ضخمة ، مع العلم أن مداخيل الشركة محصورة جدا ببعض المدفوعات الضئيلة مـن قبل شركات البترول العالمية ، وهكذا أصبحت " موج" من أغنى الشركات في العالم(2)
    8 - التبييض عبر المصارف :
    يقوم المبيضون بإيداع المـال نقدا ، أو سحب القـروض ، أو الاكتتاب نقـدا بأذونات على الصندوق ، أو أوامر التحويل الجارية باسم شركات وهمية ، ثـم يتـم تحويل الأموال إلى حسابات أخـرى باسم شركات وهمية بمصارف مالـية في جنـان ضريبية كسويسرا واللوكسمبورغ . ثم بعد ذلك يتمكن المبيضون من الحصول على قروض مصرفية في بلدان أخرى ليقوموا باستثمار أموالهم المبيضة بعد أن يقدمـوا ودائعهم من الأموال غيـر الشرعية كضمانة ، وعـن طريق هذه القروض يتمكـن المبيضون من شراء مـا يريدون كاستثمارات ومشاريع ، انطلاقا من رساميل قادمة عبر مؤسسات قانونية ونظيفة .
    ونشير إلى أنه في العقد الأخير مـن القرن الماضي بدأت تنتشر ظـاهرة المصارف الصورية في بعض الدول "Les banques bidon " ولهذه المصارف دور مشبوه في عملية تبييض الأموال ، إذا يوجـد في بعض الدول 500 مصرف لكل 2500 مـن السكان مما يدل على شبهة إنشاء هذه المصارف(1) .
    9 - تقنيات أخرى:

    - المضاربة في البورصة : تتم العملية ببيع وهمي بسندات في البورصة من البائـع لنفسه ، عن طريق مشتري مزيف ، ليتمكن من تحقيق أرباح وهمية لإخفاء المصـدر الحقيقي للمال .

    • الاعتماد المستندي : تتمثل هذه التقنية في شحن وهمي للبضائع ، تنتج عنها أموال مقابل تلك البضائع ، ليتم التصريح عن الأمـوال المبيضة وكأنها ناتجة عن عملية الشحن الوهمية .

    - مكاتب السمسرة والوساطة : يقوم المبيضون على تحويل الأموال النقدية المـراد تبييضها إلى سندات واسهم ، ثم تتنقل بعد ذلك إلى عدة أشخاص غبر سلسلة محكمة
    فيصعب بعد ذلك معرفة مصدر تلك الأموال .
    - شركات التأمين : تتم العملية بأن يقوم المبيضون بشراء وثائق تأمين على الحيـاة بمبالغ ضخمة من شركات التأمين المتواطئة ، وبعد ذلك يقومون بإعـادة تلك الوثائق
    واسترداد قيمتها عن طريق شيكات .(2)
    - التحويل البرقي للنقود : يستعين المبيضون لهذا الأسلوب لما يعتري هذا النظام من ثغرات ، كون أن الكثير من البنوك ليست أعضاء في نظام fedwire ولا في نظـام شيبس Chips وهو عبـارة عن عملية غرفة مقاصة تسويـة في نهاية اليـوم ، ويترتب على ذلك أنـه على معظم البنوك استخدام ما يعرف بنظام swift للتصريـح بإجراء المعاملات المـالية برقيا ، فحسب هذا النظام فإن البنك لا يعلم غرض تحويل المال ، فالبنك المصرح وحده هو الذي يقع عليه واجب التحري عن غرض العميل من هذا الإستخدام ، وعليه فـإن التحويلات الصادرة من بنوك أجنبية غالبا ما تكون خالية مـن اسم العميل المنشئ(1) وهو ماحدا بمبيضوا الأموال إلى استخـدام نظام التحويل البرقي لإيداع النقود لـدى البنوك في الخارج.
    المطلب الثاني : مراحل تبييض الأموال

    يمكن إجمال المراحل التي تتم بها عملية تبييض الأموال في ثلاث مراحل كبرى وهي : التوظيف ، التجميع ، الدمج .
    مع الإشارة إلى أنه يمكن أن تتم مراحل تبييض الأموال بشكل منفصل ، كمـا يمكن أن تتم أيضا قي وقت واحد .
    1- التوظيف أو الإيداع placement
    وهي العملية الأولى حين يبدأ مبيضو الأموال القذرة بالتخلص مـن النقـود المتحصل عليها من النشاط غير المشروع ، ليتم تحويل ذلك المال إلى ودائع مصرفية وإلـى أرباح وهمية ، ومن ثم توظيف الأموال في حسابات تخـص مصرف واحد أو أكثر ، كائنة في البلد نفسه أو في الخارج ، وهكذا تعتبر سلسلة العمليات هـذه عنـد انتهائها بدء عملية التبييض(2) .
    فالتوظيف يكون هدفه أن يقوم المبيض في البداية بإيـداع الأموال في أحـد المصارف بطريقة لا تجلب الشكوك لتبدو شرعية ، ليقوم في وقت لاحـق بنقل تلك الأموال خارج البلد أين يوجد المصرف الذي تـم فيه الإيداع وتعتبر مرحلة التوظيف أضعف حلقات مراحل تبييض الأموال لما يحيق بها من مخاطر الانكشاف ، نظرا لما تقوم به الأجهزة المكلفة بمكافحة تبييض الأموال من تركيز محاولة الكشف عن هـذه الأموال وإيقافها قبل أن تدخل في دوران عجلة النظام المصرفي العالمي(1) .
    لذا فمرحلة التوظيف أو الإيداع باعتبارها أضعف المراحل فهي أكثر عرضة للكشف
    عنها فمتى نجحت بسلام ودخلت للمصرف دون إيقافها فيكون مـن الصعب لاحقا أن يكشف أمرها .
    وتجـدر الملاحظة إلى أن مبيضو الأمـوال لا يقومون بإيداع مبالـغ كبيرة فـي المصارف دفعة واحدة فيعمدون لتجنيد العديد من الأشخاص بتجزئة المال إلى مبالغ لا يزيد عن حد معين بقدر ما يسمح به المصرف دون أن يتحرى عـن مصدر المال ، ليتم الإيداع في مصارف مختلفة وبحسابات متعددة من عدة أشخاص محترفين وليست لديهم أية سوابق أو شبهات .
    2 - التجميع ( التغطية) :empilage , layering
    تهدف هذه المرحلة إلى إخفاء الأموال المراد تبييضها عـن مصدرها غـير المشروع بإتبـاع سلسلة مـن العمليات المصرفية المتشابكة المشابهة لحد مـا إلى التعاملات المالية المشروعة .
    فالمبيض يقوم بإعادة المال غير المشروع إلى حسابات مصرفية مفتوحة باسم شركات مشروعة ، وهو ما يسمى بشركات الواجهة التي قام بتأسيسها مبيضو الأموال التي ليست لها أية أغراض تجارية بـل القصد منها إخفاء وتمويـه الملكية الفعلـية والحقيقية للحسابات والأموال التي تملكتها التنظيمات الإجرامية (2) ، لذا فالهدف مـن وراء هـذه الشركات هو التغطية أو التمويه عن مصدر الأموال الغير شرعية ، لتعدو هـذه شبيهة بالشركات الوهمية . فعن طريق هذه الأخيرة يقوم المبيض بخلق صفقات مـالية معقدة ومتشابكة بغية التغطية أو التمويه عن مصدر المال غير المشروع .

    3 - الدمج : Intégration
    تعتبر مرحلة الدمج أو الإدماج آخر مرحلة من مراحل التبييض ، ففيهـا يقوم المبيض بدمج الأموال غير المشروعة في الاقتصاد وجعلها تظهر بمظهر مشروع وهذا لتغطية مصدرها تغطية نهائية .
    فهذه المرحلة تؤمن الغطاء النهائي للمظهر الشرعي للثروة ذات المصدر غير المشروع لتوضع الأموال المبيضة مرة أخرى في عجلة الاقتصاد بطريقة يبدو معها أنه تشغيل
    عادي وقانوني لما له من مصدر نظيف (1) فمن شـأن هذه المرحلة شرعـنة الأموال
    المبيضة أي جعلها شرعية .
    ليصبح التمييز بين الأموال المشروعة والأموال غير المشروعة أمرا بعيد المـنال ، لتصل هذه الأموال إلى بر الأمـان ، ليصبح مـن المستطاع والسهل إعادة استثمـار هذه الأموال في أية أنشطة أخـرى بغض النظر إن كانت مشروعة أو ممنوعة ، فكما ذكرنا فمرحلة الدمج تعتمد على إعادة إدخال المبالغ المبيضة في بيئة الاقتصاد الشرعي عـبر القيام بتوظيفات مالية واستثمـارات في الاقتصاد الحقيقي . وعادة مـا يكـون البنك طرفا أصليا مشاركا في عمليات غـسيل الأموال(2) .
    إن مرحلة الدمج هي المرحلة الأصعب اكتشافا ، باعتبار أن الأموال تكون قد خضعت مسبقا لعدة مستويات من التدوير ، والواقع أن هذه العمليات بمجملها قد تمتد إلى عـدة سنوات.
    ونشير إلى أنه من أكثر الاستثمارات المشروعة سهولة في وقتها الحاضر هـو اللجوء إلى المضاربات في الأسواق المالية التي انتشرت في العديد مـن بلدان العالـم مستفيدة من سهولة وسائل الاتصال الحديثة عـبر شبكات الإنترنات ، وصارت هـذه الأمـوال تتنقل من بلد إلى آخر عبر هذه الأسواق في دقائق .
    ولا بأس مـن أن نقـوم برسم بيـان يوضح لمراحـل تبييض الأمـوال :
    - التوظيف ، التجميع ، الدمج .





    (1) نادر عبد العزيز الشافي – تبييض الأموال – مرجع سابق ض160.

    (2) صلاح الدين السيسي – القطاع المصرفي و غسيل الأموال – عالم الكتب 2003 ص153 .

    (3) نادر عبد العزيز – تبييض الأموال – نفس المرجع ص 162 .

    (1) رياض فتح الله بصيلة – جرائم بطاقات الائتمان – دار الشروق – القاهرة 1995م .

    (1) أنظر – مجلة الحقوق الكويتية – مجلس النشر العلمي الكويت 1998 م .


    (2) عبد العزيز الشافي ، مرجع سابق – ص168 .

    (1) ٍ V. Ander Bossard , la criminalité international . P.N.E. paris . 1988 .PM° 41.

    (2) جلال وفاء محمدين – دور البنوك في مكافحة غسيل الأموال – دار الجامعة الجديدة للنشر 2004 – ص25 .

    (1) جلال وفاء محمدين – نفس المرجع .

    (2) صلاح الدين حسن السيسي – القطاع المصرفي و غسيل الأموال – عالم الكتب 2003 – ص 151 – 152 .

    (1) أحمد بن محمد العمري – جريمة غسيل الأموال – ص 254 – مكتبة العبيكات – 2000 .

    (2) أحمد بن محمد العمري – مرجع سابق ص 256 .

    (1) صلاح الدين السيسي– مرجع سابق ص 152 .

    (2) حمدي عبد العظيم – غسيل الأموال في مصر و العالم ، دار الفكر العربي 1997 ص 34 .

    ندرك ان العمر قد ينتهي في أي لحظة

    لكننا مع كل هذا نضبط المنبه لنستيقظ باكرا في اليوم الموالي !!


    || فهل هذا أمل ||



  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    2,642
    الجنس
    ذكر
    like
    0
    liked 171 Times in 135 Posts
    معدل تقييم المستوى
    396

    افتراضي رد: بحث حول جريمة تبييض الاموال

    ندرك ان العمر قد ينتهي في أي لحظة

    لكننا مع كل هذا نضبط المنبه لنستيقظ باكرا في اليوم الموالي !!


    || فهل هذا أمل ||



  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    2,642
    الجنس
    ذكر
    like
    0
    liked 171 Times in 135 Posts
    معدل تقييم المستوى
    396

    افتراضي رد: بحث حول جريمة تبييض الاموال

    الفصل الأول : الإطار القانوني لجريمة تبييض الأموال

    نظرا لما تثيره جريمة تبييض الأموال مـن مخاطـر على المستوى الدولي أو الداخلي باعتبارها جريمة من الجرائم الاقتصادية التي تهـدد الموازنات العامة للدولـة و تمس بالأمن الاجتماعي للشعوب ، وجب على كل الدول اتخاذ الاحتياطات اللازمـة للحد من انتشارها خاصة و أنها مرتبطة بأنشطة غير مشروعة ، و غالبا مـا تكـون مرتكبة خارج الحدود الإقليمية للدولة .
    و يمتاز مقترفوهـا بمهارات فنية واسعة تمكنهم مـن الحصـول على نتائـج مشروعهم الإجرامي سواءا بالتمويـه أو التحويل أو التوظيف للعـائدات في مشاريـع مدروسة .
    و إذا كانت هـذه الظاهرة تنطلق بارتكاب جريمة أولية معاقب عليهـا قانونـا و تنتهي بشرعنة المال الناتج عنها بتوظيفه في مشاريع لا تتعارض و القوانين المنظمة لها ، فإنها تقتضي في أغلب الأحيان مجموعة من الجناة يضطلع كل واحـد منهم بدور معين لتحقيق النتيجة الإجرامية ، و هنا نتساءل عن الوصف الجزائي الـذي يتابع بـه مقترفوها ، خاصة و أنها تتداخل مع عدة جرائم أخرى ، و من ثمة فهـل تكيف هـذه الظاهرة على أنها فعل من أفعال المساهمة الجنائية ؟ أو أنها فعل من أفعال جنحة إخفاء الأشياء الناتجة عن جناية أو جنحة ؟ أو أنها تقتضي تدخل تشريعي لتجريم الظاهـرة بنص خاص مبينا لأركانها و مميزا لها عن باقي الجرائم المشابهة لها .
    و إلماما بذلك ارتأينا أن نقسم هذا الفصل إلى مبحثين ، نتطـرق في الأول إلى التكييف القانوني لجريمة تبييض الأموال ثـم نتطرق في المبحث الثـاني إلى تحديـد أركانها .

    المبحث الأول : التكييف القانوني لجريمة تبييض الأموال


    و سنتناول في هذا المبحث إشكالية التكييف الجزائي لجريمة تبييض الأموال في المطلب الأول ، و تميزها عن بعض الجرائم المشابهة في المطلب الثاني .

    المطلب الأول : إشكالية التكييف الجزائي لجريمة تبييض الأموال

    تمثل ظاهرة تبييض الأموال صنفا جديدا مـن أصناف الأنشطـة الإجراميـة المنظمة و كأي ظاهرة جديدة استعصى في البداية تكييفها جزائيا و قد اختلف الفقـه بشأنها بين إخضاعها لأوصاف تقليدية و بين ضرورة إفرادها بوصف خاص يحـدد إطارها القانوني و قـد توصل إلـى وصفين لهـذه الظاهرة(1) ، و يقصـد بالتكييف القانـوني تلك العملـية الذهنية التي تهدف إلى إعطاء الفعل الواقع الوصف القانـوني الذي ينطبق علـيه من بيـن الأوصاف التي يتضمنها قانـون العقوبات ، و التكييف فكرة قانونية تنطوي على مضمون ويفصح عنها بوصف ، فأما المضمون هو المطابقة و التي يراد بهـا حكم على فعـل واقعي صدر على الجاني بأنـه يطابق ذلك الفعـل النموذجي التي تصفه القاعدة الجنائية المجرمـة وصفا مجرما(2) .

    أما الوصف فهو مجرد شرط لخضوع الفعل لنص معين من نصوص التجريم و بذلك يمكننا القول أن التكييف القانوني للفعـل هـو وسيلة أعمال مبدأ الشرعية الـذي يقتضي البحث عن الوصف الجرمي الذي ينطبق على الفعل الواقع حقيقة .

    و إعمالا لمفهوم التكييف الوارد أعلاه توصل الفقهاء إلى وصفين ينطبقان على جريمة تبييض الأموال أما الوصف الأول فهـو وصف تقليدي يكيف الظاهـرة على أساس أنها فعل من أفعال المساهمة الجنائية أو صورة من صور جريمة إخفاء الأشياء ذات المصدر غير الشرعي ، أما المحاولة الثانية فتهدف إلى خلق تكييف قانوني جديد من خلال تدخل تشريعي بنص يجرم الظاهرة في حد ذاتها .

    و لتسليط المزيد مـن التفصيل على هذين التكييفين لظاهرة تبييض الأمـوال يجدر بنا تناول تكييف الظاهرة وفقـا للمحاولة التقليدية مبرزين قصورهـا في تحديد و شمولية الجريمة و كذا تكييف الجريمة من خلال نص تشريعي خاص بالظاهرة .

    أولا : تكييف ظاهرة تبييض الأموال وفقا للمحاولة التقليدية:

    حسب الاتجاه الفقهي التقليدي لتكييف ظاهرة تبييض الأموال فإن هذه الظاهرة لا تخرج في أوصافها الجزائية عن الأفعال المساهمة الجنائية أو جرائم إخفاء الأشياء ذات المصدر غير الشرعي.

    I : تبييض الأموال كفعل من أفعال المساهمة الجنائية :

    إذا سلمنا اعتباطا بأن جريمة تبييض الأموال تشكل فعلا مـن أفعـال المساهمة الجنائية فإن المساهمة تفترض تعدد الجناة و وحدة الجريمة ، حيث تكون هذه الأخيـرة ثمرة تظافر نشاط و جهود عـدة أشخاص و التقاء إرادتهم لتحقيق النتيجة الإجرامية ، و إذا كان الأصل أن يضطلع شخص واحد أو أكثر بارتكاب كافـة العناصر المكـونة للنشاط الإجرامي فليس ما يمنع الآخرين بالوصول بهذا النشاط إلى غايته المرجوة .

    و إذ ذاك تقوم المساهمة الجنائية على ركنين الأول يقتضي وجود فعل أصلي موصوف بوصف الجريمة طبقا لنص في قانون العقوبات و الثاني أن تتجسد المساهمة في فعـل إيجابي فلا تقوم المساهمة على مجرد الامتناع (1) و لا بالإهمال(2) و لا يعتد بالمساهمة على فعل غير منصوص عليه في قانون العقوبات .

    و إسقاطا لذلك على جريمة تبييض الأموال بوجه عام فإن إشكالية مساءلة الفاعليـن لا تقوم إذا كانوا أشخاصا طبيعيين فقد يأخذ أحدهم حكم المحرض و الآخر حكم الفاعـل الأصلي و الثالث حكم المساعد مثلا ، إلا أن الإشكالية تقوم في الحالة التي تودع فيهـا الأمـوال المبيضة في البنوك و المصارف فهل أن البنك بقبولـه إيـداع الأمـوال أو تحويلـها أو استثمارها يعد شريكا مساعدا في تنفيذ الجريمة أو تسيير وقوعها ؟

    يظهر ذلك ممكنا من خلال الأعمال التي يقدمها البنك للجنـاة الرئيسين فهـو يمدهـم بالوسيلة القانونية التي تمكنهم من تنفيذ الجريمة أو على الأقل تسيير وقوعها ، و يعـد بذلك شريكا لهم في حالة قبوله إيداع الأموال أو تحويلها و التي مصدرها غير مشروع مع علمه بذلك .

    وللقضاء الفرنسي حكـم في ذلك قضى بإدانة مدير أحـد المصارف بوصفه مساهمـا في جريمة أصلية قام بها أحـد العملاء تتمثل في تهريب أوراق ماليـة نقديـة و ذلك باستبداله لأوراق نقدية من فئة 500 فرنك بأوراق ذات قيمة 50 و100 فرنك مما مكن العميل مـن تهريب هـذه الأوراق إلى دول مجاورة ، رغـم تذرع مديـر المصرف بواجب احترام السـر المهني(1) و شـدد في ذلك القضاء الفرنسي الحرص على تأكيد التزام البنك بإغلاق الحسـاب المصرفي فورا منذ لحظة علمه بالطـابع غير المشروع لحركـة رؤوس الأمـوال في هذا الحساب مخففا بذلك شرط علـم المصرف بالفعـل الجرمي الأصلي لعميله .

    و قد يكون المصرف مساهما مساهمة أصلية في جريمة تبييض الأمـوال في حالة الاستخدام غيـر المشروع للحساب المصرفي على نحو ييسر وقوع جريمة أصلا و ذلك وفقا للمبادئ القانونية العـامة ، إلا أن الغالب على الحالات تنحصر مساهـمة المصرف في سلوك المساعدة من دون الصور الأخرى للمساهمة فالمصرف إنما يمـد يد عميله بالوسيلة التي تضمن له حصاد ثمـار مشروعه الإجرامي و التي لولاها لمـا أقدم على ذلك .

    و الاشتراك بطرق المساعدة يشمل كافة الأعمال المسهلة أو المتممة لارتكاب الجريمة و قد اعتبرت محكمة النقض المصرية المصرف شريكا في جرائم معاقب عليها في حد ذاتها " المخدرات مثلا " و ذلك متى ثبت تواطؤه أو مساعدته لها على الجريمة الأصلية عن طريق الاستخدام غـير المشروع للحساب المصرفي ، و ما يمكـن ملاحظته أن وصف المساهمة الجنائية على ظـاهرة تبييض الأمـوال أو استخدام عائدات الجرائم وصف يشوبه القصور في التكييف و ذلك للاعتبارات التالية :

    - أن وصف المساهمة الجنائية لكي يصـح وصفه و توجب معاقبته ينبغي أن يكـون سابقا أو على الأقل معاصرا لوقوع الجريمة الأصلية ، و لا عقاب على المساعدة التي تقع لاحقا على ارتكاب الجريمة الأصلية ، فالبنوك و المصارف إنما تدخل بعد وقـوع الجريمة الأصلية و بالتالي لا يصدق على نشاط البنوك وصف المساهمة الجنائية .
    - إن اعتبار البنك مساهما مساهمة تبعية لا يضمن العقاب في حالة تدويل نشاط تبييض الأموال ، و دولة البنك لا تجرم و لا تعاقب على جريمة تبييض الأموال ، أولا يعطى الاختصاص لمحاكمها بنظر الجريمة كونها واقعة خارج حدودها الإقليمية .
    - يصعب على الصعيد الفني اعتبـار المصرف مرتكبا لجريمة المساهمة إذا اقتصـر دوره على مجرد التقاعس على واجب الرقابة لمصـدر الأمـوال أو جهة تحويلـها ، لكون المساهمة تقتضي سلوك إيجابي و لا تقوم على مجرد الامتناع .
    - و مـن خلال ذلك كله يمكن أن نظهر قصور هذا التكييف مـن الناحية الإجرائـية و كذا من الناحية الموضوعية .
    أ – أوجه القصور الإجرائية :
    نظرا للحنكة التي يتمتع الفاعلين الأصليين للجريمـة و الحيل التي يستعملونـها تجعل من إفلاتهم من العقاب و المتابعة أمرا واردا و يستفيد بذلك المساهم التبعي مـن عدم العقاب .
    كما أن عدم معاقبة فاعل الجريمة لسبب من الأسباب الإباحة يؤدي كمـا تقضي به القواعد القانونية العامة إلى إفلات الشريك من العقاب ذلك اعتبارا من أن أسبـاب الإباحة هي أسباب موضوعية يستفيد منها كافة القائمين على المشروع الإجرامي .
    كما أن انقضاء الدعوى العمومية بالتقادم لاختفاء الفاعلين الأصليين طيلة تلك المـدة يؤدي إلى إفلات القائم بنشاط تبييض الأموال من الملاحقة بوصفه شريكا .
    ب- أوجه القصور الموضوعية :
    إن عملية التمويه عن مصدر الأموال غـير المشروعة تتم بإيداعـها في البنوك و نشاط البنك تقتصر على قبول إيداع تلك الأموال أو تحويلها أو استثمارها ، و هـو ملزم باحترام القواعد المصرفية التي تخضع لها وينتهج آليات فنية تنظم نشاطه، وهذا النشاط دون أدنى شك لا يكيف على أنه السبب في ارتكاب الجريمة التي تحصلت عنها الأموال فالسبب لا يكون لاحقا على النتيجة ، والعلاقة السببية المشروطة للعقاب هـي تلك التي تكون بين نشاط الشريك والجريمة الأصلية (1) وقـد حرصت محكمة النقض المصرية على ضرورة استخلاص العلاقة السببية بين نشاط الشريك والجريمة الأصلية
    II – تبييض الأموال كصورة من صور إخفاء الأشياء :
    اعتبار من أوجه القصور الإجرائية والموضوعية لتكييف ظاهرة تبييض الأموال على أساس أنها فعل من أفعال المسـاهمة الجنائية ، وجب البحث على وصف آخـر يشمل هذه الظاهرة ويعاقب عليه القانون ، لـذا ذهب اتجاه فقهي إلى اعتبار الجريـمة صورة من صور لجريمة الإخفاء أو حيازة الأشياء المتحصل إليها من جناية أو جنحة وهي الجريمة المنصوص عليها في المادة 44 من قانون العقوبات المصري والمادتين 387 و 388 من قانون العقوبات الجزائري واللتان تنصان على أنه" كل مـن أخفـى عمدا أشياء مختلسة أو مبددة أو متحصلة في جناية أو جنحة يعاقب بالحبس مـن سنة إلى 5 سنوات وبغرامة من 500 إلى 20.000 دج وإذا كـانت العقوبة المـطبقة على الفعل الذي تحصلت منه الأشياء المخفاة هـي عقوبة الجناية ، يعاقب المخفي بـنفس العقوبة المقررة للجنايـة مـع تطبيق القيود والإعفاءات الخاصة بالدعوى العمومـية المقررة بالمادتين 368 و369 مـن ق ع ج(2) على جنحـة الإخفاء التي يرتكب مـن الأصول أضرار بأولادهم وكـذا الفروع أضرار بأصولهم ، أحـد الزوجين أضـرار بالزوج الأخر ولا تتخذ إجراءات التابعة الجزائية ضد المخفون لغاية الدرجة الرابعة إلا
    بناءا على شكوى المضرور .
    ورغم استخدام المشرع مصطلح الإخفـاء للدلالة على الفعل المكون للركـن المـادي للجريمة ، فالفقه والقضاء في كل مـن مصر وفرنسـا مستقران على أن التقيد بهـذا


    المصطلح من شأنه أن يضيق من دائرة العقاب على نحو لا يحقق المصلحة العامة(1) .
    وحاولا توسيع هذا المفهوم وعرفاه بأنه:" حيازة الشيء بأي شكل كان ويستوي فـي ذلك أن تكون الحيازة مستترة أو لا تكـون كذلك ، فلا عبرة إذا بكون الإخفاء تم سرا أو كان علنا وعلى مرأى من الكافة ، كما لا يهـم سبب الحيازة حتى ولـو بطريـق
    مشروع ، كشراء الشيء المتحصل عن السرقة أو اكتسب حيازته عـن طريق الهـبة
    والحيازة هي الصورة التقليدية لفعل الإخفاء ، وقد توسع القضاء الفرنسي في فهم فعل الإخفاء وأصبح يشمل التوسط في بيع وتداول المتحصل من الجريمة ، حتى ولو لـم يكن هذا التوسط مصحوبا بالحيازة المادية للشيء وكذلك قبول الشخص حيازة الشيء حتى ولو لم يكـن قد تسلمه فعليا الحيازة المستقبلية للشيء وهـذا الفهـم فـي
    رأي الدكتور سليمان عبد المنعم يعد ذلك انتهاكا لمبدأ الشرعية .

    ومـن صور التوسـع أيضا اعتبار الشخص الذي يقطن سكنا تودع فيـه الأشيـاء المسروقة مرتكبا للجريمة وحتى ولم تثبت حيازته الفعليـة للأشياء أو الشخصية أي حيازة غير شخصية ، وخلافا لذلك ذهب القضاء المصري إلى أن جريمة الإخفاء لا يتحقق ركنها المادي إلا إذا أتى الجاني فعلا إيجابيا يدخل به الجاني الشيء المسروق في حيازته فبمجرد علم الجاني بأن شيئا مسروقا موجود في منزله لا يكفي لاعتباره مخفيا له ما لم يثبت أنه كان في حيازته(2) .

    ومن صور التطور في القضاء الفرنسي أخيرا اعتباره جريمة إخفاء الأشياء شاملة لصور جد مستحدثة ومثال ذلك : مجرد الانتفاع بالشيء المسروق ، استعمال الشيء الناتج عن جريمة(3)، وهكذا حلت فكرة المنفعة محل فكرة الحيازة أو الإخفاء .
    وإذ ذاك ليس هناك ما يمنع من استيعاب جريمة الإخفاء لنشاط تبييض الأموال ذات

    المصدر غير المشروع ، وهذه الأخيرة قد تأخذ وصفين وصف عام ووصف خاص.
    1- تبييض الأموال كوصف خاص بجريمة الإخفاء :
    إذا كان التكييف العام لجريمة الإخفاء يشمل كل العائدات الناتجة عن جناية أو
    جنحة فإن هناك بعض الصور نص عليها المشرع وحـدد لـها عقـوبة خاصة بـها
    ومثال ذلك ما تضمنه القانون المصري على عقاب كل مـن أخفى بأي طريقة كـانت شيئا متحصلا من كسب غير مشروع أو محكوم برده متى كان يعلم حقيقة أمره أو لديه
    ما يحمله على الاعتقاد بذلك ، وما هو منصوص عليه في التشريع الجمركي الجزائري
    والخاص بمصادرة وسائل النقل والبضائع المهربة وغيرها من النصوص.
    إلا إن هذه النصوص غير كافية لاستيعاب نشاط غسيل الأموال لاعتبارات موضوعية كانتهاك مبدأ الشرعية واعتبارات إجرائية تحول دون ملاحقة جنائية فعالة خاصة إذا تم عبور الجناة لأكثر من دولة .
    2- تبييض الأموال كوصف عام لجريمة الإخفاء
    استنادا لنص المواد 387 و388 من قانون العقوبات الجزائري والتي تعاقب كل مـن
    أخفى أشياء مختلسة أو متحصلة مـن جناية أو جنحة عمدا بالعقوبة المقررة لجنحـة
    الإخفاء ، وتبعا لذلك يعد مرتكبا لجنحة الإخفاء كل من حاز عائد ناتج عـن جريمـة تكيف على أنها جناية أو جنحة ، وإذا كانت الإشكالية لا تثور إذا كان المخفي شخصا طبيعي فيتابع ويدان بالجنحة المنصوص عليها بالمادة 387 ق ع ، إلا أنهـا تثور إذا أودعت الأموال المتحصلة من جناية أو جنحة في بنك من البنوك ، فهـل يعـد البنك مرتبكا لجريمة الإخفاء طبقا لأحكام المادتين السابقين ؟ ، وإذا أعتبـر شريكا(1).
    فمـا هي اللحظة التي تكون معيارا لتحديد عنصر علـم البنك بالمصدر غـير المشروع للأموال والمتحصلات المودعة لديه ؟ .
    فانطلاقا من عمومية النص الجزائي فإن كل من أخفى أموالا متحصلة من جنايـة أو جنحة يعد مرتبكا لجريمة الإخفاء ، و وفقا لذلك يمكن أن يكون البنك مرتبكا لجريمـة الإخفاء بقبوله إيداع الأموال أو تحويلها أو استثمارها لديه وهو يعلم بمصدرها الغيـر مشروع هذا من الناحية النظرية . ووفق ما أقرته العديد من التشريعات خلافا للمشرع الجزائري الذي لم يورد أي عقوبة أصلية للأشخاص المعنوية في قانون العقوبات إلى غاية صدور القانون رقم 04-15 المؤرخ في 10/11/2004 و المتضمن تعديل قانون العقوبات أين أقر المشرع صراحة و في المادة الرابعة منه على العقوبات المقـررة للأشخاص المعنوية باستثناء الدولـة و الجماعات المحليـة و الأشخاص المعنويـة الخاضعة للقانون العام ، كما أن المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي لا تمنع مـن مساءلة الشخص الطبيعي الممثل له كفاعل أصلي أو كشريك.
    والانحياز لتكييف ظاهرة تبييض الأموال كجريمة إخفاء يمكن تبريره من خلال النقاط التالية :

    1. عمومية النص التشريعي الوارد في قانون العقوبات سواء في القانون الجزائري أوفي القانون الفرنسي والمصري ، فالمشرع لم يحدد على وجه الدقة الجريمة الأولية التي يمكن إخفاء متحصلاتها وبالتالي يصبح معاقبة كل من أخفى بشرط أن لا يكون المتحصل ناتج عن مخالفة .

    2- إن المشرع استعمل مصطلح الإخفاء ، وهذا المصطلح حسب الفقه يأخذ صـورا
    مختلفة فهي الحيازة والاستعمال والانتفاع والوساطة في بيع الشيء أو تداولـه ، ولا ينحصر فقط في الاحتباس المادي للشيء الناتج عن الجريمة ، وإذ ذاك فالدور الـذي يقوم به البنك في قبول إيداع أو تحويل أو استثمار العائدات المتحصلة من جنايـة أو جنحة يندرج دون أدنى شك ضمن الركن المادي المكون لجريمة الإخفاء(1) .
    3- ظهور فكرة الحلول العيني(2) الناتجة عن ظهور توجه جديد داخل القضاء بمقتضاه
    فإنه يوسع من دائرة العقاب ويلاحق حيازة الأموال الغير مشروعة أيا كـانت الصورة التي تتحول إليها هذه الأموال .
    وفكرة الحلول تؤثر على الركن المعنوي لاسيما إذا كان المخفي شخصيا معنويا فالركن المعنوي يتطلب العلم بمصدر الأموال الغير مشروع ، ومسألة العلم تطـرح إشكالية تقدير لحظة العلم . هل يشترط العلم لحظة قبول الإيداع أو حتى بعد تحويـل تلك الأموال ؟ فحسب اتفاقية فينا لسنة 1988 تحدد لحظة العلـم بوقت تسلم هــذه الأموال و قد ساير المشرع الجزائري ذلك في نص المادة 389 مكرر مـن القانـون
    04-15 المعدل لقانون العقوبات و بالتالي تنتفي مسؤولة البنك إذا كان علمه لاحقا على وقت تسلم هذه الأموال .
    وإذا كان البنك من حيث المبدأ يعد مرتكبا لجريمة الإخفاء ، إلا أن بعض الفقـه قد أنكرو اعتبار البنك مخفيا للأموال ذات المصدر غير المشروع وحجتهم في ذلك أن قبول المصرف الأموال المودعة في حساب أحـد عملائه لا يعني أنه قد أصبح حائزا بالفعل لهذه الأموال ، وإنمـا يبقى حـق التصرف في المـال مقصورا على صاحب الحساب المصرفي وحـده دون غـيره ، ودور البنك لا يتجـاوز تسجيل العمليـة المصرفية في الدائـن أو المدين فقط ، أنكروا بذلك عـلى البنك المتابعة على أساس جنحة الإخفاء.
    قد رد عليهم جانب من الفقه على أنـه إذا كان البنك لا يعـد حائزا للأمـوال المودعة فإنه على الأقل يكون منتفعا بهذه الأموال كونها تزيد من أرصدته .
    وتجريما للفعل توسع القضاء الفرنسي في مفهوم الإخفاء و في مفهـوم الحيازة وكذلك في محل الإخفاء ليشمل الأشياء المادية والغير ماديـة وكذلك مفهوم الجريمـة الأولية التي تحصلت منـها الأموال وأصبحت تشمـل كـل الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات بعدما كانت مقتصرة على الجرائم المالية فقـط ولمزيد من التفصيل أنظر المبحث المتعلق بأركان جريمة تبييض الأموال.
    وكأي تكييف لظاهرة جديدة فإن وصف تبييض الأموال كجريمة إخفاء وصف يشوبـه القصور سواءا على مستوى الركن المادي أو على مستوى محل جريمـة الإخفـاء أو على مستوى الجريمة الأولية التي تقوم عليها جريمة تبييض الأموال .

    • على مستوى الركن المادي :

    تتطلب جريمة الإخفاء القيام بفعل إيجابي(1) يتمثل في الحيازة للشيء الذي مصدره غير مشروع ولا يعاقب القانون على مجرد الامتناع كقاعدة عامـة مما يجعـل طائفة كبيرة من الفاعلين تفلت من العقاب كما أن متابعة البنك بجريمة الإخفاء تكييف مردود عليه انطلاقا من أن البنك يربطه عقد وديعة مع العميل وإذا لم يسجل البنك العمليـات في الحساب البنكي يعد مرتبكا لجريمة خيانة الأمانة(1) كما أنه لا يوجد أي نص يعاقب على الامتناع ، فإن امتناع البنك على فحص مصـدر الأمـوال أو التثبت في حـقيقة الأموال لا يرقى إلى أن يكون السلوك الإيجابي الذي تتطلبه جريمة الإخفاء .
    ب- قصور وصف الإخفاء على مستوى محل جريمة الإخفاء :
    في ظل التطور القضائي والفقهي لمحـل جريمة الإخفاء والتي أصبحت تتجـاوز
    الأشياء المادية إلى تلك الأشياء المعنوية التي يرد عليـها سلوك الحيـازة وتتبع الشيء المتحصل من الجريمة الأولية ، ظهرت فكرة الحلول العيني ، هذه الفكرة تتعارض مع مبدأ قار في عمل البنوك مؤداه عدم قابلية الحساب الجاري للتجزئة(2) وبالتالي تختلـط داخل نفس الحساب الأمـوال ذات المصـدر المشروع مـع تلك ذات المصدر غـير المشروع ، مما يصعب من الناحية العملية التمييز بينهما.
    وما يجدر التنبيه إليه أن المشرع الجزائري أقـر صراحة أنه في حالة دمـج العائدات الإجرامية مع الممتلكات المكتسبة بطريقة قانونية فـإن عقوبة المصادرة لا يمكـن أن تكون إلا بمقدار هذه العائدات ( أنظر المادة 389 مكرر 4 فقرة 3 ) وبذلك يكون قـد رتب أثر قانوني على جزء من رصيد مالي دون باقي المال .
    ج- قصور الوصف على المستوى الجريمة الأولية :
    أغلب التشريعات ومنها التشريع الجزائري لا تحدد على وجه الدقة نوع الجريمة السابقة على سلوك الإخفاء وإنمـا تكتفي بوصفها بالجناية أو الجنحة ، وعمومية هـذا النص يشكل اعتداء على مبدأ الشرعية الذي بمقتضاه تحدد كافة الأركـان والعناصـر اللازمة لقيام الجريمة فـي النص وقـد تعرض المجلس الدستوري الفرنسـي 1981 لإشكالية التجريم الفضفاض ومدة مخالفته لجوهر مبدأ الشرعية في حكـم مشهور في 19 /20 يناير 1981 .

    د- على مستوى الركن المعنوي :
    جريمة الإخفاء تتطلب سلـوك إيجابي عمدي ولا تقوم على مجـرد الإهمـال والتقاعس وذلك ما أجمعت عليه جل التشريعات العقابية .
    وإعتبارا لأوجه القصور المذكورة أعلاه يظهران تكييف جريمة إخفـاء الأشياء المسروقة ليـس هو الأكثر ملائمة لاستقطاب نشاط تبييض الأمـوال لذا بـات مـن الضرورة وأعمالا لمبدأ الشرعية الذي بمقتضاه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ، سـن تشريع عقابي خاص لملاحقة ومعاقبة مثل هـذه الأصناف مـن الجرائم الاقتصاديـة والمصرفية وهو ما نتناوله في الأتي :
    ثانيا : إيجاد وصف جزائي خاص بملاحقة نشاط تبييض الأموال
    رغم أن التكييفات التقليدية تستوعب إلى حد كبير نشاط تبييض الأموال إلا أنـه من الناحية العملية ظهرت العديد من أوجه القصور لاسيما عدم المساس مبدأ شرعيـة الجرائم والعقوبات وضرورة التفسير الضيق للنص الجزائي ، وجب إعادة النظـر في تحديد وصف خاص يشمل نشاط تبييض لأموال وذلك من خلال تدخل المشرع بسـن نص تشريعي يعاقب على هذا الفعل محددا أركانه وشروط تطبيقه بدقـة حتى يكـون محلا لتوقيع الجزاء المقرر قانونا .
    وتدخل المشرع بنص خاص يجرم الفعل له العديد من المزايا فهو أولا يحسم كل خلاف قد ينشأ بمناسبة تفسير النصوص التقليدية لا سيما وأن ظاهرة تبييض الأمـوال ظاهرة مستحدثة ، وهي اقتصادية مصرفية(1) في مضمونها لذا وجب إلمام المشرع من خلال النص بكل جوانبها الفنية والتقنية .
    وتحقيقا لذلك شهدت أواخر الثمانينات اهتماما ملحوظا لدى معظم المشرعين في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية لمكافحة هذه الظاهرة ، وتجلى ذلك جليا من خـلال القانـون الفرنسي وكـذا الاتفاقيـة فيينا للأمم المتحدة لسـنة 1988 وقـد سايرت
    معظم التشريعات الالتزامات الدولية الواقعة على عاتقهـا بمناسبة التوقيـع على هـذه
    على هذه الاتفاقية ، بسن نصوص تجرم الظاهرة وتضع حـدا لتوسعهـا.
    وفي السودان صدر قانون تبييض الأموال بتاريخ 02/08/2003 يحتوي على 24 مادة وفي لبنان صدر قانون تبييض الأموال بتاريخ 20/09/2001 ويحتوي على 17 مادة .
    وفي الجزائر صـدر قانون تبييض الأمـوال بتاريخ 10/11/2004 بموجب القانـون
    04-15 المعدل والمتمم للأمر 66 / 156 المتعلق بقانون العقوبات وقـد كان هـذا القانون ثمرة مزج بين الأحكام الواردة في الاتفاقية وبيـن مـا توصل إليه الاجتهـاد الفرنسي .
    ونظرا لشمولية النص الفرنسي باعتباره مرجعا لباقي القوانين التي استقت منـه مباشرة تجريم الفعل نرى في باب المفاضلة التطـرق إلى القانـون الفرنسي ثـم إلى الاتفاقية فينا لسنة 1988 ثم إلى القانون الجزائري.
    فبالرجوع إلى الفانون الفرنسي فإنه ساير تطور مظاهر هذه الظاهرة و اهتم في بداية الأمر بنشاط الاتجار في المواد المخدرة و ذلك لتفاقم هـذه الظاهرة في جانبـها التجاري و من ناحية عدد المرضى ، منطلقا مـن النصوص التي سبق و أن أعدهـا و يتعلق الأمـر بالقانون 24/12/1953 و 31/12/1970 المتعلقين بمكافحة إنتـاج المخدرات و الإدمان عليها و الاتجار فيها ، و قد شدد القانون الصادر بتاريخ 88 من الجزاءات المقررة لهـذه الجرائم ، و في سبيل ذلك اهتم المشـرع الفرنسي بـدور المؤسسات المالية في مكافحة غسيل الأموال الناتجة عن الاتجار في المواد المخدرة و قيد بذلك مبدأ سرية المعاملات المصرفية رغم ما يفرضه هذا المبدأ على المؤسسـات المصرفية من قيود ، و ألزمهم بواجب الإخطار(1) عن الأموال و العمليـات التي تبدو متحصلة من إحدى جرائم المخدرات للجنة التابعة لوزارة المالية و تحققت بذلك رقابة المؤسسة المصرفية على حركة الأموال المودعة ذات المصدر المشبوه ، كـما عـدد المشرع الفرنسي الأشخاص و الجهات الخاضعة لأحكام القانون ثم تلى هذه النصوص بالقانـون الصادر بتاريخ 13 /05/1996 و الـذي تضمـن مكافحة غسيل الأمـوال و التعاون الدولي في مجال ضبط و مصادرة عائدات الجرائم في بابه الأول و تنـاول في بابه الثاني النصوص الهادفة إلى تعزيز مكافحة الاتجـار في المـواد المخـدرة ، و عرف لأول مرة جريمة تبييض الأموال على أنها تسهيل التبرير الكاذب بأي طريقة كانت لمصدر أموال أو دخول ، فاعـل جنائية أو جنحة تحصل منها على فائدة مباشرة أو غير مباشرة .
    و يعتبر كذلك فعل من أفعال جريمة تبييض الأموال تقديم المساعدة في عمليات الإيداع أو الإخفاء أو تحويل العائد المباشر أو الغير مباشر لجناية أو جنحة و قد رصد المشرع لهذه الجرائم في صورها البسيطة عقوبة السجن (1) .
    و عاقب على مجرد الشروع في الجريمـة و لـم يفوت المشرع الفرنسي على نفسه التنصيص علـى عقوبات تكميلية توقـع على مرتكبي جرائم تبييض الأمـوال كالمنع من مباشرة الوظيفة العامة و حضر إصدار الشيكات و مصادرة وسائل نقـل المجرمين و أسلحتهم و الأشيـاء المستخدمـة في الجريمة و غيرها ، كمـا قـرر مسؤولية الشخص المعنوي على جرائم غسيل الأمـوال و عدد الجزاءات التي يجوز الحكم بها في مواجهته (2)، مع إمكان مسائلة المشرفين عليـه جزائيا باعتباره مساعدا أو فاعلا أصليا للجريمة حسب الأحوال و الظروف .
    و ما يمكن ملاحظته أن المشرع الفرنسي قد جرم و عاقب على مختلف صور غسيل الأموال المتحصلة عن جناية أو جنحة أيا كانت هذه الجناية أو الجنحة و ساعده في ذلك عمومية النص التشريعي الذي يمكن تطبيقه على كل من سهل التبرير الكاذب لمصدر الأموال أو الدخول المتحصل عن جناية أو جنحة و كذا تقديم المساعـدة في عمليات الإيداع أو الإخفاء أو التحويل سواءا كـان تحويلا مباشرا أو غيـر مباشر ، و هذه الإجراءات و التوسع في الركن المادي لجريمة تبيض الأموال من شأنـه أن يردع توسع الظاهرة و حجم ارتكابها .


    تجريم الظاهرة وفقا لاتفاقية فينا لسنة 1988 :
    في إطار مكافحة المخدرات و المؤثرات العقلية ، توجت المجهودات التي قامت بها الأمم المتحدة باتفاقية فيينا 88 و التـي تضمن تجريم كافة الصـور و النشاطـات المرتبطة بالمواد المخدرة و المؤثرات العقلية بعدما أخذت الظاهرة صـورة الجريمـة المنظمة و امتدت آثارها و أطرافها إلى كافة دول العالم ، و اتسمت مواصفاتها بالتعقيد و التداخل مع جرائم أخرى مشابهة و تضخمت عائداتها و أثـرت على اقتصاديـات الدول و على مستوى مؤسساتها الداخلية .
    و قد توسعت الاتفاقية في تجريم تبييض الأموال و لهذا توسع مظهران :
    1- المظهر الأول : تجريم تحريض الغير و حضهم علانية بأي وسـيلة كـانت على ارتكاب جريمة تبييض الأموال كجريمة مستقلة .
    2- المظهر الثاني : تجريم الاشتراك في ارتكاب جريمة تبييض الأمـوال أو التواطؤ
    على ذلك أو المساعدة أو تسهيل أو إبداء المشورة بصدد ارتكابها .
    و قد ألزمت الاتفاقية الدول على اتخاذ الإجراءات العقابية اللازمة لمكافحة الظاهـرة وأعطت لركنها المادي مفهوما أوسعا لا سيمـا لاستعمالـها لمصطلحي " متحصلات الجرائم "(1) و الأموال محـل الغسيل "(2) و أولت لعقوبـة المصادرة أهمية بالـغة باعتبارها أنجع وسيلة و أمثلها لمكافحة نشاط غسيل الأموال ، و عززت مـن تنازع الاختصاص القضائي بين الدول في مكافحة الجرائم المنظمة و يتضح ذلك جليا مـن خلال الجوانب الإجرائية لملاحقة نشاط غسيل الأموال ، و قد أولت أهمية بالغة لمسألة التعاون القضائي بين الدول بهدف ملاحقة الجريمـة عبر الحـدود ، فضلا على أنـها طوعت كثيرا مبدأ السرية المصرفية للحسابات و كذا أقرت مبدأ إحـالة الدعاوى بيـن مختلف الدول في إطار المساعدة القضائية و كذا تسليم مرتكبي الجرائم .
    ففي مجال فض تنازع الاختصاص أقـرت الاتفاقية تكامـلا في معايير الاختصـاص و أقرت مبدأ العالمية إذا خولت انعقاد الاختصاص للدولة التي يقع في إقليمها موطن أو محل إقامة مرتكب الجريمة(1) دون الإخلال بالمتابعة التي تجريها الدولة التي وقعـت فيها الجريمة و ذلك لتفادي الإفلات من العقاب للفاعل و هذا مـن باب الموازنة بيـن السيادات التشريعية و القضائية للدول .
    أما في مجال تسليم المجرمين و المساعدة القانونية فقـد أدرجت الاتفاقـية في مادتها السادسة على أن كل جريمة من الجرائم المنصوص عليها يجـوز فيهـا تسليم المجرمين فيما بين الدول و تعتبر الاتفاقية نفسها المرجع القانوني في ذلك .
    و في حالة عدم التسليم تلزم الدول الممتنعة عن التسليم بتنفيذ العقوبة المسلطة علـى الفاعل أو الفاعلين من طرف الدولة طالبة التسليم . و يكون التنفيذ بالشروط التالية :
    1- أن يتم ذلك بناءا على طلب الدولة التي تطلب التسليم.
    2- أن يسمح بذلك قانون الدولة المطلوب منها التسليم .
    3- أن يتعلق الأمر بتنفيذ عقوبة محكوم بها بموجب قانون الدولة الطالبة التسلـيم.
    و في مجال المساعدة القانونية حرصت الاتفاقية في مادتها السابعة على حث كافة الدول الأطراف أن تقدم لبعضها البعض أكبر قـدر مـن المساعدة مـن تحقيقات وملاحقات و إجراءات و تشمل عموما المساعدة القضائية ما يلي :

    1. اخذ شهادات الأشخاص و إقراراتهم .
    2. تبليغ الأوراق القضائية .
    3. إجراءات التفتيش و الضبط ، فحص الأشياء ، الإمداد بالمعلومات و الأدلة
    4. توفير النسخ الأصلية للسجلات المالية و المصرفية وسجلات الشركات .

    و أهم عنصر أ وردته الاتفاقية في مجال التعاون القضائي هو إمكانية إحالـة الدعاوى للملاحقة الجنائية من دولة إلى أخرى بشأنه الجرائم المنصوص عليها مثلما هـو وارد في المادة الثامنة منها للكشف عن عائدات هذه الجرائم .
    وتجدر الإشارة إلى أن المشـرع الفرنسي قـد أقر صراحة تنفيذ الأحكام الجزائيـة الأجنبية الناطقة بالمصادرة على الإقليم الفرنسي و ربط ذلك بتوافر شروط :

    1. أن يكون الحكم نهائيا وفقا لقانون الدولة طالبة التنفيذ .
    2. أن تكون الأمـوال المحكوم بمصادرتها ممن يجوز مصادرته وفقـا للتشريـع الفرنسي .
    3. أن يكون الترخيص بتنفيذ الحكم من محكمة الجنح بناءا على طلب النيابة العامة

    على أنه يحق لمحكمة الجنح أن تسمع بطريـق الإنابة القضائية عند الحاجـة الشخص المحكوم عليه و كل الأشخاص الذين تتعلق حقوقهم بأموال محل المصادرة .
    تجريم الظاهرة وفقا للتشريع الجزائري

    مواكبة للتشريعات المقـارنة التي تجـرم ظاهرة تبييض الأموال والحد مـن سرعـة انتشارها ، واحتراما للالتزام الوارد في اتفاقية فينا والتي صادقت عليـها الجزائـر ، أصدر المشرع الجزائري القانون رقـم 04/15 المؤرخ في 10/11/2004 المعـدل والمتمم للأمر 66/156 المتضمن قانون العقوبات ونص في مواده من 389 مكرر وما يليها على الأحكام المقررة لجريمة تبييض الأموال .
    وقد تأثر كثيرا في هـذا النص بما ورد في المادة الثالثة مـن اتفاقية فينا لسنـة 1988 في تحديد الركن المادي والمعنوي للجريمـة ، بحيث جرم كل فعـل يراد بـه تحويل الممتلكات أو نقلها ، إخفاء أو تمويه المصدر غيـر المشروع سواءا للممتلكات أو لطبيعتها الحقيقية أو لمصدرها أو مكانها وكذا حيازتها أو إكتسابها فضلا على مجرد إستخدامها بشرط علم قائم بذلك وقت تلقيها بأنها عائدات إجرامية .
    وقد تجاوز المشرع الجزائري ما توصل إليه القضاء الفرنسي من أحكام سواءا بتوسيعه لمفهوم الحيازة ليشمل مجرد الإستخدام بشرط علم المستخدم بأنـها عائدات إجراميـة أو بتوسيعه لمفهوم الجريمة الأولية ليشمل كل العائدات الناتجة عن جريمة بما في ذلك المخالفات .
    كما جرم المساعدة اللاحقة عن الجريمة الأولية بإعتبار القائم بها فاعلا أصليـا لجريمة تبييض الأموال مثلما هو واضح مـن الفقرة الأولى من المادة 389 مكـرر ، فضلا عن تجريمه للأعمال التحضيرية لإرتكاب جريمة تبييض الأموال وذلك باستعمال المشرع لعبارة ( إسداء المشورة بشأنه ) ، كمـا جرم التحريض وكـذا الشروع في الجريمة .
    وقد أولى أهمية بالغة بعقوبـة المصادرة التي تشمل الممتلكات والعـائدات التي تـم تبييضها والمعدات والوسائل التي استعملت في أرتاب الجريمة ، وفي إطار محاربتها أعد مشروعا هو قيد الإثراء والمناقشة من طرف نواب البرلمان لمحاربة هذه الظاهرة محليا ودوليا ، ولمزيد من التفصيل أنظر المبحث المتعلق بأركان الجريمة .
    و كخلاصة عامة فإن التصدي لجريمة تبييض الأموال بنـص خاص ضرورة أملتـها التطورات العلمية و التكنولوجية . لذلك فإن أغلب الدول قد دأبت على سن تشريعـات تجرم الظاهرة و توفي بإلتزامها الدولي المحدد في اتفاقية فيينا و تضع بذلك حدا فاصلا بين جريمة تبييض الأموال و غيرها من الجرائم المشابهة لها لا سيما جريمة الصرف جريمة تحويل المال العام و كذا جريمة الرشوة و هو ما نتناوله في المطلب الثاني .

    المطلب الثاني :تمييز جريمة تبييض الأموال عن بعض الجرائم المشابهة لها :
    هناك بعض الجرائم التي تتداخل مع جريمة تبييض الأموال سـواء مـن حيث الطبيعة أو من حيث الأركان أو من حيث الغاية و سنتعرض من خلال هذا المطلب إلى التمييز و ذلك باستعراض التعاريف و الأركان لنخلص على أوجه الاختلاف و الشبـه مقتصرين في ذلك على ثلاثة جرائم نذكرها ضمن الفروع الآتية :
    أولا : جريمة تبييض الأموال و جريمة الرشوة
    لم يعرف المشرع الجزائري جريمة الرشوة لكنـه اكتفى بالنص علي صورهـا مبينا صفة الجاني و الأفعال التي تتم بها الجريمة و من التعاريف الفقهية للرشوة بوجه عام بأنها " الاتجار بأعمال الوظيفة أو الخدمة أو استغلالها بأن يطلب الجاني أو يقبـل أو يحصل على عطية أو وعد بها أو أية منفعة أخرى لأداء عمل من أعمـال وظيفته أو الامتناع عنه "(1) .
    كما تعرف على أنها " اتفاق بين شخصين يعرض أحدهم على الآخر عطية أو وعـد بعطية أو فائدة فيقبل بها لأداء عمل أو الامتناع عـن عمل يدخل في أعمال وظيفتـه أو مأموريته (1) .
    أما عن جريمة تبييض الأموال فلم يتم التوصل لحد الآن إلى تعريف شامل لها نظرا لحداثتها و قد تمايز تعريفها عند الفقهاء فتعرف من حيث موضوعها و غايتـها و طبيعتها و هو ما سبق و تعرضنا له في الفصل التمهيدي .
    وقد عرفها المشرع الفرنسي بموجب المادة 324/1 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد على أن :
    "تبييض الأموال هو تسهيل التبرير الكاذب بأي طريقة كانت لمصدر أموال أو دخـول فاعل جناية أو جنحة تحصل عنها فائدة مباشرة أو غير مباشرة .
    و يعتبر أيضا من قبيل التبييض مجرد القيام بمساعدة في عمليات إيداع أو إخفاء أو تحويل العائد المباشر أو غير المباشر لجناية أو جنحة " .
    كما نص قانون العقوبات الجزائري المعدل بالقانون رقم 04 /15 على هـذه الجريمة و ساير إلى حـد بعيد نص المـادة الثالثة مـن معاهدة فيينا المتعلقة بمكافحة الاتجار الغير مشروع في المخذرات و المؤثرات العقلية التي سبـق عرضـها بحيث اعتمد في تعريفه للجريمة على ذكر صورها و ذلك حسب ما جاء في نص المادة 389 مكرر من قانون العقوبات التي نصت على ما يلي:
    " يعتبر تبييضا للأموال :

    • تحويل الممتلكات أو نقلها مع علم الفاعل بأنها عائدات إجرامية بغرض إخفـاء أو تمويه المصدر الغير مشروع لتلك الممتلكات أو مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة الأصلية التي تأتت منها هذه الممتلكات ، على الإفلات من الآثار القانونية لفعلته .

    ب-إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانـها أو كيفيـة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها ، مع العلم بأنها عائدات إجرامية .
    ج- اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع علم الشخص القائم بذلك وقت تلقيها، بأنها عائدات إجرامية .
    د- المشاركة في ارتكاب أي من الجرائم المقررة وفقا لهذه المـادة ، أو التواطؤ أو التآمر على ارتكابها و محاولة ارتكابها و المساعدة و التحريض على ذلك و تسهيله و إسداء المشورة بشأنه "(1) .
    أوجه الاختلاف بين الجريمتين :
    *على عكس جريمة تبييض الأموال التي هي جريمة تبعية تفترض وجود جريمة سابقة لها تسمى بالجريمة الأصلية فإن جريمة الرشوة لا تفترض وجود جريمة سابقة و إنمـا تشمل هذه الجريمة جريمتين متميزتين الأولى سلبية من جانب الموظف العام و من في حكمه ، و قـد اصطلح على تسميتها " الرشوة السلبية" و الثانية إيجابيـة مـن جانب صاحب المصلحة ، و قـد اصطلح على تسميتها " الرشوة الإيجابية " و الجريمتـان مستقلتان عن بعضهما في التجريم و العقاب .
    *جريمة الرشوة هي اتجار الموظف بأعمال وظيفته و بالتالي فصفة الجاني هي عنصر مفترض في أركانها، إذ يشترط المشرع صفة خاصة في المرتشي و هي أن يكون إمـا موظفا عموميا أو من في حكمه أو خبيرا أو محكما أو طبيبا أو من شابهه و إما عاملا أو مستخدما و هذا حسب نص المادتين 126 و127 من ( ق.ع ) ، في حين أن جريمة تبييض الأموال يمكن أن تقترف من أي شخص طبيعي أو معنوي فالمشرع لا يشتـرط صفة خاصة في الجاني .
    *جريمة الرشوة هي اتجار الموظف بأعمال وظيفته و يكون الغرض إما أداء المرتشي عمل إيجابي أو الامتناع عنه تتحقق به مصلحة صاحب الحاجة، بينما غرض جريمـة تبييض الأموال هو تسهيل التبرير الكاذب بأي طريقة كانت لمصدر أموال أو مداخـيل فاعل جناية أو جنحة تحصل منها فائدة مباشرة أو غير مباشرة أو المساعدة على تحويل العائدات المباشرة أو غير المباشرة لجناية أو جنحة .
    *جريمة الرشوة جريمة وقتية أي محكومة بوقت وقوعها فتقوم بمجرد ارتكابها في حين أن جريمة تبييض الأموال فهي جريمة مستمرة مثلها مثل جريمة التزوير .
    *من حيث العقوبة :
    في جريمة الرشوة تختلف العقوبة و الوصف بحسب صفة المرتشي ، بحيث قد تكـون جنحة عقوبتها الحبس من سنة إلى 5 سنوات أو جنحة مشددة عقوبتها من سنتين (02 ) إلى 10 سنوات أو جناية تتراوح عقوبتها بين 5 إلى 20 سنة (1).
    أما عقوبة جريمة تبييض الأموال وفقا للتشريع الفرنسي فقد رصد لها المشرع الفرنسي في صورتها البسيطة عقوبة السجن لمدة 05 سنوات و غرامة مالية
    قدرها 250000 فرنك فرنسي ، و تشدد العقوبة لتصل إلى 10 سنـوات و مضاعفـة الغرامة إذا اقترنت بأحد من الظرفين التاليين :

    • وقوعها بطريق الاعتياد أو استخدام الوسائل التي ييسرها مزاولة نشاط مهني .

    وقوعها في صورة جريمة منظمة(2) .
    و قد جاء تعديل قانون العقوبات الجزائري المجرم لنشاط تبييض الأموال مسايرا للنص الفرنسي من حيث العقاب حيث قرر عقوبة الحبس من 05 إلى 10 سنوات فـي الصورة البسيطة ، و شددها لتصل من 10 إلى 15 سنة في الحـالة التي ترتكب على سبيل الاعتياد أو باستعمال التسهيلات التـي يمنحها نشاط مهني أو في إطار جماعـة إجرامية(3).
    أوجه التشابه بين الجريمتين :
    *كلا الجريمتين قصديتين يقتضي قيامهما توافـر القصـد الجنائي الذي يتكون مـن عنصري العلم و الإرادة .
    *لكلا الجريمتين عواقب وخيمة تهدد أساس استقرار المجتمع و الدولة و هو ما دفع المشرع الداخلي إلى التصدي لها ، بالإضافة إلى ما تلقاه كلا الجريمتين من اهتمـام عالمي على صعيد المؤتمرات الدولية و التوصيات و الاتفاقيات الصادرة عنها .
    ثانيا: جريمة تبييض الأموال و جريمة تحويل المال العام
    يقصد بجريمة تحويل المـال العام الفعل المنصوص و المعاقب عليه في المـادة 119
    ( ق.ع)و تتمثل في اختلاس أو تبديد أو حجز بدون وجه حق أو سرقة أمـوال عامة أو خاصة أو أوراق سلمت للجا ني بمقتضى وظيفته أو بسببها .
    و يأخذ السلوك المجرم الذي هو أحـد عناصر الركن المادي لهـذه الجريمة أربعـة
    صور هي(1) :
    الاختلاس : و هو تحويل الأمين حيازة المال المؤتمن عليه من حيازة وقتية على سبيل الأمانة إلى حيازة نهائية على سبيل التمليك .
    التبديد : هو تصرف لاحق على الاختلاس و فيه يقوم المختلس بإخراج المال المؤتمن عليه من حيازته بالتصرف فيه إما بالبيع أو الرهن أو الهبة ، فهو التصرف في المال على نحو كلي أو جزئي بإنفاقه أو إفنائه .
    الاحتجاز بدون وجه حق : هو التصرف الذي من شأنه أن يعطل المصلحة التي أعد المال لخدمتها ، وقد يكون الاحتجاز تصرفا سابقا على الاختلاس .
    السرقة : و يقصد بها الاستيلاء على مال الغير بنية تملكه .
    فيمكن القول أن المشرع الجزائري عرف هذه الجريمة من خلال النص على صورها في حين أنه سبق لنا التعرض لتعريف جريمة التبييض عند تمييزنا لها عـن جريمة الرشوة .
    أوجه الاختلاف بين الجريمتين :
    *جريمة تبييض الأموال يمكن أن تقترف مـن أي شخص طبيعي كـان أو معنـوي فالمشرع لا يشترط صفة خاصة في الجاني ، في حين أن جريمة تحويل المال العـام تقوم على ركن مفترض يتمثل في صفة الجاني الـذي يجب أن يكون قاضيا أو موظفا أو ضابطا عموميا أو في حكم الموظف ، بمعنى من يتولى وظيفة أو وكالة في خدمـة الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات أو الهيئات الخاضعة للقانون العام .
    * جريمة تبييض الأموال تعد جريمة تبعية لكونها تفترض وجود جريمة سابقة تسمى بالجريمة الأصلية ، في حين أن جريمة تحويل المال العام لا تشترط وجود جريـمة سابقة فيما عدا صورة التبديد الذي هو تصرف لاحق على الاختلاس ، غير أنه رغم ذلك يبقى وصف الاستقلالية هو الغالب على هـذه الجريمة في صـورة التبديد لأن تلاحقها مع الاختلاس ما هو إلا تداخل مكون لمختلف مراحل الجريمة .
    * في جريمة تبييض الأموال المحل الذي يـرد عليه السلوك المجرم هـو أمـوال أو عائدات أية جريمة أخرى ، بمعنى كونه غير مشروع ابتداء ، في حين أن محل جريمة تحويل المال العام حسب ما جـاء به نص المادة 119 (ق.ع ) عـام وواسـع ، بحيث يشكل كل مال سلم إلى الأمين بسبب وظيفته أو بمقتضاها سواء كان للمال قيمة ماليـة واقتصادية ، أو كانت قيمته اعتبارية فقط بل وقد يكون شيئا يقوم مقامه أو وثيقة أو سند أو عـقد أو مال منقول بمعنى أن المال محل الجريمة مشروع .
    * جريمة تبييض الأموال غرضها هـو تسهيل التبرير الكاذب بـأي طريقة كـانت لمصدر أموال أو مداخيل غير شرعية فيكفي فقط أن يتحقق هذا الغـرض عند تسـلم المال أو تواجده بيد الفاعل ، في حين أن غرض تحويل المال العام هو الإستيلاء على أموال عامة أو خاصة سلمت للجاني بشرط أن يكون تسلم المـال أو تواجده بمقتضى الوظيفة أو بسببها ، فلا يكفي معرفة صفة الجاني لتطبيق المادة 119 ( ق ع ) بـل يجب أن يكون المـال محل الجريمة موضوع تحت يـد الموظف بمقتضى وظيفتـه أو بسببها(1).
    * بالنسبة لجريمة تحويل المال العام فقد تدرج المشرع في تحديد العقوبـة والوصف الجزائي حسب قيمة المال محل الجريمة بحيث تكون الجريمة جنحة أو جناية و تبعـا لذلك تكـون العقوبـات جنحية إذا كانت قيـمة المـال محل الجريـمة أقـل مـن
    5.000.000 دج وتكون جناية إذا ما عادلت هذا المبلغ أو تجاوزته ، في حين أنـه وكما سبق لنا عرضه فإن تعديل قانون العقوبات الجزائري الرامي إلى تجريم نشاط تبييض الأموال قد رصد لهذا الفعل عقوبات جنحية فقط وهذا وفقـا للصـورة البسيطة والمشددة .
    * لا يتصور الشروع في جريمة تحويل المال العام ، فأما أن تقع كاملة وإمـا أن لا تقع ، في حين أن الشروع وارد في جريمة تبييض الأموال ، و هو ما نصت عليـه المادة 389 مكرر 3 من قانون العقوبات المعدل بالقانون 04 / 15 .
    أوجه التشابه :
    * كلا الجريمتين قصديتين يقتضي قيامها توافـر القصد الجنائي الذي يتكـون مـن عنصري العلم والإرادة.
    لكلا الجريمتين طابع اقتصادي بحيث يضران بالمصلحة الاقتصادية للدولة .
    ثالثا :جريمة تبييض الأموال وجريمة الصرف
    لا تعـرف جريمة الصرف نسبة للتنظيم النقـدي فحسب ، بـل نسبة كذلك للتشريـع والتنظيم الخاص بحركة الأموال مع الخارج ، باعتبار أن هذا المفهوم الأخير قد كرسه القانون المتعلق بالنقد والقرض (1).
    فتحديد هذه الجرائم يقوم على عامل المخالفة للتشريع والتنظيم الخاص بالصرف وحركة رؤوس الأموال مع الخارج .
    وقد أفرد المشرع الجزائري هذه الجريمة بقانون خاص وذلك من خلال صدور الأمر 96/22 المؤرخ في 09/07/1996 والمتعلق بقمـع مخالفة التشريـع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج والمعدل والمتمم بالأمر رقم 03/01 المؤرخ في 19-02-2003 ، وقد حصر هذا الأمـر مختلف مظاهـر الجريمة بحيث أن كل مظهر يشكل في حد ذاته جريمة ، وبالتالي فالمشرع الجزائري كعادته لم يعرف الجريمة وإنما لجأ إلى تعداد صورها وذلك ما نصت عليه المـادة 1 و 2 من الأمر 96/22 المعدل و المتمم بالأمر 03-01 والتي تعتبر مخالفة أو محاولة مخالفة للتشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج بأية وسيلة كانت ما يأتي :
    - التصريح الكاذب .
    - عدم مراعاة التزامات التصريح .
    - عدم استرداد الأموال إلى الوطن .
    - عدم مراعاة الإجراءات المنصوص عليها أوالشكليات المطلوبة .
    - عدم الحصول على الترخيصات المشترطة أو عدم الاستجابة للشروط المقترنة بهذه الترخيصات(1) .
    - لا يعذر المخالف بحسن نيته .
    بالإضافة إلى :" كل شراء أو بيع أو استيراد أو تصدير أو حيازة السبـائك الذهبيـة والقطع النقدية الذهبية أو الأحجار والمعادن النفسية ، دون مراعاة التشريع والتنظيـم المعمول بهما ".
    أوجه الاختلاف بين الجريمتين :
    * جريمة الصرف جريمة متميزة تمتاز بغياب تقنين موحد فأهم الأحكـام المتعلقـة
    بمخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وبحركة رؤوس الأموال مـن والـى الخارج مقيدة في نصوص مبعثرة ومتقلبة تقلب الظروف الاقتصادية والمالية في فترة معينة ، ومجمل النصوص يغلب عليها الطابع التنظيمي وهي صادرة أساسا عن البنك المركزي ، ويعد النظام رقم 95/07 المؤرخ في 23/12/95 المتعلق بمراقبة الصرف النص المرجعي في هذا المجال(2) ، في حين أن جريمة تبييض الأمـوال لا تحتاج إلى تقنين خاص وموحد وإنما يتم النص عليها في قسم من أقسام قانـون العقوبات الخاص بكل تشريع داخلي كما هو الحال بالنسبة للمشرع الفرنسي ، وكذلك الحـال بالنسبـة للمشرع الجزائري و لم يشذ عن هـذه القاعدة سـوى المشـرع السوداني و اللبناني و اللذان أفرداها بنص خاص .
    * يتمثل محل جريمة مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحـركة رؤوس الأموال من والى الخارج أساسا في النقود والأحجار و المعادن الثمينة ، والنقود يمكن أن تكون معدنية أو ورقية كما يمكن أن تكون مصرفية وهي وسائل الدفع المصرفيـة كالشيكات السياحية وبطاقات الائتمان والأوراق التجارية ، في حين أن محل جريمـة تبييض الأموال يشمل كافة صور الأموال متى كان مصدرها نشاط غير مشروع يشكل جناية أو جنحة وكذلك كافة الإشكال التي يندمج فيها هذا المال أو يتحول إليها أو يتبدل على شاكلتها فلا عبرة بطبيعة هذه الأموال ذات المصدر غير المشروع ، فقد تكـون ذات طبيعة مادية أو غير مادية أو منقولة أو ثابتة لأنها في كـل الحالات تشكل محلا لجريمة التبييض .
    * جريمة الصرف عندما يكون محلها نقودا تعـد جريمة ماديـة بحـتة لا تقتضـي
    لقيامها توافر قصد جنائي ، فتعفى النيابة من إثبات سوء نية مرتكب المخالفة وهذا ما نصت عليه الفقرة الأخيرة للمادة الأولى من الأمر 96/22 المعـدل والمتمم بالأمـر
    03-01 والتي نصت على أنه " لا يعذر المخالف على حسـن نيته " في حيـن أن جريمة تبييض الأموال هي جريمة قصدية يشترط لقيامـها توافـر عنصري العـلم والإرادة.
    * جريمة تبييض الأموال كما سبق ذكره جريمة تبعية تفترض وجود جريمة سابقـة
    لها ، في حين أن جريمة الصرف ليست كذلك وإنما قد يكون لها طابع مزدوج بحيث يمكن أن تشكل في آن واحد مخالفة جمركية ومخالفة مصرفية وذلك في حالة استيراد بضاعة أو تصديرها بـدون تصريح أو بتصريح مزور متى كـان الهدف مـن عدم التصريح أو التصريح الكاذب أو نتيجتهما هو مخالفة التشريـع أو التنظيم الخاصيـن بالصرف أو بحركة رؤوس الأموال من والى الخارج .
    * تتوقف المتابعات الجزائية في مجـال مخالفة الصرف على شكوى مـن الوزيـر المكلف بالمالية أو محافظ بنك الجزائر أو أحد ممثليهما المؤهلين لهذا العرض وهـذا بحسب ما نصت عليه المادة 9 من الأمر 96/22 المعدل والمتمم بالأمـر 03-01، وتبعا لذلك لا يجوز للنيابة العامة مباشرة المتابعات القضائية ضد مرتبكي جرائـم الصرف بدون شكوى من الجهات المخولة قانونا ، وإذا بودر بالمتابعات دون شكوى فإن الإجراءات تكون مشوبة بالبطلان ، في حين أن المتابعة فيما يخص جريمة تبييض الأموال غير مقيدة بطرح شكوى من أي طرف كان ، وللنيابة المبادرة بمباشرة المتابعة من دون أن يكون ذلك سببا للبطلان .
    * بالنسبة لجرائم الصرف فـإن الأصـل أن المصالحة جائزة في مختلف صورهـا
    وهذا بحسب ما نصت عليه المادة 09 مـن الأمر 96/22 المـعدل و المتمم بالأمـر
    03-01،في حين أن المصالحة غير واردة فيما يخص جريمة تبييض الأموال .
    أوجه التشابه :
    * كلا الجريمتين يمكن أن ترتكبا عن طريق فعل إيجابي أو سلبي ، فجريمة الصرف يمكن أن ترتكب بعدم احترام واجب الترخيص أو بعدم الامتثال لواجب وكذلك الأمـر بالنسبة لجريمة تبييض الأموال التي يمكن أن ترتكب بفعل من أفعال التحويل أو النقل ، أو بعدم الامتثال لواجب التبليغ والتحري .
    * لكلا الجريمتين طابع جنحي في الأساس يهدف لتفادي ثقل الإجراءات .
    * كلا الجريمتين يعاقب على المحاولة بشأنهما وهو ما يستشف من نص المادة الأولى من الأمر 96/22 التي صنفت جرائم الصرف إلى مخالفات التشريع ومحاولات مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف ،كما أن المشرع الفرنسي نص على المعاقبة في المحاولة بالنسبة لجريمة تبييض الأموال وهو ما كرسه القانون 04/15 المعدل لقانون العقوبات الجزائري من خلال نص المادة 389 مكرر 3 .
    * للجريمتين طابع دولي بحيث يفترض فيهما الامتداد من إقليم دولتين على الأقل وهي الصورة الشائعة عنها، كما أن طابعهما الاقتصادي يظهر جليا في الأضرار والمخاطر التي تشكلانها على اقتصاديات الدول واستقرارها .




    المبحث الثاني : أركان جريمة تبييض الأموال

    من المتفق عليه فقها أن لكل جريمة وجهان مـادي يتمثل في السلوك الإجرامي الصادر عن الفاعل وهو ما يعبر عنه بالركن المادي للجريمة ونفسي يتمثل فيمـا يدور في ذهن الفاعل وما تتجه إليه إرادته وهو ما يعرف بالركن المعنوي للجريمة .
    ويضيف أغلب الفقهاء ركن ثالث وهو الركن الشرعي وهو ما يخرج السلـوك الإجرامي من دائرة الأفعال المباحة ويجعله فعلا مجـرما و معاقبا عليه بصفة مجردة
    وبنص خاص وإذا كان هناك خلاف فقهي حـول هذا الركن فإن الراجح هـو قيـام الجريمة على ثلاثة أركان حسب التقسيم التقليدي السالف الذكر وهو ما سنعتمده لدراسة أركان جريمة تبييض الأموال لذلك سنتناول هذا المبحث الركن الشرعي(1) للجريمة في المطلب الأول ، و الركن المادي لها في المطلب الثاني ، و الركن المعنوي في المطلب الثالث .

    المطلب الأول : الركن الشرعي لجريمة تبييض الأموال
    الركن الشرعي هو النص الجنائي الخاص(2) الذي يلبس الصفة غير المشروعة على السلوك المادي للجريمة فيخرجه مـن ضمن الأفعال المباحة التي تعتبر القاعـدة العامة للسلوك البشري ، ويدخله ضمن الأفعال المجرمـة والمعاقب عليـها، لذلك لا يتصور وجود جريمة بدون وجود نص خاص يجرم ويعاقب عليها وهو ما يعرف بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المنصوص عليه بالمادة الأولى من قانون العقوبات، ولعـل هذا ما جعل البعض من الفقهاء ينفون وجود الركن الشرعي للجريمة ويكتفون بركنيها المادي والمعنوي لكون الركن الشرعي(3) حسبهم هو الـذي يخلق الجريمة فلا يتصور أن يكون بعد ذلك ركنا فيها ، ودون الدخول في الجدل حول هذا الموضوع فإنه مـن المستقر عليه عند أغلب الفقهاء أن لكل جريمة ركن شرعي وهو الرأي الذي اعتمدناه لحظة بحثنا و سنحاول إبراز كل ما يتعلق بالركن الشرعي لجريمة تبييض الأموال في عنصرين ، نتناول في الأول الركن الشرعي لجريمة تبييض الأموال وفقا لاتفاقية فينـا لسنة 1988 و يتعرض في الثاني للركن الشرعي للجريمة حسب التشريع الجزائري .
    أولا : الركن الشرعي وفقا لاتفاقية فينا لسنة 1988 :
    بالرجوع إلى اتفاقية الأمم المتحــدة لمكافحة الاتجار غيـر المشروع فـي المخدرات والمؤثرات العقلية وللمادة الثالثة منها تحت عنوان الجرائم والجزاءات التي تنص على ما يلي :
    » 1 / يتخذ كل طرف ما يلزم من تدابير لتجريم الأفعال التالية في إطار قانـونه الداخلي في حال ارتكابها عمدا :
    أ ) –إنتاج أية مخذرات أو مؤثرات عقلية ، أو صنعها ، أو استخراجها أو تحضيرها أو عرضا أو عرضها للبيع ، أو توزيعها ، أو بيعها أو تسليمها بـأي وجه كـان أو السمسرة فيها ، أو إرسالها بطريقة العبور ، أو نقلها أو استيرادها و تصديرها .
    ب) 1/ تحويل الأموال أو نقلها مـع العلم بأنـها مستمدة مـن أي جـريمة أو جرائم منصوص عليها في الفقرة الفرعية (أ) من هذه الفقرة أو مـن فعل من أفعال الاشتراك في محل هذه الجريمة ، أو الجرائم بهدف إخفاء أو تمـويه المصدر غير المشـروع للأموال ، أو قصد مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب مثل هذه الجريمة أو الجرائم على الإفلات من العواقب القانونية لأفعاله(1) .
    2- إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها ، أو مكانها عن طريق التصرف فيها، أو حركتها ، أو الحقوق المتعلقة بها ، أو ملكيتها مع العلم بأنها مستمدة من جريمة أو جرائم منصوص عليها في الفقرة الفرعية (أ) من هذه الفقرة أو مستمدة من فعل مـن أفعال الاشتراك في مثل هذه الجريمة أو الجرائم .
    ج- مع مراعاة المبادئ الدستورية والمفاهيم الأساسية لنظامه القانوني:
    1- اكتساب أو حيازة أو استخدام الأموال مع العلم وقت تسليمها بأنـها مستمدة مـن جريمة أو جرائم منصوص عليها في الفقرة الفرعية (أ) من هـذه الفقرة أو مستمـدة
    من فعل من أفعال الاشتراك في مثل هذه الجريمة أو الجرائم .
    2- حيازة معدات أو مواد مدرجة في الجدول الأول ، والجدول الثاني مع العلم بأنهـا ستستخدم في زراعة مخدرات أو مؤثرات عقلية ، أو لإنتاجها ، أو لصنعها بصـورة غير شرعية .
    3- تحريض الغير ، أو حثهم علانية بأية وسيلة كانت على ارتكاب أية من الجرائـم المنصوص عليها في هذه المادة ، أو استعمال مخدرات ، أو مؤثرات عقلية بصـورة غير شرعية .
    4- الاشتراك أو المشاركة في ارتكاب أية جرائم منصوص عليـها في هـذه المـادة أو التواطؤ على ذلك أو الشروع فيها ، أو المساعدة أو التحريض عليها ، أو تسهيلـها أو إبداء المشورة بصدد ارتكابها .
    2/ يتخذ كل طرف مع مراعاة مبادئه الدستورية والمفاهيم الأساسية لنظامه القانوني ما يلزم من تدابير في إطار قانونه الداخلي ، لتجريم أو حيازة مخدرات أو مؤثرات عقلية للاستهلاك الشخصي في حال ارتكاب هذه الأفعال عمدا .
    3/ يجوز الاستدلال من الظروف الواقعية الموضوعية على العلم والنيـة أو القصـد المطلوب ، ليكون ركنا لجريمة من الجرائم المنصوص عليها في الفقرة 1 من هـذه المادة « .
    وما تجدر الإشارة إليه في بادئ الأمر أن هذا النص يخاطب أطراف المعاهـدة وهم الدول المصادقين عليها حيث يلزمهم باتخاذ الإجراءات التشريعية المناسبة لتجريم الأفعال التي تعتبر تبييضا لأموال ناتجة عن المتاجرة غـير المشروعة في المخدرات والمؤثرات العقلية ، وبذلك فهذا النص لا يرقى ليكون نـصا تجريميا يمكن الاعتمـاد عليه في متابعة مرتكبي الأفعال الواردة في نفس المادة بقدر ما يعتبر التزاما دوليا على عاتق الدول الأطراف لاتخاذ تدابير تشريعية لقمع وتجريم تبييض عائدات الاتجار فـي المخدرات ، و هذا عملا بمبدأ شرعية الجرائم و العقوبـات التي تنص عليـه أغلب دساتير العالم و الذي مفاده ضرورة وجود نـص خاص يجـرم الفعل بصفة مجـردة و يضع له جزاءا محددا سلفا ، و هـو ما يخلق اصطدام بـين نص الاتفاقيـة الدولية و القانون الداخلي الدستوري منه و الجنائي و هو ما يعبر عنـه في القانون الدولـي بإشكالية تطبيق الاتفاقية الدوليـة على المستوى الداخلي للـدول في الجانب الجزائي إذ يشترط أن يكون نص المعاهدة دقيقا بحيث يجرم السلوك الإجرامي بشكل دقيق و محدد كما يحدد نفس النص الجزاء المترتب على ارتكاب هذا الفعل ،و بهذا الشكل يكون نص الاتفاقية مخاطبا للأفراد الذين يرتكبون الجرائم و ليس الدول الأطراف في المعاهدة(1) .
    و غني عن البيان أنه لتكون هذه الاتفاقية سارية المفعول في مواجهة الأشخاص مرتكبي جرائم تبييض عائدات الاتجار بالمخدرات يجب أن تكون هذه الاتفاقية مصادقا عليها و مدرجة في المنظومة القانونية الداخلية للـدول حسب ما يشترطه دستور كـل منها .
    و خلاصة القول أن هذه الاتفاقية اكتفت بسـرد الأفعال التي قـد تشكل الركـن المادي لجريمة تبييض عائدات الاتجـار بالمخدرات دون أن تحدد الجزاء و العقوبـة المقررة لهذا الفعل إضافة إلى كونهـا تخاطب الدول الأطراف في الاتفاقية و ترتـب عليهم التزام دولي يتمثل في وضع التدابير المناسبة – في قوانينها الداخلية – لتجريـم هذه الأفعال مما يجعل هذا النص قاصرا على أن يشكل لوحده الركن الشرعي لجريمة تبييض أموال المتاجرة بالمخدرات و يحتاج إلى تدخل المشرع الوطني للدول الأطراف لتجنب الاصطدام بمبدأ شرعية الجرائم و العقوبات كـما سبق بيانه، أمـا القضـاء الجزائري و أمام الفراغ التشريعي و عدم التجريم المبين أعلاه فقد اتخذ موقف مميزا في تفسير و تطبيق اتفاقية فيينا لسنة 1988 السالفة الذكر حيث تم الاعتماد على نص المادة 03 من الاتفاقية لمصادر متحصلات المتاجرة بالمخدرات و هو الموقف الذي تبناه قضاة المحكمة العليـا في القرار رقـم 167921 المؤرخ في 22/فيفري2000(2) و السؤال المطروح هـل أن قضاة المحكمة العليا لـم يخالفوا مبـدأ شرعية الجرائـم و العقوبات الواردة بالمادة 01 من قانون العقوبات . و قد اعتمد قضاة المحكمة العليا في هذا القرار على كون اتفاقية فيينا لسنة 1988 قد تم المصادقة عليها من طـرف الجزائر وفقا للدستور و تم نشر مرسوم المصادقة و الانضمام و هو ما اعتبره قضاة القانون أمرا كافيا للحكم بمصادرة الأموال الناتجة عن الاتجار بالمخدرات باعتبارهـا مجرمة في فحوى الاتفاقية أعلاه ، خاصة و أنها أسمى من القانون حسب المادة 132 من الدستور ، غير أن الفقه وجه لهذا الرأي انتقادا حادا فيما يخص احترام مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات إذ لا يوجد بالاتفاقية نص يخاطب الأفراد مباشرة و يمنعهم مـن الاتجار بالمخدرات بمعنى آخر عـدم قيام الركن الشرعي لجريمة المتاجرة بالمخدرات في حين تكتفي الاتفاقية بجعل الدول الأطراف فيـها ملزمين باتخاذ التدابير اللازمـة لتجريم الفعل المنوه أعلاه.
    و بغض النظر عن مدى صحة هذا الموقف فإنـه من الأكيد أن غياب نـص تجريمي لمثل هذه الأفعال الخطيرة في تلك الفترة جعـل مـن قضاة المحكمة العليـا يذهبون في اتجاه تفسير موسع لنصوص الاتفاقية في حيـن يفترض التفسير الضيـق للنصوص القانونية في الجانب الجزائي.
    ثانيا : الركن الشرعي للجريمة حسب المشرع الجزائري .
    لقد جـاء الأمر رقم 66/156 المؤرخ فـي 08 يونيو 1966 المتضمن قانـون العقوبات خاليا من أي نص يجرم عملية تبييض الأموال و ذلك لكون هـذه الجريمـة حديثة مقارنة بالأمر السالف الذكـر حين استفحلت في العقدين الأخيرين مـن القـرن العشرين و تماشيا مع مستجدات العصر فقد بادرت الجزائر للمصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالمخدرات و المؤثرات العقلية الموافق عليها بفيينا بتاريخ 20 ديسمبر لسنة 1988 و التي دخلت حيز التنفيذ في 11 نوفمبر 1990 ، و ذلك بموجب المرسوم رقم 95/41 المؤرخ في 28 يناير 1995 المتضمن المصادقـة بتحفظ على الاتفاقية السالفة الذكر .

    و رغم المصادقة المبكرة على هذه الاتفاقية إلا أن المشرع الوطني الجزائري لم يأخذ أي موقف إيجابي بشأن المادة الثالثة من اتفاقية فيينا و التي تلزم الدول الأطراف باتخاذ تدابير تشريعية لتجريم أعمال تبييض عائدات الاتجار بالمخدرات كـما سبـق شرحه في المطلب السابق إلى غاية 10 نوفمبر 2004 تاريخ صدور القانون 04/15 المعدل و المتمم للأمر 66/156 المتضمن قانون العقوبات و الذي استحدث قسما خاصا لتجريم تبييض الأموال و ذلك في المواد من 389 مكرر إلى 389 مكرر 7 ، و أمـام هذا الموقف السلبي للمشرع الجزائري خلال هذه الفترة بقيت اتفاقية فيينا تمثل التزامـا دوليا على عاتق الجزائر و لعل عدم تدخل المشرع الجزائري في هـذا الجانب راجع للوضع الأمني و الاقتصادي و السياسي التي شهدته البلاد في العقد الأخير مـن هـذا القرن مما عرقل عملية الدخول في المنظومة القانونية الدولية وفـق التطورات الجديدة التي انطلقت في بداية التسعينات مع التوجه الاقتصادي الجديد و فتـح المجال لحـرية تداول رؤوس الأموال و ما يصاحبه من جرائم نوعية خاصة مثل تبييض الأمـوال و بذلك توقفت عملية وضع النصوص التجريمية لمثل هذه الجرائم في حين تفشت الجرائم نفسها من الناحية الواقعيـة حيث استغل البعض تدهور الوضـع الأمني و الاقتصادي ليقوم بتبييض مبالغ معتبرة ناتجة عن الاتجار بالمخدرات و الرشوة و هو ما أشار إليه تقرير أمني معد في الأشهر الأخيرة لسنـة 2000 و الذي أفـاد أن الأمـوال غـير المشروعة للفترة ما بين 1995 و1999 تم تبييضها باستثمارات في العقارات و إنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة و إعادة شراء مؤسسات عمومية مفلسة و أسهم و قسيمات بأسماء مجهولة . كما كشف نفس التقرير أن جزءا كبيرا من هذه الأموال حـول إلى الخارج و قد قدر بـ 16.3 مليار دولار .
    و هو ما جعل المشرع الجزائري يتدخل و يضع حد لهذا الفراغ بتجريمه الفعل ليس فقط فيما يخص تبييض الأموال العائدة من الاتجار بالمخدرات بـل و تجريم كل تبييض الأموال غـير مشروعة المصدر كمـا فعلت باقي التشريعات الأجنبية و ذلك بواسطة التعديل المذكور أعلاه و الذي جرم كل عملية تبييض للعائدات الإجرامـية سواء أكان الفعل تاما أو مجرد الشروع كما جـرم الاشتراك و المساعدة في الفعـل الأصلي و باختصار كل من يدخل ضمن دائرة تبييض المال غير المشروع مع علمه بذلك ، و قد استعمل المشرع الجزائري في المادة 389 مكرر من قانون العقوبـات مصطلح العائدات الإجرامية بدل مـن الأموال غـير المشروعة المستعملة في الفقـه و التشريع المقارن .
    ولعل من مفارقات الأمور ما عايناه خلال تربصنا بمجلس قضاء وهران حيث تم معاينة قضية تتلخص وقائعها في أن قاضي تحقيق و خلال توليه التحقيق في جريمة مسيري أحد البنوك الجزائرية بتهمة مخالفات الصرف وتحـويل رؤوس الأموال(1) للخارج الفعـل المنصوص والمعاقب عليه بالقانون 96/22 المعدل بالأمـر 03/01 المتعلق بحركة رؤوس الأموال من و إلى الخارج ، حيث قام قاضي التحقيق بإرسـال إنابة قضائية دولية لمحكمة باريس لطلب بعض المعلومات حول متهمين في حالة فرار بفرنسا في نفس القضية وبعـد الإنجاز أجاب وكيل الجمهورية لدى محكمـة باريس ، الفرع الاقتصادي والمالي و أعطى كل المعلومات المطلوبة حول التهمة محل المتابعة ليضيف بصفة تلقائية أن الأشخاص محـل المتابـعة لهم أرصدة بنكية بفرنسا بمبالـغ ضخمة بالعملة الصعبة وأنهم عاجزون عـن تبرير مصدر هـذه الأموال وعلى هـذا الأساس وبالإضافة إلى تكييف مخالفات الصرف محل المتابعة في الجزائر أبدى وكيل الجمهورية الفرنسي استعداده لتقديم المسـاعدة في حـال المتابعة على أسـاس تبييض الأموال مقدما كل النصوص القانونية الفرنسية الممكنة وللإشـارة فـإن حجم رؤوس الأموال المحول بطريقة غير شرعية - تهريب رؤوس الأموال – محل الجريمة المتابع بها في الجزائر يعادل حجم الأرصدة الموجودة في البنوك الفرنسية المنوه عنها في رد وكيل الجمهورية الفرنسي وهنا تبرز أهمية التجريم وضرورة الإسراع في تجريم هذا الفعل إذ أنه من غير المعقول أن تكون المتابعة جائزة في بلد استفاد مـن الجريمة بأن تحصل على مبالغ ضخمة بالعملة الصعبة و لـم تكن نفس المتابعة الجزائية جائزة في البلد محل اختلاس وتبديد هذه الأموال كما تبرز هذه القضية مدى فعالية التعاون الدولي لمكافحة الظاهرة و عموما فقـد غطى القانون 04/15 المذكور سابقا هـذا الفـراغ و أصبحت هذه الأفعال تشكل جريمة حسب قانون العقوبات الجزائري في قسمه السادس مكرر من الفصل الثالث من الباب الثاني للكتاب الثالث و الذي تضمن ثمان مواد نصت على ما يلي :"
    المادة 389 مكرر : يعتبر تبييضا للأموال (1):
    أ- تحويل الممتلكات أو نقلها مـع علم الفـاعل بأنها عائدات إجرامية ، بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الممتلكات أو مسـاعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة الأصلية التي تأتت منها هذه الممتلكات ، على الإفلات من الآثـار القانونية لفعلته .
    ب- إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها ، مع علم الفاعل أنها عائدات إجرامية
    ج- اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مـع علم الشخص القائم بذلك وقت تلقيها ، أنها تشكل عائدات إجرامية .
    د- المشاركة في ارتكاب أي من الجرائم المقررة وفقا لهذه المادة ، أو التواطؤ أو التآمر على ارتكابها و محاولة ارتكابها و المساعدة و التحريض على ذلك و تسهيله و إسداء المشورة بشأنه .
    المادة 389 مكرر 1 : يعاقب كل من قام بتبييض الأموال بالحبس من خمس (5) سنوات إلى عشر (10) سنوات و بغرامة من 1.000.000 دج إلى 3.000.000 دج .
    المادة 389 مكرر 2 : يعاقب كل من يرتكب جريمة تبييض الأموال على سبيل الاعتياد أو باستعمال التسهيلات التي يمنحها نشاط مهني أو في إطار جماعة إجرامية ، بالحبس من عشر (10) سنوات إلى خمس عشرة (15) سنة و بغرامة من 4.000.000 دج إلى 8.000.000 دج .
    المادة 389 مكرر 3 : يعاقب على المحاولة في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في هذا القسم بالعقوبات المقررة للجريمة التامة .
    المادة 389 مكرر 4 : تحكم الجهة القضائية المختصة بمصادرة الأملاك موضـوع الجريمة المنصوص عليها في هذا القسم ، بما فيها العائدات و الفوائد الأخرى الناتجة عن ذلك ، في أي يد كانت ، إلا إذا أثبت مالكها أنه يحـوزها بمـوجب سند شرعي ، و أنه لم يكن يعلم بمصدرها غير المشروع .
    يمكن الجهة القضائية المختصة الحكم بمصادرة الأموال محل الجريمة عندمـا يبقى مرتكبو التبييض مجهولين .
    إذا اندمجت عائدات جناية أو جنحة مع الأموال المتحصل عليها بطريقة شرعية،
    فإن مصادرة الأموال لا يمكن أن تكون إلا بمقدار هذه العائدات .
    كما تنطق الجهة القضائية المختصة بمصادرة الوسائل و المعدات المستعملة في ارتكاب جريمة التبييض إذا تعـذر تقديم أو حجز الممتلكات محـل المصادرة تقضي الجهة القضائية المختصة بعقوبة مالية تساوي قيمة هذه الممتلكات .
    يجب أن يتضمن الحكـم أو القرار القاضي بالمصادرة تعيين الممتلكات المعنية و تعريفها و كذا تحديد مكانها .
    المادة 389 مكرر 5 : يطبق على الشخص الطبيعي المحكوم عليه بارتكابه الجرائـم المنصوص عليها في المادتين 389 مكرر 1 و 389 مكرر 2 عقوبة واحدة أو أكـثر من العقوبات التكميلية المنصوص عليها في المادة 9 من هذا القانون .
    المادة 389 مكرر 6 : يجوز الحكم بالمنع من الإقامة على الإقليم الوطني بصفة نهائية أو لمـدة عشر (10) سنوات على الأكثر ، على كـل أجنبي مدان بإحدى الجرائـم المنصوص عليها في المادتين 389 مكرر 1 و 389 مكرر 2 .
    المادة 389 مكرر 7 : يعاقب الشخص المعنوي الذي يرتكب الجريمة المنصوص عليها في المادتين 389 مكرر 1 و 389 مكرر 2 بالعقوبات الآتية :
    - غرامة لا يمكن أن تقل عـن أربع (4) مرات الحـد الأقصى للغرامـة المنصوص عليها في المادتين 389 مكرر 1 و 389 مكرر 2 من هذا القانون .
    - مصادرة الممتلكات و العائدات التي تم تبييضها .
    - مصادرة الوسائل و المعدات التي استعملت في ارتكاب الجريمة .
    إذا تعذر تقديم أو حجز الممتلكات محـل المصادرة ، تحكم الجـهة القضائيـة المختصة بعقوبة مالية تساوي قيمة هذه الممتلكات .
    و يمكن الجهة القضائية أن تقضي بالإضافة على ذلك بإحدى العقوبتين الآتيتين:

    • المنع من مزاولة نشاط مهني أو اجتماعي لمدة لا تتجاوز خمس (5) سنوات.
    • حل الشخص المعنوي ."

    المطلب الثاني : الركن المادي لجريمة تبييض الأموال

    تتفق معظم تشريعات العالم حول عدم المعاقبة على مجـرد النية الإجرامية إذ يجب أن تتجسد هذه النية مهما كانت خطورتها ودرجة عقد العزم على ارتكابـها في سلوك مادي يمثل جسم الجريمة وهو ما يعبر عنه بالركن المادي للجريمة .
    ونقصد بالسلوك نشاط الإنسان في محيطه الخارجي لذلك غالبا ما يفهم بالمعنى الإيجابي أين يتدخل الشخص بعمل مادي يكون معاقبا عليه بنص خاص وبذلك يكون العقاب على السلوكات الإيجابية للإنسان كمبدأ عام و لا يتم تجريم السلوك السلبي إلا في حالات استثنائية وهي ما تعرف بجرائم الامتناع(1) وعموما فـإن جريمة تبييض الأموال تتطلب سلوكا إيجابيا من الجاني ولا يمكن تصورها في حـالة امتناع إلا إذا تعلق الأمر بعدم التبليغ عن الجريمة . وسنتطرق فيما يلي إلى عناصر الركن المادي للجريمة في البداية ثم إلى صوره ثم نتطرق للركن المادي حسب اتفاقية فيينا لسـنة 1988 و المشرع الجزائري ثم نتناول في الأخير إشكالية إثبات الركن المادي للجريمة.
    أولا : عناصر الركن المادي للجريمة

    تبييض الأمـوال هي جريمة كـما يدل عليها اسمها تهدف إلى إضفـاء طابـع الشرعية على أموال مـن مصدر إجرامي وهي بذلك تقـوم على جريمة أولـية هـي الجريمة مصدر الأموال المراد تبييضها مـثل جريمة المتـاجرة بالمخدرات أو الرقيق البيض أو الأسلحة ...الخ كما سبق بيانه المبحث الأول المتعلق بمصدر الأموال محـل الجريمة لذلك يمـكن القول أن الركن المـادي لجريمة تبييض الأمـوال يتكون مـن عنصرين هما :
    1- أموال مـن مصدر إجرامي (غير مشروعة ) : وهـو ما يعرف أيضـا بالركـن المفترض للجريمة أو الركن الخاص حيث تستلزم الجريمة وجود أمـوال غير نظيفـة أصلا، غالبا ما تكون من عائدات بعض الجرائم المنظمة أو جرائم المنفعة كما يسميها فقهاء علم الإجرام مثل : الرشوة والاختلاس والاتجار بالمخدرات أو الأسلحة أو الرقيق الأبيض أو الأموال العائدة مـن الجرائم الإرهابية التي شاعت في العقد الأخير لهـذا القرن وبغض النظر عن المصدر المباشر لهذه الأموال يكفي أن تكون متحصل عليها من جريمة مثل الأموال الناتجة عن جريمة تحويل رؤوس الأموال للخارج .
    و قد اختلفت التشريعات المقارنة نسبيا في تحديد طبيعة الركن المفترض لجريمة تبييض الأموال و ذلك حسب نظرتها للأموال المبيضة و مراعـاة أنظمتها القانونيـة الداخلية خاصة في المجال الجبائي و المصرفي فنجد المشرع اللبناني كان يقتصر على تجريم تبييض الأموال الناتجة عن الاتجار في المخدرات دون غيرها من الأموال غير المشروعة و لعل سبب ذلك هو كون أمـوال المخدرات هـي التي وضعت الإطـار القانوني الدولي لتجريم عملية التبييض من خلال اتفاقية فيينا إضافة إلى كـون هـذه الجريمة توفر الوعاء الأكبر للجرائم المبيضة ثم تدارك الوضع في سنة 2001 ليضيف تجريم الأموال العائدة مـن نشاط جمعيات الأشـرار المعتبرة دوليـا جرائم منظمة ، و جرائم الإرهاب و الاتجار غـير المشروع بالأسلحة ، و جرائم السرقة ، اختلاس الأموال العمومية أو الخاصة أو الإستيلاء عليـها بوسائل احتيالية ، المعاقب عليـها بعقوبة جنائية ، و جرائم تزوير العملة ، أما المشرع الفرنسي فقد نص في المادة 324 مكرر من قانون العقوبات أن الأموال التي يمكن أن تكون محل جريمـة التبييض هي تلك ناتجة عن جناية أو جنحة أو مخالفة و بهذا يكون المشرع الفرنسي قد توسـع في تحديد الركن المادي للجريمة باعتبار أن كل العائدات الجرائم أيا كانت طبيعتـها أو تسميتها في القانون الجنائي الخاص يمكن أن تكون محلا لجريمة تبييض الأموال غير أن ما يلاحظ عن نص المادة المذكور أعلاه أنه يستعمل لفظ جناية ، جنحة ، مخالفة لذلك يمكن الاستخلاص أنـه يشترط لقيام المتابعة الجزائية و الإدانة بجريمة تبييض الأموال وجود إدانة سابقة لجناية أو جنحة أو مخالفة و هـذا بسبب قرينة البـراءة المتوافرة بصفة أصلية في ذمـة الأشخاص و التي لا يجوز دحرها إلا بحكم قضائي نهائي و هـذه الفكرة ليست جديدة في النصوص الجزائية إذ يمكن المقارنة في هـذا المجال بجريمة عدم تسديد النفقة التي لا تقوم إلا بوجود حكم سابق يلزم تسديدها كون الذمة المالية للأشخاص خالية من أي التزام كأصل عام ، و من خلال كل هذا نستنتج أن المشرع الفرنسي وإن كان قد وسع في مفهوم الركن المادي لجريمة تبييض الأموال إلا أنه حصرها في تبييض الأموال الناتجة عن جريمة سبقت المتابعة الإدانة بها .
    أما المشرع الجزائري فعند تدخله لتجريم هذا الفعل صـاغ نص عام يجرم كل تبييض للعائدات الإجرامية باختلاف طبيعتها و تسميتها و ذلك لوضع حد أمـام تنامي هذه الظاهرة و لا يقصد في هذا المجال بالنص العام عدم تحديد الأفعال المادية التـي تكون الركن المادي لجريمة تبييض الأموال بشكل دقيق و إنما التوسع في تحديد محل جريمة تبييض الأموال بشكل يدخل كل دخل غير مشروع و ذلك لتوافـر علة التجريم و يتجلى ذلك في اكتفاء المشـرع بلفظ العائدات الإجرامية عند تحديده لمحل جريمـة التبييض و إن كان هذا اللفظ يثير بعض من اللبس فهـل معنى العائدات الإجرامية تلك الأموال التي سبقت الإدانة بها ؟ أم أنها كل دخل غير مشروع ؟ ذلك أنـه في الحالـة الأولى تصبح الجريمة مصدر الأموال ركن مفترض و تشكل مسألة أولية في الدعوى العمومية التي ترمي إلى المتابعة على جريمة تبييض الأموال إذ لا يمكن الفصل فيـها إلا بعد الفصل النهائي في الجريمة مصدر الأموال للتأكد من توافر الركـن المفترض لجريمة تبييض الأموال و هي الأموال ذات المصدر الإجرامي ، و مـا يعـاب على المشرع الجزائري في نصه العربي استعمال لفظ الممتلكات عند تحديد محل الجريمة و ذلك لما يمكن أن يثيره من لبس مع مفهوم حـق الملكية الوارد في القانـون المدني فيصعب بذلك تطبيق النص على الحقوق العينية و الشخصية الأخرى التي تكون لـها قيمة مالية محل جريمة التبييض ، و كان على المشرع استعمال لفظ الأموال المتداول في الفقه و التشريع المقارن لما له من شمولية و اتساع يخدم مكافحة الجريمة ، لذلك نجد المشرع الجزائري في المادة 389 مكرر 4 يخلط بين المصطلحين في الفقرتين 1 و4 عند تحديد عقوبة المصادرة غير أنه و بالرجوع إلى النص الفرنسي لنفس المادة نجده يستعمل لفظ Les Biens و الذي يؤدي معنى الأموال مما يدعو إلى الاعتقاد أن الاختلاف وقع خلال عملية الترجمة .
    2- الشروع أو إتمام عملية التبييض : ويقصد بها القيام بالسلوك المادي الذي بمقتضاه تكتسي العائدات الإجرامية المنوه عنـها أعلاه صفة أو مصـدر وهمي مشروع يبيح لحائزها التصرف فيها بكل حرية لاحقا . وقد يتخذ هذا السلوك عدة صور تتعقد مـع تعقد الأنظمة المصرفية والمحاسباتية التي تسـاعد في التمويه وخلق عمليات وهمـية لتبرير أرباح كبيرة في عالم الأعمال والمبادلات التجارية إضافة إلى كون آليات العمل المصرفي والتجاري محكومة بعدة اعتبارات لعل أهمها السرعة في الإنجاز والثقة عند التعامل و نشير إلى أن التعديل الجديد يعاقب على الفعل التام كما يعاقب على الشروع و المشاركة و المساعدة في العمل الأصلي أو حتى إسداء المشورة للفاعلين كما يعاقب على المساعدة اللاحقة للجريمة و ذلك خروجا عن القواعد المقررة في القسم العـام ، و هو نوع من التشدد للمشرع الجزائري في هذه الجريمة بالذات .
    ثانيا: صور الركن المادي للجريمة
    لقد حددت المادة 389 مكرر و ما يليها صور السلوك الإجرامي المكون للركن المادي للجريمة و هي لا تخرج عموما عن أربع حالات و عن كانت تتسم بالعمومـية و هي:
    1) حيازة الأموال المتحصلة من عائدات الإجرام أو اكتسابها أو استخدامها(1) :
    وهذه الحالة تنطبق بالأخص على البنوك والمؤسسات المالية أيـن توضع الودائع والمبالـغ المالية غير المشروعة وذلك متى علم المصرف عن طريق مسيره بمصدر الأمـوال غير المشروع وسواء كان الإيداع في شكل رصيد أي فتح حساب أو في شكل أمانة أي تأجير خزانة وبهذا الخصوص عمدت أنظمة الصرف في التشريع المقارن الذي جـرم عملية التبييض إلى وضع ميكانزمات تقنية لتجنب هـذا الافتراض وذلك عـن طريق إبراء ذمة البنك من خلال تبليغ السلطات المختصة عن كل رصيد بنكي يتجاوز مبلـغ معين حسب متوسط قدرة الادخار للمواطن العادي كما يبلغ البنك عن كل مبلغ مـالي يدخل كسيولة لأحد الأرصدة بدون أن يكون مبـررا بشكل كاف وهذا لافتراض أن يكون ذلك ضمن عمليات صرف وهميـة تهدف في النهاية إلى تبييض الأموال .
    و إذا كان الواقع يثبت نجاعة هذه الطريقة في وضع حاجز قوي لعمليات صرف وهمية تهدف إلى تبييض أموال عن طريق الإيداع في أرصدة مختلفة فإن مـا يمكـن إثارته من الناحية القانونية هو مدى شرعية هذه الطريقة ومطابقتها لمجمل الدساتير في التشريعات المقارنة بخصوص قرينة البراءة إذ تلزم صاحب الحساب دوما بتقديم دليل على مشروعية أمواله في حين يفترض أن يكون ذمـة الشخص خالية مـن أي عبئ و على من يدعي خلاف ذلك إقامة الدليل وفقا للطرق القانونية للإثبات (1).
    2/ تحويل الأموال : يتمثل التحويل في النقل المادي لعائدات إحدى الجرائم المنوه عنها سابقا و ذلك بقصد إخفاء مصدرها غـير المشروع و إضفاء صفة المشروعية عنـها و ذلك بإبعادها عن مكان ارتكاب الجريمة مصدر الأموال أو لمساعدة مرتكبي هـذه الجرائم من الإفلات مـن المتابعة و العقاب سواء أكـان شخص طبيعي أو معنـوي و تكتسي هذه الصورة أهمية بالغة في الجرائم المنظمة العابرة للحدود حيث يتم فيـها انتقال رؤوس الأموال ماديا من البلد محـل ارتكاب الجرائم مصـدر الأمـوال غـير المشروعة إلى بلد ثان تتم فيه عملية التبييض من خلال إدخال هـذه المبالغ في الدورة الاقتصادية للبلد الجديد سواء في مشاريع حقيقية أو صورية من أجل إضفاء الصبـغة الشرعية لهذه الأموال لذلك يجب أخذ هذه الصورة على محمل الجد عند التفكير فـي وضع سياسة دولية لمكافحة تدويل جرائم تبيض الأموال .
    و إذا كانت معظم التشريعات المقارنة تضع ضوابط للتحويل المـادي لرؤوس الأموال و انتقالها من و إلى الخارج و هي تتفق حول ضرورة المرور عبر المؤسسات المالية و البنكية لما توفره هذه الأخيرة من رقابة و إمكانية استفاء الحقوق المتعلقة بها و المستحقة للدولة و هو ما أعتمده المشرع الجزائري(1) مـن خلال الأمـر 96 /22 المعدل و المتمم بالأمر 03/01 المتعلق بقمـع مخالفات التشريع و التنظيم الخاصـين بالصرف و حركة الأموال من و إلى الخارج . و بذلك تزداد خطورة هذه الصورة في الدول التي لا تملك أجهزة مصرفية و بنكية حديثة و متطورة و تكون في نفس الوقت ملزمـة بمسايرة التطور الحاصل على المستوى الدولي و هـو مـا يعرض أمـوال المدخرين على مستوى البنوك الوطنية المحلية إلى التحويل و التهريب إلى بنوك خارج الوطن بطرق غير مشروعة ليتم إعادة استثمارها في الخارج بقصد التبييض(2) .
    3/ إخفاء أو تمويه مصدر الأموال العائدة من الجريمة : يعتبر التصريح الكاذب أحـد أهم أوجه إخفاء أو تمويه مصدر الأموال غير المشروعة غير أنـه مـن المستحسن استعمال مصطلح التمويه بدل التصريح الكاذب لإضفاء نوع من التوسع و الشموليـة للإحاطة بكل المناورات الإحتيالية التي تعتمد على الوسائل المتطـورة و تستفيد مـن التقنيات البالغة التعقيد التي تساعد بشكل أو بآخر في عملية تبييض الأموال و من أبرز أوجه هذه الصورة المشاريع الوهمية و الصفقات الخيالية التي يقوم بها الأشخاص من أجل تبرير مبالغ الفوائد و الأرباح الوهمية التي تكون أصلا جزء من رأس مال غيـر مشروع بل و تتعدى الأمر أحيانا إلى إنشاء أشخاص معنوية وهمية مـن حيث النشاط خاصة في مجال المبادلات التجارية الدولية ، أما الإخفاء فغالبا ما يكون عبر شـراء أسهم و سندات غير اسمية وفقا للتقنيات المصرفيـة الحديثة و هـذا ما يجعـل مـن الصعوبة مما كان أن نميز بين رأس المال المشروع و غـير المشروع لذلك أطلـق بعض الفقه على هذه العمليات اسم مرحلة التعتيم في عملية تبييض الأمـوال حيث لا يمكن بعدها التمييز بين ما هو مال مشروع و ما ليس كذلك .
    4/ المساهمة فـي الجريمة أو تقديم المشورة أو التحريض عنـها:يمكن تقسيم هـذه الصورة إلى حالتين :
    أ/ المساعدة في أنشطة تبييض الأموال : تعتبر هذه الجريمة قصدية تتطلب توافر العلم بالمصدر غير المشروع للأموال كما تتطلب اتجاه الإرادة إلى تحقيق النتيجة المتوخاة من الجريمة وهي إضفاء الصفة المشروعة على المال غير المشروع .
    ونظرا لطبيعة هذه الجريمة وخصوصيتها التي يتطلب أحيانا تدخل خبراء في المحاسبة المالية والتقنيات المصرفية وأعمال الاستثمار فقد يتعقد الركن المادي للجريمة ويتعـدد الفاعلين فيـها لذلك يعتبر تجريم المساعد عامـلا أساسيا لقمع هـذه الجريمة ويستوي الأمر إن كانت المساعدة فـي أنشطة تبييض الأمـوال ذاتها أو كانت فـي مساعـدة الفاعلين الأصليين في الإفلات مـن الآثار القانونية المحتملة ، كمـا يتابع مـن يكتفي بإعطاء النصائح و إسداء المشورة للفاعلين ، و ذلك لمـا تتطلبه هـذه الجريمة مـن مهارات و خبرات فنية عالية ، خصوصا في عالم المال و الأعمال ، و ينطبـق هـذا الحكم على المحرض أي كانت الوسيلة التي استعملها و هذا خروجا عن القاعدة العامة الواردة بالمادة 41 من قانون العقوبات ، و هـذا لمـا هذه الجريمة مـن خصوصيـة و ضرورة التشدد في العقاب .
    ب-المؤامرة و التواطؤ : يتخذ الركن المادي في هذه الحالة صورة سلوك مادي سلبي غالبا ما يتمثل في عـدم إبلاغ السلطات المعنية عـن ارتكاب الجريمة وتعتبر هـذه الصورة نوعا من مسايرة تطور أشكال الجريمة والأشخاص الفاعلين فيها فغالبا تتحقق في المؤسسات المصرفية التي تكشف بحكم طبيعة عملها عن عمليات التحويل والإخفاء أو التمويه التي تهدف إلى تبييض الأموال وعن الأشخاص المتورطين فيها كـما قـد تتحقق هذه الصورة في المؤسسات والشركات وبصفة عامة في الأشخاص المعنويـة التي قد ترتكب فيها هذه الجريمة ويكون الموظف أو العامـل ملزم بالتبليغ عـن مـا اكتشفه من معاملات غير شرعية باسم الشخص المعنوي ، ويساوى في هذه الصورة بين عدم الإبلاغ عن الجريمة والإهمال في كشفها لسد الباب أمـام حجة حسن النيـة وعدم العلم وذلك لدفع الأشخاص المعنوية والطبيعية لبذل أقصى جهد وتوخي الحيطة والحذر اللازمين للتصدي لهذه الجريمة .
    ثالثا : الركن المادي للجريمة حسب اتفاقية فيينا لسنة 1988
    من خلال تفحص ظاهر نص الاتفاقية يتبين أن الركن المادي لجريمة تبييض الأموال الناتجة عن الاتجار في المخدرات يمكن أن يكون في صورتين و ذلك علـى النحو التالي :
    الصورة الأولى : تعتيم الأموال غير المشروعة : و تنقسم هذه الصورة بدورها إلى وجهين رئيسيين هما :

    1. إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال و ذلك بالتصريح الكاذب لمكانـها أو مصـدرها أو التصرف فيها أو التهرب من الحقوق المتعلقة بها مثل الضرائب و الرسوم الجبائية و الجمركية(1) و يتساوى الأمر في كل هذه الحالات بين الفعل التـام أو الشروع كمـا يتساوى الفاعل الرئيسي و الشريك أو مساعدة المتورطين على الإفلات مـن العقـاب و يتطلب الإخفاء العلم بمصدر الأموال المجرم طبقا للحالات الواردة في نفس المادة من الاتفاقية

    2/ تحويل الأموال أو نقلها مع العلم بأنها مستمدة من أحد الأعمال الواردة بالمادة الثانية للاتفاقية . و يستوي في هذه الحالة أيضا الفاعل الرئيسي مع الشريك كما يساوى بيـن الفعل التام و الشروع طالما كان الهدف في كل الحالات هو إسقاط صفة اللاشرعية عن الأموال الاتجار بالمخدرات أو مساعدة المتورطين في هذه الأفعـال من الإفلات مـن المتابعات القانونية و العقاب .
    الصور الثانية : استغلال الأموال غير المشروعة : غالبا ما تكون هذه الصورة تكملة للصورة الأولى إذ توظف الأموال الناتجة عن الاتجار بالمخدرات في مشاريـع مختلفة و يستشف هذا من فكرة اكتساب الأموال الواردة في نص الاتفاقية و ذلك عن طريـق الحيازة و الاستثمار بحـيث يصعب لاحقا التمييز بين ما هو مـن مصدر الاتجـار بالمخدرات و المؤثرات العقلية و بين ما هو مصدر اقتصادي مشروع .
    و ما يلاحظ حول نص الاتفاقية أنها تحاول الإلمام بكـل جوانب الظاهـرة و وضع حد لها عن طريق قمع كل من يمد يد العون و المساعدة في تنفيذ ركنها المادي مما يجعل هذا الأخير يتسم بالتوسع و هذا الأمر طبيعي للتصدي للظاهرة و ما يرتبط بها من تعقيدات تقنية و مناورات احتيالية ، و الجدير بالذكر أن هذه الاتفاقية تجرم كل ما يدور حول التعامل بالمخدرات و المؤثرات العقلية أو التعامل في الأموال الناتجـة عن الاتجار فيها أو صناعتها أو إنتاجها أو حيازتها و ذلك بشرط واحـد وهـو العلم بمصدر هذه الأموال و ذلك يمكن القول قيام هذه الجريمة تقتضي الإدراك و القصـد الجنائي و هو ما سنحاول التطرق إليـه في المطلب الثالث المتضمن الركن المعنـوي للجريمة .
    رابعا : إثبات الركن المادي للجريمة
    قبل التطرق لإثبات الركن المادي لجريمة تبييض الأموال نتطرق و لـو بشكل موجز لأهم المبادئ التي تحكم الإثبات في المسائل الجزائية لتسهيل عملية الإسقاط على هذه الجريمة كحالة خاصة .
    أقر المشرع الجزائري في المادة 212 مبدأ حرية الإثبات(1) كقاعدة عامة ما لـم يـرد على ذلك حكم خاص بنص صريح كمـا أقرت نفس المادة مبـدأ الاقتناع الشخصي للقاضي و يرد على ذلك قيد مناقشة الدليل بالجلسة إمـا عن عبئ الإثبات فهـو مبدئيا على عاتق النيابة بصفتها سلطة اتهام و يبقى فيه المتهم ذو دور سلبي و هذا مستمد من الأصل العام و هو قرينة البراءة التي يتمتع بها كل شخص و المقرر في أغلب دساتير العالم و نعتبر قرينة البراءة نتيجة طبيعية للأصل العام و هـو الإبـاحة في الأشياء و بذلك يعفي أي شخص من إقامة الدليل على براءته .
    و السؤال المطروح حاليا ما مدى انطباق هذه القواعد على جريمة تبييض الأموال ؟
    جريمة تبيض الأموال بطبيعتها تتطلب التعقيد و المناورات الإحتيالية المركبة و التي يمكن من خلالها تمويه الغير و خاصة السلطات و إظهار أمـوال ذات مصـدر إجرامي على أنها أموال مشروعة و من مشاريع اقتصادية مشروعة .و هو ما يجعل أمر إثباتها عبئا مرهقا على عاتق سلطة الاتهام في حالة إعمال القواعد العامة للإثبات السالف بيانها ذلك أن المعاملات الوهمية التـي تعتمد في عملية التبييض، إضـافة إلى كون مثل هذه الجرائم ترتكب مـن طرف أشخاص طبيعية و معنـوية متخصصين في عالم الأعمال و المحاسبات المالية و خاصة في المعاملات التجارية الدولية ممـا يجعل النيابة شبه مشلولة في بعض الأحيان مهما تكن تحت يدها من الوسائل و إمكانيات لذلك تقتضي المصلحة العامة تدعيم المبادئ العامة في الإثبات الجزائي ببعض الإستثناءات طبقا لما هو مقرر في المادة 212 "... ما عدى الأحوال التي ينص فيها القانون علـى غير ذلك ..." و هذا في كل الأحوال ليس مساسا بحقوق الدفاع أو حرية الأفراد لكـن تماشيا مع طبيعة الركن المادي لهذه الجريمة ، و الحقيقة أن المشرع أمام خيارين :
    - إما أن يدقق في تحديد الركن المادي للجريمة و يضع استثناءات على قاعدة قرينة البراءة لتخفيف العبء على النيابة العامة في الإثبات .
    - أو أن يضع تعريفا عاما و فضفاضا للركن المادي للجريمة بحيث يسهل معه إثبات قيامه حتى بدون ترتيب استثناء على مبادئ و قواعد الإثبات المعروفة .
    و إذا كان لكل حل إيجابياته و عيوبه فإن بعض التشريعات المقارنـة سارعت للحل الأول باعتباره يتماشى و المبادئ الدستورية لحقوق الأشخاص و التي من أهمها مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات الذي يقتضي تحديد فعلا تحديدا دقيقا ثم تجريمـه و العقاب عليه كما ينطبق هذا الحل و قرينة البراءة المقررة في ذمة الأشخاص ، غير أن هذا الحل يتطلب وضع استثناءات معينة لتخفيف عبء الإثبات المفروض على عاتق السلطة الاتهام و لعل أهمه ما اتجهت إليه التشريعات التي طبقت هذا الحل الذي مفاده وضع قرينة قانونية بسيطة على عدم مشروعية الأموال المودعة نقدا في الأرصـدة البنكية إذا زادت عـن حـد معينا و على صاحب الحساب إثبات مشروعية أمـواله ، و على هذا يكون البنك ملزم بالتبليغ عن كل عملية إيداع لحساب زبائنه إلى تجاوز المبلغ المودع حدا معينا حسب التنظيم و يخول للسلطات التحري عـن مصدر هـذه الأموال و على صاحب الحساب تقديم شروحات حول مصدر الأموال العائدة لحسابـه هذا الوضع الذي يحتم على الشخص تبرير مداخيله في أي وقت طلب منه ذلك قد يعد خرقا لقاعدة البراءة طالما لا توجد دعوى ضده .
    و إذا كانت مثل هذه الحلول صالحة في المجتمعات المتطورة و الدول التي لها أنظمة جبائية قوية بحيث يمكن تتبع مداخيل الأشخاص كما يكون لهؤلاء دوما مداخيل معلومة و منتظمة فإنه في الدول الفتية كما هو الحال في الجزائر و إذا كانت مصالح الجباية تؤكد أن جزءا كبيرا من المبادلات التجارية يكون خـارج التصريح الجبائي كمـا أن ظاهرة الاتكال بين أفراد الأسـرة الواحدة و المعاملات العرفية المبنية على أسلـوب الأسواق الشعبية حيث ينعدم أدنى دليل على المعاملة التي تدور بين طرفين يجعل من هذا الحل الذي يلزم الأفراد بتبرير مداخيلهم أمرا شاقا أيضـا كمـا يوسع في مدلـول الركن المادي لجريمة تبييض الأموال ، ولذلك يقتضي مـن جانب آخر توخي العقلانية في وضع القرائن و الإستثناءات على القواعد العامة للإثبات تحت شعار تخفيف العبء على سلطة الاتهام لإقامة الدليل على بعض المجـرمين الذين يستطيعون الإفلات مـن المتابعات القضائية اعتمادا على وسائل جـد متطورة تمنع من إقامة دليل دامغ علـى إدانتهم .

    المطلب الثالث : الركن المعنوي لجريمة تبييض الأموال .
    كما هو معلوم لا يكفي لقيام جريمة ما ارتكاب عمل مادي ينص و يعاقب عليـه قانون جزائي بل لابد أن يصدر هذا العمل المادي عن إرادة الجاني ، هذه العلاقة تشكل ما يسمى بالركن المعنوي .
    و للركن المعنوي أهمية كبيرة بالنسبة لجريمة تبييض الأموال ، و تتمثل فـي اشتراط العلم المصدر غيـر المشروع للعائدات و المتحصلات التي يتم تحويلـها أو إخفاءها أو تمويلها أو حيازتها .
    و بهذا المنظور فإن جريمة تبييض الأموال هي جريمة عمدية تقوم على إرادة السلوك و العلم بكافة العناصر المكونة له ، و لا يتوفر بنيانها القانـوني دون انصراف إرادة الشخص إلى ارتكابها(1) ، و هذا وفقا لما هو مقرر في القواعد العامة بالنسبة للركـن المعنوي .
    و بالرغم من أن جريمة تبييض الأموال من الجرائم المستمرة التي يترتب عليها تحقق الركن المعنوي و قيام الجريمة قانونا متى علم الشخص المصدر غير المشروع للأموال حتى و لو كان حسن النية لحظة اكتسابها أو استخدامها ، إلا أن اتفاقية فيينـا لسنة 1988 أخذت بغير ذلك ، حيث تعتبرها ذات طبيعة وقتية ، فالمادة (03) منـها فقرة (ج)1 تتطلب توافر العلم فقط وقت التسليم .
    بناءا على ما تقدم نقسم هذا المطلب إلى النقاط التالية :
    أولا: تحديد الركن المعنوي وفقا لاتفاقية فيينا (1988) و التشريع الفرنسي.
    ثانيا : وفقا للتشريع الجزائري .
    ثالثا : إشكالية المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي .
    أولا : تحديد الركن المعنوي وفقا لاتفاقية فيينا (1988) و التشريع الفرنسي
    1/ الركن المعنوي وفقا لاتفاقية فيينا لسنة 1988 : بالرجوع إلى اتفاقية فينا نجد أنها قد أشارت إلى الركن المعنوي لجريمة تبييض الأموال في مواضع عدة فنجدها فـي المادة الثالثة وبالأخص في البند الأول منها تنص على تجريم عدة أفعال من ضمنها تبييض الأموال واستخدام عائدات الجرائم - في حالة ارتكابها عمدا – وهو ما يعني استبعاد تصور وقوع الجريمة بطريق الخطأ أو الإهمال .
    كما تبرز الاتفاقية عنصر العلم كمضمون لهذا الركن في الصور الثلاثة التي يتجسد فيها الركن المادي للجريمة .
    * إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال مع العلم بأنها مستمدة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الاتفاقية .
    * تحويل أو نقل الأموال مع العلم أنها مستمدة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الاتفاقية وبهدف إخفاء أو تمويه مصدرها غير المشروع أو قصد مساعـدة أي شخص متورط على الإفلات من العواقب القانونية.
    * اكتساب أو استخدام الأموال مع العلم وقت تسلمها بأنها مستمدة من إحدى الجرائـم المنصوص عليها في الاتفاقية .
    أما من حيث طرق الاستدلال على الركـن المعنوي تقـرر الاتفاقية في المـادة الثالثة منها ، أنه يجوز الاستدلال من الظروف الواقعية الموضوعية على العلم أو النية أو القصد المطلوب ليكون ركنا للجريمة المنصوص عليها في الاتفاقية(1) .
    2/ الركن المعنوي وفقا للتشريع الفرنسي : لـم يتعرض المشرع الفرنسي فـي نص المادة 324/1 من قانون العقوبات الفرنسي المضافة بقانـون 13 ماي 1996 لطبيعـة الركن المعنوي على عكس ما كان عليـه في النص القديم للمادة 222/38 مـن نفس القانون الذي كان يستوجب أن تقع جريمة تبييض الأموال المتحصلة مـن جريمـة المخدرات عمدا ، ويمكن فهم إغفال المشرع الفرنسي لوجـوب وقوع جريمـة تبييض الأموال عمدا من خلال ما استحدثه في نص المادة 121/3 من نفس القانون التي تنص على أنه لا جناية ولا جنحة دون أن تتوفر نية ارتكابها ، وبالتالي فقد عمم المشرع من اشتراط ركن العمد في الجرائم ما لم يقرر نص خاص على العقاب على الخطـأ فـي صوره المختلفة .
    وبالتالي فلم تعد هناك ضرورة لاقتضاء توافـر العمـد أو النية الإجرامية لدى فاعـل الجريمة ، ومع ذلك فقد أوجب المشرع الفرنسي علم الفاعل صراحـة بطبيعة المصدر غير المشروع للأموال ، أو بالظروف المحيطة به ، فإذا كانت الجريمة الأولية التي تم تحصيل الأموال غير النظيفة منها يعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية تزيد في مقدارهـا عن العقوبة المقدرة لجريمة تبييض الأموال في صورتها البسيطة ( المـادة 324/1 قانون العقوبات الفرنسي ) أو المشـددة ( المـادة 324/2 قانـون العقوبات الفرنسي ) فلا تسري هذه العقوبة إلا إذا توافر علم الفاعل بهذه الجريمة ، بالإضافة إلى ذلك إذا اقترنت الجريمة الأولية التي تحصلت منها الأموال غير النظيفة بظروف مشددة ، فلا تسري العقوبات المقررة لهذه الظروف إلا إذا كان الفاعل عالما بها .
    وكخلاصة لما سبق ، فإن جهـل الفاعل في جريمة تبييض الأمـوال بطبيعـة مصدرها غير المشروع ( متى تمثل في جريمة ذات عقوبـة أشد مـن عقوبة تبييض الأموال ) يحول دون تطبيق العقوبة المقررة لهذه الجريمة ولا تطبق إلا عقوبة جريمة تبييض الأموال في صورتها ، البسيطة والمشددة ،أما إذا كان الفاعل يعلم بطبيعة هذا المصدر جاز تطبيق العقوبة المقررة لهذه الجريمة الأولية التي تحصلت عنها الأموال غير النظيفة ، وهذا ما يعني إمكان خضوعه لعقوبة أشد من تلك المقـررة لجريمـة تبييض الأموال .
    ثانيا: الركن المعنوي وفقا للتشريع الجزائري

    بالرجوع إلى المواد 389 مكرر 7 من قانون العقوبات نجد أن المشـرع الجزائري قد سلك(1) نفس النهج الذي سلكته اتفاقية فينا ، والقانون الفرنسي المشار إليه وهـو المعاقبة على نشاط تبييض الأمـوال أو الاشتـراك فيه بوصفه جريمة عمـدية ومنه لا يمكن تصور قيام هذه الجريمة قانونا إلا بإرادة النشاط المكون لركنها المـادي من ناحية والعلم بالعناصر الواقعية التي تضفي على الجريمـة خصوصيتها القانونية ومن جهة أخرى يتبلور ذلك في ضرورة العلم بالمصدر الإجرامي للأموال محل الجريمة.
    1- إرادة النشاط المكون للركن المعنوي
    أ/ الإرادة كجوهر للقصد الجنائي :إن الإرادة هي تحقيق سلوك معين فإذا كـان هـذا السلوك إجرامي كان القصد جنائيا وعليه فلا يتصور قيـام جريمة متى انتقى ركنـها المعنوي ، فهذا الأخير يتطلب توافر الإرادة لدى الجاني لارتكاب الفعل المعاقب عليـه وتحقيق النتيجة (2).
    ويمكن القول أن توافر جريمة تبييض الأموال قانونا يتطلب إرادة إحدى صـور النشاط المكون لركنها المادي ، وانصراف نية الفاعـل إلى تحقيق النتيجة المحظـورة قانونا ، وهناك صعوبات جمـة تواجهنا لاستخلاص النية الإجرامـية والتحقق مـن توافرها ويتجلى ذلك في حالة قبول إيداع أو تحويل الأموال غير النظيفة لا سيمـا وأن هذه العمليات المصرفية أصبحت تتم وفقا لآليات وأساليب متطورة .
    ب/ انتفاء إرادة النشاط المكون لتبييض الأموال : كل ما يعدم أو يعيب إرادة النشـاط يمكن أن يهدم الركن المعنوي وبالتالي انتفاء المسؤولية الجنائية للفاعل . غيـر أنه لا يمكن الاحتجاج بالإكراه الأدبي أو تنفيذ أوامر الرؤساء لنفي إرادة النشاط إلا إذا انتفى حسن النية مـن قبل بإيداع أو تحويل الأمـوال غـير النظيفة أو بتوافـر العلم بعدم مشروعية ما يقوم به .
    2- العلم بالمصدر الإجرامي للأموال
    لا يثور الشك في أن جريمة تبييض الأموال تعـد صنف متميز من الجرائـم عموما ومن الجرائم الاقتصادية على وجـه الخصوص ، وعنصر العلم يتطلب العلم بالقانون من ناحية والعلم بالواقع من ناحية أخرى(1) .
    أ-مدى وجوب توافر العلم بالعناصر القانونيـة : القاعدة العامـة أنـه يفترض علـم الأشخاص بالصفة الإجرامية للسلوك ، ولقد أقر المشرع الفرنسي في المادة 03 مـن قانون 12 جويلية 1990 خضوع سائر الأشخاص الآخرين ممن لم يرد ذكرهـم في المادة الأولى بضرورة إخطار عن كل العمليات التي يتوافر لديهم العلم بكونها تنصب على أموال ناتجة عن النشاط الاتجار في المخدرات أو نشاط منظمات إجرامية .
    الأصل أن المخاطبون بأحكام القانون هو افتراض علمهم به ، لكن هذا الأصل لا يحول دون إمكانية الاعتداد بما يقعون فيه من جهل وغلط مبررين .


    ب- وجوب العلم بالواقع :
    العلم بالواقع عنصر ضروري لا بد من توافره لقيام الركن المعنوي للجريمة إذ يعتبـر العنصر المميز لركن القصد إذا انصرف هذا العلم إلى سائر عناصر هذه الواقعة كمـا يحددها النص الجنائي صراحة أو ضمنيا وبالتالي ينتفي القصد إذا وقـع الشخص فـي جهل أو غلط في إحدى العناصر الواقعية للجريمة(1) .
    ويمكن القول في جريمة تبييض الأموال بضرورة توافر العلم بسائر العناصـر الواقعية الجوهرية التي تشكل نموذج الجريمة ويثير عنصر العلم بالوقائع في الركـن المعنوي لجريمة تبييض الأموال ثلاثة مسائل على النحو التالي :
    1- صعوبة تحديد نطاق العلم بالمصدر الإجرامي للأموال:
    يتحقق القصد إذا كان الفاعل يعلم بأن الأموال التي قـام بإخفاء مصدرها غيـر المشروع أو شارك في ذلك ، ولا يقوم القصد متى كان الفاعل جاهلا بمصدرها غيـر المشروع ، وبالتالي فإن جريمة تبييض الأموال هـي جريمـة تبعية يقتضي اكتمـال نموذجها القانوني علم فاعلها بكون الأموال متحصلة من نشاط إجرامي وفي هذا الصدد يثار إشكال فهل العلم بعدم مشروعية مصدر الأمـوال كاف ؟ أم أنـه زيادة على ذلك يجب العلم بطبيعة الجناية أو الجنحة أو المخالفة وزمان ومكان ارتكابها وكذا الظروف المحيطة بها ؟ .
    وللتساؤل أهمية خاصة لسببين أولهما يتعلق بتوافر أو تخلف البنيان القانوني للجريمـة
    حيث انه لو كان العلم المتطلب هو العلم بمصدر الأموال بذاتها لأمكن الدفـع بانتفـاء
    الركن المعنوي بمجرد أن الفاعل اعتقد بكون الأموال المتحصلة مـن جريمة أخـرى
    كأن يعتقد الفاعل أن الأموال حصلت من جريمة المخدرات وفي حقيقة الأمر هي كانت نتيجة عملية تهريب أو حصيلة بيع أشياء مسروقة .
    والسبب الثاني متعلق بالعقوبـة الواجبة التطبيق ، ويلاحظ أن المشـرع الفرنسي في قانون غسيل الأموال لسنة 1996 قد اشترط ضرورة علم الفاعـل بحقيقة الجريمـة مصدر الأموال غير النظيفة وما قد يقترن بها من ظروف مشددة ، إذا كانت العقوبة المنصوص عليها لهذه الجريمة ولظروفها المشددة تزيد عن عقوبة تبييض الأموال في صورتها العادية .
    وباستقراء نصوص القانون الفرنسي الجديد يجب التمييز بيـن فرضيتين أولهما أن تكون الأموال المتحصلة ناتجة عن جنحة لا تزيد عقوبتها عـن العقوبة المقـررة لجريمة تبييض الأموال في صورتيها ، وهنا يكفي علم الشخص بكون الأموال غيـر النظيفة المتحصلة عن جناية أو جنحة ، حتى يقوم الركن المعنوي ، بقطع النظر عما إذا كانت الجريمة ذات طبيعة خاصة .
    والفرض الثاني يقوم على أساس أن مصدر الأموال غير النظيفة في جنحة أو جناية تزيد عقوبتها عن تلك المقررة لجريمة تبييض الأموال في حد ذاتها وبصورتيها(1)
    في هذه الحالة فإن تطبيق العقوبة يرجع إلى انصراف علـم الشخص بطبيعة هـذه الجريمة ، ما قد يكون قد اقترن بها من ظروف مشددة(2) .
    ويترتب على ما سبق ذكره أن انتفاء العلم بطبيعة هـذه الجريمة أو بظروفـها المشددة يحول دون توقيع عقوبتها ويستحق الفاعل بذلك عقوبة جريمة تبييض الأموال الأصلية في صورتها البسيطة أو المشددة بحسب الأحوال .
    أما بالنسبة للمشرع الجزائري فإنه يكتفي بالعلم بالمصدر الإجرامي للأمـوال دون التفصيل في هذا المصدر سواءا أكان جناية أو جنحة أو حتى مخالفة و يضيف النص الفرنسي De biens dont l’auteur sait qu’ils sont le produit d’un crime
    و ذلك ما يمكن التأكيد به أن المشرع الجزائري يشترط علم الفاعل بأن الأموال ناتجة عن جريمة .
    2- إثبات العلم بمصدر الأموال الإجرامي : بما أن جريمة تبييض الأموال من الجرائم العمدية فإن عنصر العلم ينطوي على ضرورة العلم بمصدر هذه الأموال الإجرامـي ، وعليه يقع عبء إثبات توافر الركن المعنوي عموما على النيابة العامة ، أو المدعـي بالحق المدني وهذا ما ستقر عليه القضاء ، ويخضع ركن العمد للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع ، على ضوء عناصر الإثبات المطروحة للمناقشة في الجلسة ، وبالرغم من ذلك يجوز استخلاص عنصر العمد من قرينة مفادها عدم استطاعة المتهم تحديد مصدر الأموال وكذا من الكذب الذي يحيط بأقواله .
    بيد أن حكـم الإدانة يجب أن يتضمـن في طياته حيثية تبين علم المتهم بالجريمة الأم مصدر الأموال المتحصلة المراد تبييضها(1) .
    وفي هذا الصدد تضمنت اتفاقيـة فينا لسنة 1988 لمكافحة الاتجار غـير المشـروع للمخدرات والمؤثرات العقلية الإشارة إلى كيفية استخلاص الركـن المعنوي لجريمـة غسيل الأموال في المادة الثالثة فقرة 03 بقولها:
    " يجوز الاستدلال من الظروف الواقعية الموضوعية على العلم أو النيـة أو القصـد المطلوب ليكون ركنا لجريمة من الجرائم المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة "
    ومن جهة أخرى هناك التزام على عاتق سائـر المؤسسات المالية والمصرفية وغيرها مـن الأشخاص الطبيعية والمعنوية ، بالشفافية والمساهمة في كشف حركـة رؤوس الأموال والصرف ، والإخطار عن العمليات التي يحوم الشك حول مصدرها بأنه غير مشروع ، والخروج عن هذه القواعد المنظمة للنشاط المالي والمصـرفي، وعدم اتخاذ ما يفرضه القانون في هذا الشأن مـن قيود والتزامات يمـكن أن يعزز استخلاص عنصر العمد واثبات توافر النية الإجرامية في الجريمة ولكن ذلك لا يعني أن عدم اتخاذ هذه الاحتياطات يمثل قرينة على توافر العمد ، بل تبقى هذه الضوابط والالتزامات مجرد عوامل تفيد لا أكثر في استخلاص العمد .
    3- وقت تقدير توافر العلم بالمصدر الإجرامي:لتحديد ذلك يجب أن نتساءل هل يتم ذلك لحظة بدء سلوك إخفاء هذه الأموال أو قبول إيداعها أو تحويلها أم يكفي أن يقدر ذلك في أية لحظة تالية على بدء هذا النشاط ؟
    إن هذا التساؤل يجرنا للتساؤل حول الطبيعة القانونية لجريمة تبييض الأموال ، هل
    هي جريمة وقتية أم مستمرة ؟
    فإذا سلمنا أنها جريمة وقتية ، فذلك يتطلب تعاصر الركنين المادي والمـعنوي معـا
    والعبرة في تقدير قيام أو انتفاء العلم بمصدر الأموال غـير النظيفة لحظة بدء النشاط
    أيا كانت صورته ، وبالتالي تنفي الجريمة إذا توافر حسـن النية لحظة قبول الإيـداع
    على سبيل المثال ، ولو توافر العلم بالمصدر غير المشروع فيما بعد .
    أما إذا قلنا أنها جريمة مستمرة ، فإنه يمكن استخلاص الركن المعنوي من حدوث العلم بمصدر الأموال غير النظيفة في أية لحظة تالية على قبول الإيداع أو التحويـل أو بدء الحيازة بصفة عامة .
    بيد أن مسألة حسم وقت تقدير الركن المعنوي من عدمه ، إنما يرتبط بنموذج التجريم ، مثلما يستخلص من نص القانون من ناحية ، لكنه يعكس أيضا طبيعة النشاط المكـون للجريمة من ناحية أخرى .
    وعليه فإنه يتعين الرجوع إلى نموذج التجريم لاستخلاص طبيعة الجريمة ومعرفة مـا
    إذا كان يشترط تعاصر الركنين المادي والمعنوي معا أم لا .
    وفي الأخير نخلص إلى انه لا بد من توافر الركنين المادي والمعنوي في هذه الصورة الجرمية ، وبالتالي تكون العبرة في توافر عنصر العلم أو انتفائه هي لحظة بدء النشاط إذ بتوافره في هـذا الوقت بالذات تكتمل بنية الجريمة ، وبتخلفه تنتفي الجريمة ، حتى ولو وقع هذا العلم فيما بعد غير أن هذا لا يمنع من المتابعة و العقاب إذا لم تبادر مـن علم بالمصدر الغير مشروع للأموال بعد بدأ النشاط بالتبليغ عن الجريمة لدى السلطات المختصة و هو الموقف الذي تبناه تعديل قانون العقوبات الجزائري السالف الذكر .
    ثالثا : إشكالية المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي :
    تعتبر جريمة تبييض الأموال من أهم الجرائم المتفشية في الوسط الاقتصـادي و عالم الأعمال حيث يتم تداول رؤوس الأموال الضخمة عبر وسطاء و عملاء غالبا ما تكون المؤسسات البنكية عنصـرا فعالا فيـها إضافة إلى الشركات و المؤسسات الاقتصادية و قلما نجد شخص طبيعي يتعامل باسمه و لحسابـه في هـذا المجال ، فالأصل فيه أن يكون ممثلا قانونيا لشخص معنوي حقيقي أو شخصا وهميا لا يوجد سوى على الورق لتسهيل عمليات تبييض الأموال.
    كل ما تقدم ذكره يجعل الأنظار تتجه إلى مدى إمكانية إسناد الفعل المجرم إلى الشخص المعنوي و هو ما يعبر عنه بإشكالية المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي.
    إذا كان القانون المدني قد أقـر منذ ظهور الثورة الصناعية باستقلالية الشخص المعنوي و ما يترتب عن ذلك من آثار كالذمة المالية و حق اللجوء في القضاء ، فـإن القانون الجنائي بقى محتشما في هذا المجال إلى أن فرض الفعل و الواقع عليه ضرورة التدخل و وضـع نصوص تكرس مسؤولية الشخص الاعتباري فـي الشق الجزائي ، و بهذا أخذت بعض التشريعات الأجنبية(1) صراحة بوضع نصوص تعترف بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي و السؤال الحالي ما هو الوضع في ظل التشريع الجزائري؟
    قبل أن نحاول الإجابة على هذا التساؤل نذكر أن الفقه انقسم بين مؤيد المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي و معارض لها ، و يرتكز الفريق المعـارض على أنـه لا يمكن إسناد أي خطأ إلى الشخص المعنوي الذي يديره شخص طبيعي آخر و يعبر عن إرادته فلا توجد إرادة خاصة و لا إدراك مستقل للشخص المعنوي و هو ما يجعل معه إقامة المسؤولية الجزائية أمر مستحيل ، كما أن طبيعة العقوبات خاصة السالبة للحرية منها و التي تعد من أهم العقوبات الأصلية باختلاف الوصف الجزائي للواقـع مستحيلة التطبيق في حق الشخص المعنوي .
    أما الفريق المؤيد فيرى بضرورة مسايرة التطورات الحاصلة في المجتمع على غرار ما فعل القانون المدني بجميع فروعه و الذي يعترف بوجود شخص معنوي مستقل عن شخصية الأشخاص الطبيعية الذين يسيرونه و يعبرون عن إرادته .
    و طالما كان الشخص المعنوي قادر عن العمل و الإنتاج فهـو قادر على الخطـأ و بالتالي ضرورة استحداث نصوص جزائية للمتابعة و تحميل المسؤولية الجزائية خاصة و أنه توجد مــن العقوبات مـا يمكن تطبيقها على الشخص المعنـوي كالغرامـات
    و المصادر و الحل (2).
    أما على مستوى التشريع الجزائري فقـد كان المشرع لا يـأخذ بالمسؤوليـة الجزائية للشخص المعنوي و ذلك كأصل عام رغـم اللبس الذي كان يثـور في تفسير المادة 9/5 من قانون العقوبات التي نصت على حل الشخص الاعتباري كعقوبة تكميلية غير أن هذا ليس كافيا للقول أن المشرع الجزائري كان يعترف بهذه المسؤولية و ذلك لسببين أولهما أن هذا البند جاء ضمن العقوبات التكميلية التي لا يمكن الحكم بها إلا إذا نص صراحة على ذلك في النص العقابي للجريمة المدان بهـا ، و بالرجوع لنصوص القانون الجزائي الخاص لا نجـد أي نص يتضمن حـل الشخص الاعتباري كعقوبـة تكميلية مما يعني أن المادة 09/5 أصبحت بلا موضوع ، و الثاني أن المادة 17 مـن نفس القانون و التي تحدد شروط تطبيق المادة 09/5 أصبحت تتكلم عن منع الشخص الاعتباري من الاستمرار في ممارسة نشاطه كمـا أنها لم تحـدد شروط تطبيق هـذه العقوبة و الخلاصة أنـه للقول أن المشـرع الجزائري يعترف بالمسؤولية الجزائيـة للشخص المعنوي يجب النص على ذلك صراحة في القسم العام للقانون الجزائي و في غياب ذلك كان يمكن القول بوضوح أن قانون العقوبات الجزائري لا يعرف المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي .
    و على عكس ما تقدم فقد كانت بعض النصوص الخاصة في الأخـذ صراحـة بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي نذكر منها قانون الضرائب المباشرة و الرسـوم المماثلة(1) في المادة 303 و الأمر 96/22 المعدل بالأمر 03/01 المتعلق بقمع مخالفة التشريع و التنظيم الخاصين بالصرف و حركة الأموال من و إلى الخارج في المـادة الخامسة ، إلا أن هـذه الحالات بقية لا تتماشى و القواعد العامـة المقررة في قانـون العقوبات و ذلك إلى غاية صدور القانون 04/15 المعدل و المتمم لقانـون العقوبات و الذي نص صراحة على قيام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي عند ارتكابه لإحدى الجرائم ، و هذا باستحداث المادة 18 مكرر في القانون السابق و التي حددت العقوبات المطبقة على الشخص المعنوي إضافة إلى المادة 51 مكرر التي أقرت مبدأ المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي و لـم تستثن في ذلك سوى الدولـة و الجماعـات المحلية و الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام ، كمـا صدر بنفس التاريـخ القانـون
    رقم 04/14 المعدل و المتمم لقانون الإجراءات الجزائية لينظم أحكام و شروط إقامـة الدعوة العمومية ضـد الشخص المعنـوي خاصة فـي مجالي الاختصاص و تمثيل الشخص المعنوي أمام القضاء الجزائري .
    أما في مجال تبييض الأمـوال فـإن المشرع الجزائري و ضمن نفس التعديـل لقانون العقوبات الذي جرم فيه فعل تبييض الأموال نص صراحة على قام المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية حـال ارتكابه لهـذه الجريمة ، و ذلك طبقا للمـادة 389 مكرر 7 منه ، و لحداثة هذا الأمر نتطرق فيما يلي إلى شروط قيام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي عند ارتكابه لجريمة تبييض الأموال على وجه الخصوص .
    شروط قيام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي :
    لقيام مسؤولية الشخص المعنوي لا يكفي أن ترتكب جريمـة تبييض الأمـوال ضمن نشاط الشخص المعنوي بل يجب أن تكون جريمة تبييض الأموال مرتكبة مـن قبل هيئات الشخص المعنوي و لمصلحته و حسـابه و بالتالي فالشخص المعنـوي لا يسأل سوى من الأفعال التي يتم تحقيقها لمصلحته و لفائدته سواء كان صاحب الأموال المبيضة أو أنه يتحصل على ربح أو فائدة مقابل اشتراكه في عملية تبييض الأموال أو مساعدته على ذلك و لعل أحسن صورة في هذا المجال ما تقدمه البنوك و المؤسسات المالية خلال عمليات التحويل والإيداع للأموال غير المشروعة مقابل ما تحصل عليـه كعمولة ، أو ما تقوم بـه الشركات ذات رؤوس أمـوال غير المشروعة مـن عمليات وهمية لتطهير و تبييض رأس مالها تسهيلا للاستغلاله و استثماره .
    كما يشترط لقيام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي أن تكون جريمة التبييض مرتكبة من قبل هيئات الشخص المعنوي و هو الطاقم المسير للشخص المعنوي و الذي يتمثل بالضـرورة في مجموعـة الأشخاص الطبيعية التي تعبر عـن إرادة الشخص المعنوي و يستوي الأمر كما سبق ذكره أن يكون هؤلاء الأشخاص فاعلين أصليين أو شركاء أم مجرد مساعدين للإفلات من العقاب ، غير أنه يشترط أن يكون الفعل لصالح و حساب الشخص المعنوي و ليس لحساب الشخص الطبيعي المسير له و إن كان هذا لا يعفي الشخص الطبيعي من المتابعة الجزائية بصفة شخصية لنفس الأفعـال و ذلك طبقا للمادة 51 مكرر فقرة 2 من قانون العقوبات .
    جدير بالذكر في هـذا المجال أن الدوـلة و الجماعات المحليـة و المؤسسات الخاضعة للقانون العام مستثناة مـن نطاق تطبيق المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي و ذلك في كل التشريعات التي أخذت بهذه المسؤولية ، كما هو الشأن في المـادة 51 مكرر من قانون العقوبات السالف الذكر و هذا لا يشكل عائقا في مجال مكافحة جريمة تبيض الأموال لأن الأشخاص المذكورة تقوم بإدارة و تسيير أمـوال عمومية و هـذه الأخيرة بطبيعتها خارجة عن نطاق التبييض باعتبارها أموال مشروعة أصلا.





    (1) د/ سليمان عبد المنعم مسؤولية المصرف الجنائية عن الأموال غير النظيفة دار الجامعة الجديدة للنشر الإسكندرية طبعة 99 ص13 .

    (2) د/ عبد الفتاح الصيفي . المطابقة في مجال التجريم محاولة فقهية لوضع نظرية عامة للمطابقة دار النهضة العربية طبعة 91 ص 5 .

    (1) القضاء الفرنسي أكد أن المساهمة لا تقوم إلا بسلوك إيجابي و لا يكفي فيها مجرد الامتناع voir .cass.crim 22/7/97 dalloz p 92

    (2) voir cass crim 6 /12 /89 dalloz péridique 90 p 117

    (1) voir cour d’appel de paris 30/6/77 dalloz 78 p 325

    (1) نفض جنائي 12/12/77 مجموعة أحكام محكمة النقض المصرية ص19 .

    (2) المادة 389 من قانون العقوبات الجزائري .

    (1) د/ حسن المرصفاوي قانون العقوبات الخاص منشأة المعارف الإسكندرية 1991 ص 383 .

    (2) نقض جنائي مصري 22/6/42 مجموعة القواعد القانونية ج5 ص 691 .

    (3) voir cass-crim 9-7-70 dalloz p03

    (1) وفقا للقواعد العامة لا يعاقب الشريك إلا إذا كان عالما بالفعل الأصلي المعاقب عليه .

    (1) أخذ القضاء الفرنسي بهذا الوصف في مرحلة أولية voir cass crim 14/12/61 B.C N 531 cour d’appel de paris .

    (2) د/ سليمان عبد المنعم المرجع السابق ص 16 .

    (1) د/ سليمان عبد المنعم المرجع السابق ص 72 .

    (1) حسب الدكتور مصطفى كمال طه فإن الوديعة في القانون المدني تختلف عن الوديعة في البنك فهذه الأخيرة تؤدي إلى امتلاك البنك لتلك الأموال على أن يلتزم برد مبلغ مماثل خلافا لها في القانون المدني فتعني حفظ الشيء و رده عينا .

    (2) و مؤدى ذلك أن كل بنود الحساب الجاري مدمجة و لا يجوز استخراج بند على انفراد لترتب عليه آثار قانونية بصورة مستقلة عن جملة الحساب .

    (1) الدكتور سليمان عبد المنعم المرجع السابق ص 81 .

    (1) المادة الثالثة من القانون 12/7/90 الفرنسي المتعلق بمكافحة غسيل الأموال المتحصلة عن الاتجار في المواد المخدرة .

    (1) المادة 428 –1 الفقرة الاخيرة من القانون 13 /5/96 الفرنسي

    (2) المادة 324 –9 من القانون 13/5 96 المذكور .

    (1) يقصد بالمتحصلات الأموال التي تم الحصول عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من جرائم المخذرات .

    (2) يقصد بالأموال محل الغسيل الأصول أيا كان نوعها سواء كانت مادية أو معنوية منقولة أو غير منقولة و كذا كل المستندات القانونية التي تثبت تملك تلك الأموال و الصكوك .

    (1) المادة 4 الفقرة الأولى من اتفاقية فيينا من سنة 88 .

    (1) أنظر الوجيز في القانون الجنائي الخاص الجزء الثاني الدكتور أحسن بوسقيعة ص 35 .

    (1) شرح قانون العقوبات الجزائري للدكتور عبد الله سليمان القسم الخاص ص 50.

    (1) أنظر القانون 04/15 المؤرخ في10/11/2004 المعدل و المتمم للأمر 66/156 المتضمن قانون العقوبات .

    (1) أنظر المادة 126 - 126 مكرر1 . 126 مكرر2 . 127 – 129 من قانون العقوبات الجزائري .

    (2) ) أنظر نص المادة 324 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد المضافة بالقانون 96 – 392 المشار إليها سابقا

    (3) أنظر نص المادتين389 مكرر1 . 389 مكرر2 من قانون العقوبات الجزائري .

    (1) الوجيز في قانون الجنائي الخاص الدكتور أحسن بوسقيعة ص 19-20 .

    (1) أنظر قرار المجلس الأعلى للقضاء الصادر في 3/4/84 المجلة القضائية 89 جزء 1 ص 277

    (1) مقال للسيد نور الدين دربوشي بعنوان حماية الإقتصاد الوطني عن طريق قمع مخالفات الصرف و حركة رؤوس الأموال مع الخارج نشرة القضاة سنة 96 عدد 49 .

    (1) أنظر المادة 1 و2 من الأمر 96- 22 المذكور .

    (2) الوجيز في القانون الجنائي الخاص المرجع السابق ص 160

    (1) محمد نجيب حسني المرجع السابق ص 578 .

    (2) المادة الأولى من قانون العقوبات الجزائري .

    (3) د / أحسن بوسقيعة الوجيز في القانون الجنائي العام . المرجع السابق ض 48 .

    (1) راجع المادة الثالثة من الاتفاقية الدواية حول المخدرات و العقاقير النفسية المبرمة بفيينا سنة 88 المشار إليها في الملحق .

    (1) أحمد العرابة . دروس و محاضرات ألقيت على الطلبة القضاة الدفعة 13 السنة الثانية السنة الدراسية 2003 – 2004 المعهد الوطني للقضاء .

    (2) قرار رقم 167921 غرفة الجنح و المخالفات ، المحكمة العليا – الوجه الأخير – منشور بالمجلة القضائية العدد2 ،2000 عن قسم الوثائق للمحكمة العليا 2001 ص 206 .

    (1) ارجع للملحق الأمر 96 –22 المعدل و المتمم بالأمر 03-01 المتعلق بقمع مخالفات التشريع و التنظيم الخاصين بالصرف و حركة رؤوس الأموال من و إلى الخارج

    (1) القانون رقم 04-15 المؤرخ في 27 رمضان عام 1425 الموافق لـ 10 نوفمبر المعدل و المتمم للأمر رقم 66 –156 المتضمن قانون العقوبات الجريدة الرسمية العدد 71 .

    (1) أنظر المادة 182 قانون العقوبات و المتعلقة بجريمة عدم تقديم المساعدة للشخص في حالة خطر .

    (1) الدكتور سليمان عبد المنعم .مرجع سابق ص 115 – 116 .

    (1) الدكتور مروك نصر الدين : محاضرات في الإثبات الجزائي . الجزء الأول النظرية العامة للإثبات الجنائي طبعة 2003 دار هومة
    ص 220

    (1) ارجع على المادة الأولى من الأمر 96-22 المعدل و المتمم بالأمر 03-01 المذكور سابقا ، انظر الملحق .

    (2) الدكتورة غادة عماد الشربيني : المسؤولية الجنائية عن الأعمال البنكية ( دراسة مقارنة ) دار أبو المجد للطباعة بالهرم طبعة 99 ص 528

    (1) غالبا ما يتعلق الأمر في هذه الحالة بتهريب رؤوس الأموال من و إلى الخارج

    (1) انظر المادة 212 من قانون الإجراءات الجزائية .

    (1) راجع المادة الثالثة من الفقرة ج ( 1 ) من الاتفاقية الدولية المبرمة بفيينا لسنة 1988 .

    (1) و قد صارت اتفاقية المجموعة الأوربية الصادرة في سنة 1991 في هذا المجال إذ نصت المادة الأولى من التوصية الصادرة في الاتفاقية على استخلاص العلم أو النية أو الباعث كركن للجريمة من خلال الظروف الواقعية الموضوعية .

    (1) انظر المواد 389 مكرر و ما يليها المستحدثة في قانون العقوبات الجزائري بموجب القانون رقم 04-15 .

    (2) د/ حسن بوسقيعة ، القانون الجنائي العام المرجع السابق ص 104 .

    (1) هذا ما استقر عليه القضاء المصري ، راجع نقض جنائي مصري في 25 /12 /1956 مجموعة أحكام محكمة النقض ص 25 ق 163
    ص 156 .

    (1) عبد الرؤوف مهدي المسؤولية الجنائية عن الجرائم الاقتصادية – منشأة المعارف – 1975 ص 318 .

    (1) صورتيها البسيطة و المشددة ، وفقا لنص المادة 324 فقرة 1 ، 2 ،3 من قانون العقوبات الفرنسي .

    (2) v .cass . crtim.11fevrier 1926. d.h 1926 p 235 . avril 1936 d.p. 1937 p 194 .Bull crim N° 131 mars 1981.
    Bull. crim N° 112 , mais 1991 .

    (1) سليمان عبد المنعم ، المرجع السابق ص 161 .

    (1) كانت إنجلترا هي السباقة إلى الإقرار بالمسؤولة الجزائية للشخص المعنوي " منذ سنة 1889 " تلتها كندا ثم الولايات المتحدة الأمريكية و أخيرا إيطاليا ففرنسا منذ صدور قانون العقوبات الجديد سنة 1992 .

    (2) الدكتور حسن بوسقيعة . المرجع السابق ص 189 .

    (1) القانون رقم 90-36 المؤرخ في 31 / 12 / 1990 المتضمن قانون المالية لسنة 1991 ( المادة 38 منه ) المعدل بالقانون 91 –25 المؤرخ في 18 /12 / 1991 المتضمن قانون المالية لسنة 1992 المواد من 4 – 57 .


    التعديل الأخير تم بواسطة الفكر الراقي ; 21-12-2012 الساعة 15:21

    ندرك ان العمر قد ينتهي في أي لحظة

    لكننا مع كل هذا نضبط المنبه لنستيقظ باكرا في اليوم الموالي !!


    || فهل هذا أمل ||



  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    2,642
    الجنس
    ذكر
    like
    0
    liked 171 Times in 135 Posts
    معدل تقييم المستوى
    396

    افتراضي رد: بحث حول جريمة تبييض الاموال

    الفصل الثاني :مخاطر جريمة تبييض الأموال و مكافحتها

    رغم الاهتمام البالغ الذي توليه الأسرة الدولية لخطـورة تفاقم مشكلة تبييـض الأموال بغية الحد منها بشتى الوسائل العلمية و العملية و القانونية ، إلا أنها مـا تزال في تفاقم مستمر ، لأنه كلما تم التضييق على هذه العصابات لجأت إلى أماكن أخـرى وميكانيزمات أخرى كملاذ آمن من التضييق المضروب عليها .

    و يتزايد النفوذ السياسـي و الاقتصـادي و الإعلامـي لعصابـات المخذرات و الرشوة و الفساد السياسي و عصابات الجريمة المنظمة في الدول التي تشهد تناميـا لجريمة تبييض الأموال ، و التي تعاني من الفساد و الضعف في أنظمة الحكم ، فقـد وجدت هذه العصابات الجـو الملائم لتطوير وسائلها الإجراميـة و تبييض الأمـوال الناتجة عن نشاطاتها الجرمية .
    و بمـا أن بؤر الاضطرابات السياسية و الحـروب الأهلية ، قـد غطت أجزاء شاسعة من الدول العالم ، و خاصة الدول النامية ، فقد نتج عن ذلك حدوث المجاعـات و ما يصاحبها من حالات اللجوء و الهجرة من تلك الدول إلى غـير ذلك مـن مظاهر التعفن السياسي و الانهيار الاقتصادي ، و هي الأجـواء التي تنشط فيـها عصابـات الجريمة المنظمة ، لتكثيف نشاطاتها الجرمية ، و هناك تسهل عليـها عملـية تبييض الأموال ، لأن الدول التي تشهد بؤر التوتر ، و كذا الدول المحيطة بـها يكـون جـل تركيزها منصبا على توزيع الإغاثة و الجانب الإنسانـي بصفة عامـة ، و لا يكـون بوسعها تكثيف الجهود و لمحاربة تبييض الأمـوال ، و الجزائر التـي عانت خـلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي من الضائقات الاقتصادية و التوتر الأمنـي تأثرت بكل هذه المعطيات و نتج عن ذلك تنامي ظاهرة تبييض الأموال الذي انعكس سلبا على جميع القطاعات الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية ، و تداركـا للفراغ الذي استفـاد منه مبيضو الأموال صدر قانون رقم 04-15 الذي جرم تبييض الأمـوال في المـواد 389 مكرر و ما يليها من قانون العقوبات و هو سداد آمان للوقاية و مكافحة الجريمة.
    ثم أن العديد من دول العالم الثالث ذات البنية الاقتصادية الهشة و بسبب حاجتها إلى استقطاب رؤوس الأموال لدعم برامجها التنموية ، لجأت إلى اتباع أسلوب أكثـر انفتاحا لضمان تدفق رؤوس الأموال إلى الداخل ، و هنا يستغل مبيضو الأموال هـذا الظرف بغية تحويل أموالهم إلى هذه الدول بوصفها نقاط عبور لتبييض الأمـوال ذات المصدر غير المشروع ، دون أن تستفيد منها اقتصاديات تلك الدول ، و سوف نـرى كيف أن لهذه العملية أثارا سلبية على اقتصاديات هـذه الـدول و كـذا على الجانب الاجتماعي و السياسي ، و حتى الإعلامي كل هـذا في المبحث الأول تحت عنـوان : مخاطر جريمة تبييض الأموال.
    ثم أن الجهود المبذولة لمكافحة الجريمــة عرفت تطـورا هاما مـن خـلال الميكانيزمات المتوافرة على الصعيدين الوطني و الدولي ، إلا أن تلك الجهود تكتنفهـا و تعترضها بعض العقبات التي سوف ندرسها في هذا السياق ، و هو ما سوف نتطرق إليه في المبحث الثاني تحت عنوان : مكافحة جريمة تبييض الأموال .













    المبحث الأول : مخاطر جريمة تبييض الأموال
    قد يتراءى للبعض بأن لعملية تبييض الأموال آثار إيجابية ، خاصة في حالـة اتخاذ عمليات التبييض الصور العينية ، مثل إقامة شركات استثمار و توفير العديد من فرص العمل و المساهمة في علاج مشكلة البطالة ، و توفير قدر إضافي مـن السلـع يسمح باستقرار الأسعار المحلية ، إلا أن ذلك يمـكن الرد علـيه ببساطة ، بأن عـدم مشروعية الدخل الذي تجري عمليات تبييض الأموال عليه ، يمثل قـوة شرائية غـير ناتجة عن نشاط اقتصادي حقيقي ، مما يؤدي إلى آثار سلبية على الأسعار المحلـية ، و يساهم في حدوث ضغوط تضخمية ، تهدد مستقبل التنمية الاقتصادية و الاجتماعية.
    إن بعض الإيجابيات التي تتحقق من استخدام الأموال المبيضة ، لا يمكـن أن تبرر أو تتعادل مع فداحة الآثار السلبية الناتجة عنها ، على الأقل مـن وجهة نظـر تخصيص الموارد الاقتصادية بشكل أمثل .
    و يتبين لنا بأن هناك مخاطر اقتصادية و اجتماعية وسياسية لتبييض الأمـوال و سوف نقوم بعرض هذه المخاطر حسب المخطط الآتي :
    المطلب الأول : المخاطر الاقتصادية

    تعرضت اتفاقية فيينا لعام 1988 في مقدمتها للأضرار التي يمكـن أن تلحـق بالأسس الاقتصادية و المؤسسات التجارية و المالية، نتيجة الأرباح و الثروات الطائلة التي يدرها الاتجار غير المشروع للمخدرات ، و قياسا علـى ذلك النتـائج الوخيـمة المترتبة عن باقي مصادر الأموال المبيضة .
    و من أهم المخاطر الاقتصادية لتبييض الأموال :





    1)انخفاض الدخل القومي :
    تعريف(1) : الدخل القومي لبلد ما هـو مجموع العوائد التي يحصـل عليهـا أصحاب عناصر الإنتاج من المواطنين، مقابل استخدام هذه العناصر في إنتاج السلع و الخدمات سواء داخل البلد أو خارجه ، خلال فترة معينة من الزمن، وتكون عادة خلال سنة .
    أما الناتج القومي(2) فهو مجموع السلع و الخدمات النهائية التي أنتجت باستخدام عناصر الإنتاج الوطنية خلال فترة معينة من الزمن ، و تكون عادة خلال سنة .
    و تؤدي عملية التبييض إلى هروب الأموال إلى خارج الدولة و خسارة الإنتاج لأحد أهم عناصره، و هو الرأسمال ، مما يعيق إنتاج السلـع و الخدمـات ، فينعكس بشكل سلبي على الدخل القومي بالانخفاض .
    و قد أشارت بعض الدراسات التي أجريت عن المداخيل غـير المشروعـة فـي الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن وجود هـذه المداخيل يعتبر مسؤولا عـن انخفاض الإنتاجية في الاقتصاد القومي بنسبة 27 % ، و نظرا لأن القطـاع الاقتصادي غـير الرسمي ينمو عادة بمعدل أسرع من معدل نمـو اقتصاديات القطـاع الرسمي ، فـإن تقديرات الناتج القومي تكون غالبا منخفضة كثيرا عن حقيقتها، و هذا يعني مسؤوليـة المداخيل غير المشروعة و المداخيل المرتبطة بعمليات تبييض الأمـوال عـن هـذا الانخفاض .
    2)انخفاض معدل الادخار المحلي(3) :
    يعتبر تبييض الأموال دربا من دروب الفساد المالي و الاقتصادي ، لذلك فـإن تأثيره على انخفاض معدل الادخار ، يظهر بدرجة ملموسة في كثير من الدول النامية ، التـي يمكن وصفها بالدول الرخـوة Soft state كمـا أسمـاها الأستـاذ ميردال
    ( Myrdal ) ، التي تشيـع فيـها الرشاوى و التهرب الضريبي و انخفاض كفـاءة الأجهزة الإدارية و فسادها ، و قد أوضح هذا الخبير الاقتصادي بصفة عامة أن الفساد يؤثر سلبيا على معدلات الادخار بشكل ملحوظ ، و أعرب عـن أسفه لتجاهـل كتب
    و مقالات التنمية و التخلف الاقتصادي لهذا العنصر الهام .
    ثم إن انخفاض معدل الادخار ينتج عن عمليات تبييض الأموال ، بسبب هروب الرأسمال إلى الخارج ، عندما تقترن به التحويلات النقدية المصرفية بيـن البنـوك ، المحلية منها و الخارجية ، و في مثل هذه الحالة تعجز المدخرات المحلية عن الوفـاء باحتياجات الاستثمار ، و يتسع نطاق الفجوة التمويلية ، حيث يتم إيداع المدخرات فـي البنوك الخارجية دون أن توجه نحو قنوات الاستثمار داخل البلاد .
    و في حالة اللجوء إلى تبييض الأموال عن طريق شراء الذهب و التحف الفنيـة و بعض السلع ، تتجه الأموال إلى طريق الاستهلاك ، و من ثم يقل القدر الموجه إلـى الادخار المحلي ، و يعني هذا أن هناك علاقة عكسية بين تبييض الأموال و الادخـار المحلي ، و في الغالب تلجأ الدول في هذه الحالة إلى تعويض النقص عـن احتياجـات الاستثمار الإجمالي ، من خلال تدفق المـوارد الأجنبية حتى تغدوا مشكلة المديونيـة الخارجية عبئا ثقيلا على كاهل الاقتصاد القومي .
    3)ارتفاع معدل التضخم :
    لا تخلو عمليات تبييض الأموال من تدفق نقدي إلى تيار الاستهلاك، سواء فـي حالة التبييض عبر البنوك أو القنوات المصرفية أو عن طريق السلع و الذهب و غيرها و هذا يعني الضغط على المعروض السلعي من خلال القوة الشرائية لفئات يرتفع لديها الميل الحدي للاستهلاك ، و ذات نمط استهلاكي يوصف بعـدم الرشد أو العشوائية ، و لا تقيم وزنا للمنفعة الحدية للنقود .
    و بذلك تساعد عملية تبييض الأموال في زيادة المستوى العام للأسعار أو حدوث تضخم من جانب الطلب الكلي في المجتمع ، مصحوبا بتدهور القوة الشرائية للنقـود.
    و نظرا لان عملية تبييض الأموال و ما يرتبط بها من حركة الأمـوال عـبر البنوك المتعددة ، و هي على مستوى العالم ، فإنها تساهم بشكل ملحوظ في التوسع في السيولة الدولية ، و من ثم يمكن أن تؤدي إلى حدوث ضغوط تضخمية .

    4) تدهور قيمة العملة الوطنية(1):
    تؤثر عملية تبييض الأموال تأثيرا سلبيـا على قيمة العملة الوطنية ، نظـرا للارتباط الوثيق بين هذه العملية و تهريب الأموال إلى الخارج ، و ما يعنيه ذلك من زيادة الطلب على العملات الأجنبية ، التي يتم تحويل الأموال المهربة إليها ، بقصـد الإيداع في الخارج بالبنوك ، أو بغرض الاستثمار في الخارج ، و لاشك بأن النتيجة الحتمية لذلك هي انخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية ، أي أن عملية تبييض الأموال تساهم في تدهور قيمة العملة الوطنية ، مما يوجب التصدي لها حماية لهذه العملة ، و لعل التعديل الأخير لقانون العقوبات الذي جرم تبييض الأموال بموجب القانون 04-15 كفيل بضمان الحد الأدنى لاجتناب تدهور قيمة العملة الوطنية (2) .
    5) تشويه المنافسة :
    تؤدي عملية تبييض الأموال إلى تشويه المنافسة داخل القطاع المالي ، و تبقـي مقتصرة بصورة مصطنعة على نشاط بعض المؤسسات المالية الضعيفة ، التـي تتأثر بإغراءات المبيضين و المنظمات المافياوية ، مما يؤدي إلى تحويل هذه المؤسسات إلى محل لتبييض الأمـوال ، و تقـوم بمنافسة المؤسسات المـالية الأخرى بطريقة غير مشروعة .
    6) إفساد مناخ الاستثمار(3):
    لا يهتم مبيضو الأموال بالجدوى الاقتصادية لأي استثمار يقدمون عليه، باعتبار أن اهتمامهم ينصب على إيجاد الغطاء عبر عمليات التوظيف ، التي تسمـح بشرعنة هذه الأموال ، الأمر الذي يفسد مناخ الاستثمار ، ذلك أن إدخال المال غير المشروع في الدورة المالية ، يؤدي حكما إلى إخفاء مصدر هذه الأموال و شرعنتها ، كما يضخ كميات كبيرة من النقود في الدورة النقديـة و المـالية ، بصـورة عشوائية و غيـر مدروسة.

    7) تشويه صورة الأسواق المالية :
    إن الأموال غير المشروعة التي يجري تبييضها من خلال المصارف و غيرها من المؤسسات المالية ، تمثل عائقا أمام تنفيذ السياسات الرامية إلى تحرير الأسـواق المالية ، من أجل اجتذاب الاستثمارات المشروعـة، و بالتالي تشـوه صـورة تلك الأسواق(1).
    8) أثر غسيل الأموال على نمط الاستهلاك :
    إن هذه الأموال لا تنتج عن جهد إنتاجي أي أن مكتسبي الدخل لم يتعبوا فـي الحصول عليها ، و بالتالي لا يحرصوا عليها و ينعدم ترشيد الاستهلاك و يتم الإنفاق بالتبذير(2).
    المطلب الثاني : المخاطر الاجتماعية
    إن تبييض الأموال يساعد على زيادة معدل الجريمة المنظمة و غير المنظمة، و يرى البعض أن تضخم الثروات و المداخيل غير المشروعة و النجاح في إخفائهـا وإضفاء المشروعية عليها ، يجعل أصحاب هـذه الثروات مصـدر قـوة و سطـوة و سيطرة على النظام السياسي و الإعلامي و القضائي ، و إلى احتمالات فرض قوتهم على المجتمع كله ( مقطع من مقال بجريدة الأهرام بتاريخ 18/12/1995 )(3) .
    و تؤثر عملية تبييض الأمـوال على المجتمع ، مـن ناحية ارتباطـها بالجرائـم السياسية، فهي تمثل نوعا من الآمان بالنسبة للحاصلين على أموال غير مشروعـة مثل الدخول الناتجة عن تجارة المخدرات ، و الناتجة عن تهريب الأمـوال و التهرب الضريبي و تقاضي الرشوة و السرقات و الاختلاسات و النصب و الاحتيال و تزييف العملات الوطنية و الأجنبية ، و كذلك المداخيل الناتجة عن الفساد الإداري و الفسـاد السياسي و تجارة الرقيق الأبيض ...الخ
    ثم إن تبييض الأموال يؤدي على حدوث اضطرابات اجتماعية خطيرة و منـها :

    1)اتساع الهوة بين العرض و الطلب في سوق العمل :
    إن هروب الأموال مـن داخل البلاد إلى خارجـها عـبر القنوات المصرفـية و غيرها يؤدي على نقل جزء كبير من الدخل القومي إلى الدول الأخرى ، و من ثـم تعجز الدول التي هرب منها الرأسمال ، عن الإنفاق على الاستثمارات اللازمة لتوفير فرص العمل للمواطنين ، و من ثم تواجه خطر البطالة في ظل الزيادة السنوية فـي أعداد الخريجين من المدارس و الجامعات ، فضلا على الباحثين عن العمل من غـير المتعلمين ، مما يؤدي إلى تفاقم مشكلة البطالة .
    لذلك لا يمكن الفصل بين عمليات تبييض الأمـوال و معدلات البطالـة سوءا في الدول المتقدمة أو في الدول النامية ، إذ أن ظاهرة البطالة ليست مقتصرة على البلدان المتخلفة ، بل تشمل أيضا البلدان المتقدمة ، و إن اختلفت أنواع و أسباب البطالة بين هاتين المجموعتين من البلدان .
    و تشير الدراسات و التقديرات الاقتصادية إلى أن خلق فرصة العمل الواحدة يحتاج إلى استثمارات كبيرة ناتجة عن تعبئة المدخرات المحلية ، و تبلـغ كثافة هـذه التكلفة حوالي 250 ألف دولار أمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية ، و الاستثمار لكـل عامل في اليابان يبلغ ثلاثة أضعاف الاستثمار في أمريكا ، و ضعف مثيله في أوربا .
    و لما كانت عمليات تبييض الأموال تؤثر سلبا على الادخار المحلي المتاح لتمويل الاستثمارات و من ثم زيادة الفجـوة التمويلية فإنها تؤثر بشكـل سلبي على المـوارد اللازمة لتوفير فرص العمل الجديدة لاستيعاب الزيادة السنوية من الباحثين و الراغبين في العمل ، و من ثم علاج مشكلة البطالة .
    و تجدر الإشارة أن جانبا هاما من الأموال التي يجري تبييضها في الخارج ،إنمـا هي مداخيل غير مشروعة ناتجة عن الفساد الإداري أو الفساد السياسي ، و ما يرتبط بذلك من تسرب قـدر كبير من أموال القروض الخارجية و المنـح و التبرعـات و التسهيلات الأجنبية ، تتحملها خزانة الدولة و يتحملها الشعب كله ، في صورة ضرائب إضافية مباشرة و غير مباشرة ، و يعني ذلك عدم اتجاه الأموال المنهوبة إلى القنوات الطبيعية لإنفاقها بشكل مباشر ، فلا يتيح للحكومة التغلب عن مشكلة البطالة .
    و من هنا لا يمكن القبول ببعض الآراء التي ترى أن عودة الأموال بـعد إجـراء عمليات التبييض إلى الوطن الأصلي بشكل مشروع يمكن أن تساهم في علاج مشكلة البطالة ، ذلك أن نمط الإنفاق للأموال غير المشروعة لا يمكن أن يتساوى مع نمـط الأموال المشروعة ، حيث يتصف النمط الأول بكونه في الغالب نمطا شيطانيا يتجـه إلى المضاربة في العقارات و المضاربة في الأموال و الأوراق المـالية مـن أجـل تحقيق الربح السريع ، بعكس الاستثمارات المشروعة و المنتجة التي تساهـم بشكـل فعال في خلق فرص جديدة للمواطنين ، و تخفف من حدة البطالة ،كمـا أنـه حتى في حالة اتجاه النمط الأول إلى الاستثمار ، فهـو سرعـان ما يتوقف عند تحقق الغايـة المرجوة منه في إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال .
    و توضح الدراسات أن معدلات البطالة مرتفعة في نفس الدول التي يرتفع فيها حجم عمليات تبييض الأموال باستثناء اليابان ، و تتراوح المعدلات بين 12.6 % في فرنسا و 6.1 % في أمريكا ، أما الدول التي ينخفض فيها حجم تبييض الأمـوال فتتـراوح معدلات البطالة فيها بين 9.6 % في الدنمارك و 4.8% في النرويج(1) ، أما عندنا في الجزائر فإن نسبة البطالة تفوق 30 % من اليد العاملة حسب تقرير المجلس الوطنـي الاقتصادي و الاجتماعي ، و المؤكد أن تجريم تبييض الأمـوال مـن خلال التعديـل الأخير لقانون العقوبات كفيل بالحد من تنامي نسبة البطالة في الجزائر .
    2)انتشار الأوبئة :
    تؤدي عمليات تبييض الأموال و خاصة الناتجة عن الفساد الإداري إلى نتائـج سيئة على إنجاز مشروعات البنية التحتية للدولـة ، و ذلك مـن خلال عـدم التنفيـذ الصحيح و الدقيق لتلك المشاريع ، رغبة في زيادة الأرباح الناتجة عنها فتصبح هـذه الأعمال عند فشلها كارثة على المجتمع بدلا من أن تكون بمثابة المناعة اللازمة ، مما ينعكس بشكل سلبي و خطير على انتشار الآفات الاجتماعية الخطيرة على نطاق واسع كالمخدرات من حيث تعاطيها و الاتجار بها ، و تولي عصابات منظمة مسألة السيطرة عليها أهمية قصوى ، نظرا إلى العائدات المالية الضخمة التي تجنى منها ، مثلها مثل باقي مصادر الأموال المبيضة .
    3)تدني مستوى المعيشة (1):
    تؤثر عمليات تبييض الأموال في توزيع الدخل على أفراد المجتمع بشكل سيـئ و زيادة أعباء الفقراء ،و اتساع الفجوة بينهم و بين الأغنياء ، و يعني ذلك وجود آثـار اجتماعية سلبية لتوزيع الدخل ، و من ثمة وجود علاقة وطيدة بيـن تبييض الأمـوال و اختلال الهيكل الاجتماعي، و مشكلة الفقر، و تدني مستوى المعيشة للغالبية العظمى من المواطنين في المجتمع .
    ذلك أن المكسب الذي يتحقق لبعض أصحاب المداخيل غير المشروعة ، و نجاحهم في تهـريب الأمـوال و تبييضها و استخدامـها ، و انعكـاس ذلك على تصرفاتـهم الاستهلاكية و مستوى مداخيلهم و مراكزهم الاجتماعيـة ، يـؤدي إلى حـدوث خلل جوهري في القيم الاجتماعية ، و إعلاء قيمة المال ، بصرف النظر عن مشروعيته في تحديد المركز الاجتماعي للإنسان و إهدار القيمة الاجتماعية للعمل المنتج ،و سيطـرة الجهل و الأمية على العقول بدلا من التعليم و الخبرة العملية ، إذ أن الجهـل و الفقـر و المرض مرتع خصب في المجتمعات التي لا تتحقق فيها السيطـرة عـلى مصـدر الكسب غير مشروع ، مع إخفاق السلطات الأمنية في تعقب الجريمة و القضاء علـى عمليات تبييض الأموال القذرة ، و نأمل اليوم أن نـرى التحسن الملحوظ في مستـوى المعيشة في الجزائر بعدما تم تجريم هذه الظاهرة بموجب القانون 04-15 من خـلال التوزيع العادل للثروات ، و منح فرص العمل لليد العاملة النظيفة و المـاهرة ، ممـا ينعكس إيجابيا على مستوى المعيشة في بلادنا .
    4)الحيلولة دون تبوء أصحاب الكفاءات مجالات العمل (2):
    إن تبييض الأموال و ما ينتج عنه من وجود أشخاص يمتلكون رؤوس أمـوال ضخمة غير مشروعة ، يؤدي إلى سيطـرة هـذه الأقلية على المراكـز الاقتصاديـة و السياسية ، و يمنعون بالتالي أصحاب الكفاءات من الوصول إلى المراكز العليا ، إما خوفا من اكتشاف حقيقة مصدر أموالهم غير المشروعة ، و إما خـوفا مـن تهديـد مركزهم الذي وصلوا إليه، بفضل تلك الأموال غير المشروعة .
    5)استغلال اليد العاملة المتدنية الأجر(1) :
    لقد توصلت بعض الشركات الرأسمالية العالمية إلى كيفيات استثمار الأمـوال القذرة ، و كيفيات القيام تحت ستار إنشـاء المشاريع الجديدة في دول العالم الثالـث باستغلال اليد العاملة المتدنية الأجر ، لتصنيع المعدات و الأدوات و البضائع ، لكي تعيد بيعها فيما بعد بأسعار تنافسية للطبقات الغنية و المتوسطة ، و بذلك تحقق أرباحا طائلة مضيفة إليها الأموال المبيضة من أجل تمويه مصدرها.

    المطلب الثالث : المخاطر السياسية (2):
    تؤدي عمليات تبييض الأموال إلى العديد من المخاطر السياسية التي تؤثر بشكل سلبي على كيان الدولة و استقرارها ، و من هذه المخاطر :
    1) السيطرة على النظام السياسي :
    إن الثروات و المداخيل غير المشروعة و النجاح في إخفاءها و تمويه مصدرها و إضفاء المشروعية عليها ، في إطار عمليات تبييـض الأموال ، تـؤدي إلى جعـل أصحاب هذه الثروات و المداخيل مصدر قوة و سطوة و سيطرة على النظام السياسي ، و إلى احتمالات فرض قوانينهم و إرادتهم على المجتمع كله ، و أكبر مثال علـى ذلك ما قامت به المافيا الإيطالية ، حيث تعاقبت أكثر من 60 حكومة على سدة الحكـم في إيطاليا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى غاية سنة 1999 .
    2)اختراق و إفساد هياكل بعض الحكومات :
    إن ما يجنيه مبيضو الأموال من أرباح طائلة و ثروات هائلة ، مادية و غـير مادية ، منقولة و غير منقولة ، مكنتهم من اختراق و إفساد هياكل بعض الحكومات،
    و قد توسعت ظاهرة تبييض الأموال على الصعيد الدولي لتصبح خطرا عالميـا يهـدد سلامة و استقرار النظم السياسية و هياكل الحكومات ، مما يتطلب اتخاذ تدابير مضادة من جانب المجتمع الدولي ككل ، و من أجل حرمـان المجرميـن و إيراداتـهم غـير المشروعة من أية ملاذات أمنية ، و هو ما سعت إليه الجزائر من خلال تجريم تبييض الأموال في القانون 04-15 .
    3) تمويل النزاعات الدينية و العرقية (1):
    أشارت الجمعية العمة للأمم المتحدة في دورتها العادية لسـنة 1998 إلـى أن الأرباح الناتجة عن تبييض الأموال ، تمول بعض أعنف النزاعات الدينـية و العرقية
    حيث يقوم المبيضون ببث الخلافات الداخلية و إشعال الفتن الدينية و العرقية، يعمدون إلى تمويلها بالسلاح و المساعدات و غيرها بواسطة الأموال القذرة .
    و في هذا الصدد نرى اليوم كيف أنه تم الكشف عن ضلوع بعض الشخصيـات و المسؤولين السياسيين الأوربيين وبعض رؤساء أعظم المؤسسات المالية العالمية فـي تبييض الأموال في أضخم المصارف ، و في بعض الدول الإفريقية التي تشـهد بـؤر التوتر السياسي و العسكري ، أين اكتشف مؤخرا نجـل رئـيسة الوزراء البريطانـية السابقة مارغاريت تاتشر ، الذي ثبـت أنه يتاجر في الأسلحة بصفة غـير مشروعـة لتغذية الصراعات المسلحة بالقارة السمراء ، كما أن بعض تقارير المخابرات الأمريكية و بعض التقارير التي أوردها بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي تؤكد ضلـوع نجـل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في عمليات مصرفية مشبوهة هي بمثابة قريـنة على ضلوعه في عمليات تبييض الأموال عبر عدة مصارف في دول إفريقية ، هذا ما يـدل على أن الظاهـرة الإجرامية واسعـة الانتشار حتى فـي أوسـاط السياسييـن و الشخصيات العامة في العالم .
    ضف إلى ذلك كله، نلاحظ كيف أن بعض الانقلابات العسكرية التي تجري في القارة السمراء لها علاقة بصفة أو بأخرى بعمليات تبييض الأموال كما هو الحال في موريطانيا و الزايير و الكونغو و ساحل العاج و سيراليون .
    و من أجل إلقاء الضوء على خطورة الأموال الناتجة عن عمليـات تبييـض الأموال و قدرتها في السيطرة على القطاعات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية نعرض الجدول الآتي :
    تقدير حجم عمليات تبييض الأموال في بعض الدول عام 1991 بالمليون دولار(1)

    اسم الدولة حجم عمليات تبييض الأموال اسم الدولة
    حجم عمليات تبييض الأموال
    أستراليا 6195.2 اليابان 24208.5
    النمسا 2558.2 إيطاليا 51773.2
    بلجيكا 6614.9 النرويج 1710.1
    كندا 23294.1 إسبانيا 6325.5
    الدانمارك 2959.0 السويد 6316.1
    فنلندا 1584.5 سويسرا 2227.2
    فرنسا 21587.1 بريطانيا 14203.5
    ألمانيا 24559.3 أمريكا 282784.3
    الهند 2213.7 روسيا 8369.5
    ايرلندا 538.5

    المبحث الثاني : مكافحة جريمة تبييض الأموال

    سنتطرق بداية إلى أساليب أو طرق مكافحة جريمة تبييض الأموال على مستوى التشريعات الوطنية ( مطلب أول ) ، ثم ندرس ذلك على المستوى العالمي (مطلب ثان)
    و هذا قبل التطرق إلى عقبات مكافحته التبييض ( مطلب ثالث ) .

    المطلب الأول : مكافحة جريمة التبييض على مستوى التشريعات الوطنية :
    سنحاول أن ندرس بعـض التشريعات الوطنـية و كيفية معالجتـها لمكافحة تبييـض الأموال، وهذا من خلال النقاط التالية :
    1) الولايات المتحدة الأمريكية :
    تعد الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر الدولة اهتماما بمكافحة عمليات تبييض الأموال غير المشروعة ، و خاصة تلك الناتجة عن الاتجار بالمخدرات ، فقـد أشـار تقريـر صادر عن مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1997 م إلى أن حجـم عمليـات تبييـض الأموال بلغ مائة مليار دولار يتم تحويلها إلى أموال نظيفة ، و هـي تمثل مـا مقداره
    2% من الدخل العالمي(1) ، لذا فقد اهتمت الولايات المتحدة الأمريكية مبكـرا بهـذه الظاهرة فقامت بإصدار قانون متعلق بسرية الحسابات المصرفية ، بغية تعقب العمليات النقدية لمنع عمليات تبييض الأموال المتحصلة عن المخدرات أو التهريب أو القمار أو الاختلاس أو التهرب الضريبي ، ثم تلا هذا إصدار أول قانون خاص بمنـع تبييـض الأموال سنة 1986 ، حيث تم بموجبه اعتبار فعل تبييض الأمـوال جريمـة مستقلـة يعاقب عليها بالحبس والغرامة والمصادرة ، و صدر قانون آخـر سنة 1988 يعـاقب على استعمال الأموال الناتجة عن الاتجار غير المشروع بالمخدرات ، بصورة مستقلة عن جريمة الاتجار بالمخدرات .
    وقد ألزمت هذه القوانين على المؤسسات المالية بمـا فيـها شركات السمسـرة والتأمين والمطاعم ومكاتب المحاسبة ، بإرسال تقارير عن المعاملات النقدية إلى إدارة
    خدمة الدخول الداخلية IRS Internal Revenue Service .
    عن كل معاملة تزيد قيمتها عن عشرة آلاف دولار ، يقوم بها فرد واحد أو مودع فـي يوم واحد(1) ، وهذا لتقوم إدارة خدمة الدخول الداخلية ( IRS ) بتحليـل تلك البيانـات ومطابقتها مع البيانات الموجودة لدى المباحث الفدرالية (FBI ) .
    وسنة 1997 أصدر المشرع الأمريكي قاعدة أو مبدأ يسمى Trapel rule of funds
    ومفاد هذه القاعدة أنه يجب على جميع هذه المؤسسات المالية الالتزام بما تتضمنه هذه القاعدة من تعليمات وإرشادات صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية لدائـرة متابعـة وملاحقة الجرائم المالية ، وهذه القاعدة تسري على انتقال الأموال إذا تمت بين أكـثر من مؤسسة مالية واحدة ، فعلى المؤسسة أخـذ بعض البيانات الجوهريـة والإبـلاغ للسلطات الجنائية المختصة عن كل تحويل مشبوه .
    والمقصود بالمؤسسات المالية طبقا لقاعدة trapel rule البنوك وسماسـرة الأوراق المالية ، والكازينوهات الخاضعة لقانون سريـة البنوك ، وأجهـزة إرسـال
    الأموال .
    كما أن قاعدة trapel rule أو قاعدة حركة أو سفر الأموال يعمل بها بالنسبة للتحويلات التي تزيد قيمتها عن ثلاثة آلاف دولار .
    2) سويسرا
    تعد سويسرا من أكثر الدول زخما من حيث كميات المبالغ المبيضة ، فهي تدير
    ما يقارب 30% من ثروات العالم ، وتحتوي مصارفها علـى ألف وخمسمائة مليـار دولار .
    وقدرت المبالغ المبيضة كل عام ما يساوي 500 مليار دولار في كـل أنحـاء العالم ، وجزء من هذه المبالغ تجد مرتعا لها بالمصارف السويسرية(2) ، لذا كان اهتمام سويسرا جاد لمحاربة هذه الآفة ، ففي عام 1968 اتفقت المصـارف السويسرية فيمـا بينها وتحت رعاية البنك الوطني السويسري على قواعـد تخص الحيـطة عند فتـح الحسابات المصرفية وعند إجراء أية عمليات مالية .
    وقد فرضت الاتفاقية المسماة La convention relative à l’obligation de diligence
    غرامة مقدارها 10 ملايين فرنك سويسري على المصرف المخالف ، ثم أدخـل فـي قانون العقوبات السويسري نص المادة 305 التي مضمونها أن كل عمل مـن شأنـه عرقلة تحديد مصدر أموال مبيضة ، يعاقب بالحبس من سنتين إلى 5 سنوات .
    كما اعتبر ذات القانون أن الموظف الذي يعلم السلطات المختصة عن ريبة عن مصدر الأموال المودعة لا يلاحق بتهمة السر المصرفي حتى وإن كانت شكوكه خاطئة ، هذا رغم معارضة الكثيرون في سويسرا المتمسكين بقاعدة سر المهنة المصرفية المقدسـة في بلاد المصارف .
    ونشير إلى أنه صدر سنة 1998 قانون جديد في سويسرا يتعلق بتبييض الأموال بموجبه يلزم البنوك على التبليغ عن الحسابات المشكوك فيها ، كما يشمل هذا الالتـزام المؤسسات غير المصرفية كالمحامين وشركات التأمين .
    3- ألمانيا(1)

    يعاقب قانون العقوبات الألماني في مادته 216 على جريمة تبييض الأموال وهذا
    بالسجن لمدة خمس سنوات على كل من يخفي أو يمنع أو يعرقل الكشف عـن أصـل
    أو موقع أو المصادرة أو وضع اليد أو القبض على ممتلكات ناتجة عن جريمة خطيرة، قام بها شخص عضو في عصابة منظمة ، كما تطبق نفس العقوبة على الشريك .
    أما من قام بعملية تجارية مع عضو في عصابة لأجل الحصول على عمولة فالعقوبـة تصبح من ستة أشهر إلى عشر سنوات .
    كما أن القانون يوجب مصادرة الأموال أو الممتلكات ّذات الصلة بعمل إجرامي يتعلق بتبييض الأموال ، بغض النظر إن كانت هذه الأموال غير المشروعة قد تحصل عليها داخل ألمانيا أم خارجها .
    4- فرنسا
    صدر بفرنسا بتاريخ 31/12/1987 قانون خاص لتنظيم مكافحة تبييض الأموال
    المتأتية عن الاتجار في المخدرات ، وبتاريخ 10/05/1990 صـدر مرسـوم خاص
    لينشأ هيئة تراكفين Tracfin التي أنيط بها دراسـة وتحليل المعلومـات لمكافحـة التبييض ، ويفرض على المؤسسات المالية التصريح لهذه الهيئة بالمبالغ المسجلة لديها والتي تفوق مبالغها 50000 خمسين ألف فرنك فرنسي ، ثم صدر قانون آخر بتاريخ 29/01/1993 لمكافحة عمليات تبييض الأموال الناتجة عـن تجـارة المخدرات ، إذ تلتزم المؤسسات المالية بإبلاغ هيئة تراكفين حول أية عمليات مصرفية مشكوك فـي مصدرها ، وللهيئة التقدير في إبلاغ النيابة العامة .
    وفي تعديل المشرع الفرنسي الذي تم بتاريخ 13/05/1996 عاقب على جريمة تبييض الأموال و استخدام عائدات الجرائم في نص المادة 324 فقرة 1 إلى 6 ، و نصها كما يلي :
    المادة 324 –1 " التبييض هو عملية تسهيل بكل الوسائل التبرير الكـاذب لمصـدر الأموال أو الدخول ، لمرتكب جناية ، أو جنحة عادت عليه بفائدة مبـاشرة أو غـير مباشرة .
    يعتبر من قبل التبييض أيضا مجرد القيام بتقديم مساعدة في عمليـة وضـع أو إخفاء أو تحويل الناتج المباشر أو غير المباشر لجناية أو جنحة ، يعاقب على التبييض بخمسة سنوات حبس و بغرامة 375000 أورو .
    المادة 324 –2 " يعاقب على التبييض بعشر سنوات حبس و بغرامة 750.000 أورو:
    1. عندما يرتكب بطريقة اعتيادية ، أو باستعمال التسهيلات التي يتيحها ممارسة نشاط مهني .
    2. عندما يرتكب بواسطة عصابة منظمة .
    المادة 324 –3 " عقوبة الغرامة المشار إليها في المواد 324 –1 و 324 –2 يمكـن رفع قيمتها إلى نصف قيمة الأموال و المبالغ التي وقعت عليها عمليات التبييض .
    المادة 324 – 4 " عندما تكون الجناية أو الجنحة المتحصلة من خلال ارتكابها علـى الأموال و المبالغ محل التبييض معاقبا عليها بعقوبة سالبة للحرية تفوق مـدة الحبس المنصوص عليها بالمواد 324 –1 و 324 – 2 ، يعاقب علـى التبييض بالعقوبـات المرتبطة بالجريمة التي علم المبيض بها ، و إذا كانت هذه الجريمة مرتبطـة بظروف مشددة المتعلقة بالعقوبات التي علم بها فقط .
    المادة 324 – 5 " في حالة العود ، يعتبر التبييض كالجريمة التي وقعـت بمناسبتـها عمليات التبييض .
    المادة 324 – 6 " يعاقب على الشروع في الجرائم المنصوص عليها في هذا القسـم بالعقوبات نفسها .
    أما عن العقوبات المكملة ، المطبقة عـن الأشخاص الطبيعـية و المسؤوليـة الجزائية للأشخاص الاعتبارية ، فقد ورد في القسم الثاني مـن نفس المـادة فقـرة
    7 على 9 .
    5- لبنان :
    تم تعديل قانون المخدرات الصادر بتاريـخ 16/03/1946 بالقانـون رقـم
    673/98 الخاص بالمخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف الـذي صـدر بتاريـخ
    16/03/1998 إذا للمرة الأولى أدخل المشرع اللبناني مصطلح تبييض الأموال في المادة الثانية من القانون المذكور أعلاه ، واعتبر فيه أن " تبييض الأموال هو إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال المنقولة أو الغير منقولة أو الموارد الناتجة عن جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية أو السلائف "
    وقد جرم ذات القانون في مادته 132 وبعقوبات مختلفة كل من قام بـ:
    - تحويل أو نقل أو شراء أو حيازة أو تملك أو استخدام أو توظيف موارد أو أمـوال
    مع إدراكه أنها متحصلة عن الجرائم المتعلقة بالمخدرات أو الاشتراك في فعل من هذه الأفعال أو في صفقة مالية تتعلق بها .
    -إخفاء أو تمويه طبيعة هذه الموارد والأموال والحقوق المتعلقة بها أو مصـدرها أو مكانها مع العلم أنها محصلة من جرائم المخدرات .
    كما أن المادة 156 تنص على مصادرة المتحصلات التي يفتـرض أنها متأتـية عـن الجريمة .
    و قد صدر بتاريخ 20 أفريل 2001 القانون رقم 318 الخاص بتبييض الأموال و الذي ألغي بعض أحكام قانون المخدرات السالف الذكر ، و قد حددت المادة الأولـى منه المقصود بالأموال غير المشروعة ، و هي تلك الناتجة عن إحدى الجرائم :

    • زراعة المخدرات أو تصنيعها أو الاتجار بها ، الأفعال التي تقـوم بهـا جمعيـات الأشرار ، جرائم الإرهاب ، التجارة غير المشروعة بالأسلحة ، السرقة ، اختلاس الأموال العامة أو الخاصة ، التزوير .

    أما المادة الثانية فقد نصت على أنه يعتبر تبييض أموال كل فعل يقصد منه :

    • إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة
    • تحويل الأموال مع العلم أنها أموال غير مشروعة .
    • تملك الأموال غير المشروعة أو توظيفها لشراء أموال مع العلم أنها غير مشروعة.

    وقد نصت المادة الثالثة على معاقبة كل من أقدم أو تدخل أو إشترك لعمليـات تبييض أموال بالحبس من ثلاث إلى سبع سنوات وبغرامة لا تقل عـن عشريـن مليون ليرة لبنانية .
    6- الجزائر :
    بعد مصادقة الجزائر وبتحفظ بموجب المرسوم رقم 95/41 المؤرخ في 28يناير 1995 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية ، المنعقدة بفيينا بتاريخ 20 ديسمبر 1988 والتي دخلت حيز التنفيذ فـي 11 نوفمبر 1990 ، وتنفيذا لالتزاماتها الدولية ونظرا لما عاشته من أهـوال ومآسي فـي العشرية الأخيرة من القرن العشرين وما أفرزته آثار سلبية على كل المستويات ممـا سهل تنامي الفساد الإداري والرشوة وتجارة المخدرات إضافة إلى التهرب الضريبي
    أصبح لزاما على المشرع الجزائري تجريم ظاهرة تبييض الأموال ، ورغم أنه لـم يتفطن لتجريم هذه الظاهرة مبكرا إلا أنه وبموجب القانون رقم 04 –15 المؤرخ في
    27 رمضان 1425 هـ الموافق 10 نوفمبر سنة 2004 الذي يعـدل ويتـمم الأمـر

    66-156 المتضمن قانون العقوبات الجزائري جرم تبييض الأموال بموجب المـادة 389 مكرر وما يليها منه .

    وبموجب القانون رقم 04-14 المؤرخ في 27 رمضان 1425 هـ الموافق 10نوفمبر سنة 2004 الذي يعدل ويتمم قانون الإجراءات الجزائية الجزائري ، وعمـلا بأحكام المادة 37 المعدلة ، أصبح يجوز تمديد الاختصاص المحلي لوكيل الجمهوريـة بشأن متابعة الأشخاص الطبيعية لارتكابهم جريمة تبييض الأموال إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى وذلك عن طريق التنظيم .
    كما نصت المادة 40 المعدلة مـن نفس القانـون علـى جـواز تمديـد الاختصاص المحلي لقاضي التحقيق الذي يباشر التحقيق ضد مرتكبي الجريمـة لـدى دائرة اختصاص أخرى وذلك عن طريق التنظيم أيضا .
    ومن خلال استقراء المادتين السالفتي الذكر يتبين جليا أن نية المشرع تتجه إلى مكافحة الجريمة بكل الطرق الناجعة لتحقيق الغرض وذلك من خلال توسيـع دائـرة المتابعة عكس بعض الجرائم الأخرى .
    أما بخصوص المتابعة الجزائية للشخص المعنوي ، وهو الشيء الجديد الـذي جاء به التعديل الأخير السالف الذكر ، الذي جعل الاختصاص المحلي يعـود للجـهة القضائية بمكان ارتكاب الجريمة أو مكان وجود المقر الاجتماعي للشخص المعنـوي
    غير أنه إذا تمت متابعة أشخاص طبيعية في الوقت ذاته مع الشخص المعنـوي ، فإن الاختصاص في هاته الحالة يعود إلى الجهة القضائية المرفوع أمامها دعوى الأشخاص الطبيعية بمتابعة الشخص المعنوي .
    أما فيما يتعلق بالتمثيل القانوني للشخص المعنوي في إجراءات الدعـوى أمـام القضاء ، فيكون من طرف ممثله القانوني الذي كانت له الصفة عند المتابعة .
    ونعني بالممثل القانوني للشخص المعنوي الشخص الطبيعي الذي يخوله القانون أو القانون الأساسي للشخص المعنوي تفويضا لذلك ، وفي حالة مـا إذا تغير الممثـل القانوني أثناء سير الإجراءات فإن من يخلفه ملزم بإبلاغ الجهة القضائية المرفوعـة إليها الدعوى بهذا التغيير .
    وفي حالة ما إذا تمت متابعة الشخص المعنوي وممثله القانوني في الوقت نفسه أو لم يوجد أي شخص مؤهل قانونا لتمثيله ، فإن رئيس المحكمة وبنـاءا علـى طلب النيابة العامة يعين ممثلا عنه من ضمن مستخدميه(1) .
    وبخصوص الجزاء فإن المشرع الجزائري قد نص علـى عقوبـات للأشخاص الطبيعيين وعقوبات للأشخاص المعنوية ;
    أ- بالنسبة للأشخاص الطبيعيين :

    • يعاقب كل من قام بتبييض الأموال بالحبس من خمس إلى عشر سنـوات وبغرامة من 1000000 دج إلى 3000000 دج (2).
    • يعاقب كل من يرتكب جريمة تبييض الأموال علـى سبيل الاعتياد أو باستعمـال التسهيلات التي يمنحها نشاط مهني أو في إطار جماعة إجرامية بالحبس من عشر إلى خمسة عشر سنة وبغرامة من 4000000 دج إلى 8000000 دج (3).
    • يعاقب على المحاولة في ارتكاب جريمة الأموال بالعقوبات المقـررة للجريمـة

    التامة(4).

    • تحكم الجهة القضائية المختصة بمصادرة الأملاك موضوع جريمة تبييض الأموال

    بما فيها العائدات والفوائد الأخرى الناتجة عنها ، في أي يد كانت إلا أنه إذا أثبت مالكها أنه يحوزها بموجب سند شرعي وأنه لم يكن يعلم بمصدرها غير المشروع
    ويمكن الحكم بمصادرة الأموال محـل الجريمة عندمـا يبقى مرتكبو التبييـض مجهولين .

    • إذا اندمجت عائدات جناية أو جنحة مع الأموال المتحصل عليها بطريقة شرعـية

    فإن مصادرة الأموال لا يمكن أن تكون إلا بمقدار هذه العائدات ، كما يتـم مصـادرة الوسائل والمعدات المستعملة في ارتكاب جريمة تبييض الأموال ، وإذا تعـذر تقديم أو حجز الممتلكات محل المصادرة فإنـه يتـم القضاء بعقوبة مالية تساوي قيمـة هـذه الممتلكات .

    • كما أنه يطبق على الشخص الطبيعي المحكوم عليه لارتكابه جريمة تبييض الأموال

    طبقـا للمادتين 389 مكرر 1 و 389 مكرر 2 عقوبة واحدة أو أكثر مـن العقوبـات التكميلية المنصوص عليها في المادة 9 من نفس القانون ، كما يجوز الحكم بالمنع من الإقامة على الإقليم الوطني بصفة نهائية أو لمدة عشر سنوات على الأكثر ، علـى كل أجنبي مدان بإحدى الجرائم المنصوص عليها في المادتين 389 مكرر1 و 389 مكرر2 من قانون العقوبات .
    ويجوز لقاضي التحقيق حسب المادة 40 مكرر5 من قانون الإجراءات الجزائية بصفة تلقائية أو بناءا على طلب من النيابة ، الأمر باتخاذ إجراءات تحفظية أو تدابيـر أمن زيادة على حجز الأموال المتحصل عليها من الجريمة أو التـي استعمـلت فـي ارتكابها .
    ب- بالنسبة للأشخاص المعنوية :
    يعاقب الشخص المعنوي الذي يرتكب جريمة تبييض الأموال طبقا لنص المادتين 389 مكرر 1و 389 مكرر 2 بالعقوبات الآتية :

    • غرامة لا يمكن أن تقل عن 04 مرات الحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها في المادتين السالفتي الذكر .
    • مصادرة الممتلكات و العائدات التي تم تبييضها .
    • مصادرة الوسائل و المعدات التي استعملت في ارتكاب الجريمة .

    و إذا تعذر تقديم أو حجز الممتلكات محل المصـادرة ، فـإن الجـهة القضـائية
    المختصة تحكم بعقوبة مالية تساوي قيمة هذه الممتلكات ، كما يمكن لـها أن تقضـي بالإضافة إلى ذلك بإحدى العقوبتين :
    1. المنع من مزاولة نشاط مهني أو اجتماعي لمدة لا تتجاوز خمس سنوات .
    2. حل الشخص المعنوي(1) .
    و عملا بأحكام المادة 65 مكرر 4 من قانون الإجراءات الجزائية ، فإنه يجوز لقاضي التحقيق أن يخضع الشخص المعنوي لتدبير أو أكثر من التدابير الآتية :
    1. إيداع كفالة .
    2. تقديم تأمينات عينية لضمان حقوق الضحية .

    3. المنع من إصدار شيكات أو استعمال بطاقات الدفع مع مراعاة حقوق الغير .
    4. المنع من ممارسة بعض النشاطات المهنية أو الاجتماعية المرتبطة بالجريمة .
    و يعاقب الشخص المعنوي الذي يخالف التدبير المتخذ ضـده بغرامـة مـن 100.000 دج إلى 500.000 دج بأمر من قاضي التحقيق بعـد أخـذ رأي وكيـل الجمهورية .

    المطلب الثاني :مكافحة التبييض على المستوى الدولي :
    نظرا لما تمثله جريمة تبييض الأموال من خطر على الاقتصاد العالمـي كـان لزاما على المجتمع الدولي أن يتصدى لهذه الظاهرة من خلال الاتفاقيات أو المؤتمرات
    1/اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بالمخدرات لسنة 1971 :
    بصدور اتفاقية عالمية خاصة بالمخدرات فإنها تكون قـد ألغت العديـد مـن الاتفاقيات السابقة عليها نذكر منها :

    • اتفاقية الأفيون لعام 1912 ، اتفاقية تحديد صنع المخدرات لعـام 1931 اتفاقيـة

    مراقبة تدخين الأفيون في الشرق الأقصى لعام 1931 ...إلخ(2) .
    وقد قامت اتفاقية 1971 بوضع التدابير اللازمة لتقنين استعمال المخدرات للأغراض الطبية والعلمية ، من خلال الرقابة على إنتاج وزراعة وتصدير واستيراد وتصنيـع المخدرات ، إلا أن ما يمكن ملاحظته بشأن هذه الاتفاقية ، إلى أن الهيـئة المكلـفة بالمراقبة كان دورها ضعيف للغاية بيد أنه لم تزود بالأدوات التي تمكنـها مـن أداء وظيفتها فضلا على أن الاتفاقية تفتقر إلى ردع الدول الأعضاء التي تخالف أحكامها ، كما أن الاتفاقية لم تتحدث عن مصادرة الأموال الناتجة عن المخدرات .
    2- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية لعام 1988 :
    تم اعتماد هذه الاتفاقية في 19-20 ديسمبر 1988 بفيينا ، وأدخلت حيز التنفيذ
    في 13 نوفمبر 1990 ، وقد كان من ضمن أهداف هذه الاتفاقية شن حملة على الحافز الاقتصادي التي تختبئ وراءه الأنشطة الإجرامية وهذا بمصادرة وحجز الأموال الناتجة عن المخدرات(1) .
    ونصت المادة الثالثة على ضرورة اتخاذ كل طرف في قانونه الداخلـي ، مـا يجـب
    من التدابير لمعاقبة كل من شأنه إخفاء الأموال أو مصدرهـا أو مكانـها أو طريقـة التصرف بها مع العلم أنها مستمدة من جرائم المخدرات(2) ،مع الإشارة إلى أن الاتفاقية
    تشترط وجود القصد الجنائي ضمن أركان جريمة تبييض الأموال إذ أن نقل أو تحويل الأموال هو بطبيعته شيء مشروع ، لأجل هذا فعلـى المخالف أن يكون علـى علـم ودراية بأن هذا التحويل للأموال هي ناتجة من جريمة الاتجار غـير المشـروع فـي المخدرات ، زيادة على أن يكون هدف الجـاني هـو إخفـاء مصـدر تلك الأمـوال أو مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب جريمة الاتجار غير المشروع بالمـخدرات من الإفلات من العقوبات القانونية المترتبة عن أفعاله .
    و لا بأس أن نشير إلى أنه من أهم الموضوعات التي تناولتها اتفاقية فيينا لعـام 1988 ما يلي :
    - تنظيم الإجراءات الخاصة بالحجز والمصادرة للأمـوال الناتجة عـن المخـدرات
    بالتبرع بها للجهات القائمة على مكافحة المخدرات أو اقتسامـها مع أطراف أخـرى
    بحسب الاتفاقيات المبرمة لهذا الغرض .
    - تنظيم الاختصاص القضائي وإجراءات تبادل تسليم المجرمين .
    - تبادل المعلومات .
    - تنظيم عمليات تدريب العاملين والمختصين(1) .
    3- إعلان بازل Basle للمبادئ لعام 1988 :
    تعمل لجنة بازل على الإشراف على البنوك في مختلف أرجاء المعمورة . وقـد
    صدر عن هذه اللجنة مجموعة من المبادئ والأسس لحل الجزء المتبقي الذي عجـزت عنه اتفاقية 1988 والمتعلق بضرورة التدقيق في مصدر الأموال المودعـة والنشـاط
    التجاري للعميل استنادا على قاعدة " إعرف عميلك " .
    ومن بعض هذه المبادئ التأكد من شخصية العملاء ، الحيطة مـن التحويـلات المشبوهة والتعاون المصرفي(2) .
    4- مؤتمر ستارسبورغ لعام 1990 :
    ضم هذا المؤتمر دول المجلس الأوربي ، ملتزمة باتخاذ الإجراءات التشريعيـة
    والتدقيق في كل عملية ترتبط بهذه الأموال المعدة للتبييض ، مع إعطاء هذه الأفعـال
    الوصف الجرمي المناسب إذا كان ارتكابها قد حصل عن قصد .

    1. المؤتمر الدولي التاسع لمنع الجريمة لعام 1995 :

    انعقد هذا المؤتمر بالقاهرة ، وتطرق ضمن جدول أعماله إلى موضوع المخدرات
    بما فيه موضوع تبييض الأموال وخاصة الأموال الناتجة عن المخدرات .
    وقد طالب المؤتمر بضرورة تعاون دولي قوي وفعال لأجل مكـافحة تبـييض الأموال ، كما طالب المصارف في الدول الأعضاء بمزيد من التنسيق تسهـيلا للكشف عن الحسابات السرية ، وما قد تحويه هذه الأخيرة مـن أمـوال ذات مصـدر غـير مشروع.



    1. مؤتمر المخدرات وتبييض الأموال لعام 1997 :

    انعقـد المؤتمر بالولايات المتحدة الأمريكية ، وكانت من بين الموضوعات التـي نوقشت موضوع تبييض الأموال ، وقد خرج المؤتمر بعدة مبادئ أو أسس نجملها فـي ما يلي :
    - مبدأ اعرف زبونك Know your customer ، فعلـى المصـارف أن تمحـص عملائها وتتقصى عن مصدر أموالهم .
    - مبدأ الإخطار عن العمليات المشبوهة .
    - مبدأ التعاون الوثيق بين الدول ، عن طريق اتفاقيات ثنائية أو متعـددة الأطراف أو إصدار قوانين داخلية تمكن من الكشف عن هذه الجرائم .

    المطلب الثالث : عقبات مكافحة الجريمة
    بالرغم من الجهود الدولية المبذولة لمكافحة عمليات تبييض الأموال ، إلا أنه لا تزال هناك عقبات كبرى تحول دون القضاء على النشاطات التي تهـدف إلى إخفـاء وتمويه مصادر الأموال غير المشروعة الناتجة عن هذه الجريمـة ، ولعـل السريـة المصرفية أهم هذه العقبات ، باعتبارها عقبة قانونية ، بالإضافة إلى عقبـات واقعيـة و عملية أخرى تتنوع وتختلف من دولة إلى أخرى لذلك سنتطرق إلى هذه العقبات في ما يلي :
    أولا :عقبة السرية المصرفية :
    يدخل السر المصرفي بمعناه الواسع تحت لواء سر المهنة وتحـديدا بالواجـب الملقىعلى عاتق المصرف بعدم إفشاء الأسرار المصرفية التي آلت إليه بحكـم وظيفته أو بموجب القيام بهذه الوظيفة .
    أما السرية المصرفية بمعناها الضيق فهي الواجب الملقى على عاتق المصرف
    بعدم إفشاء الأسرار التي حاز عليها بفعل وظيفته ولكـن بموجب نصوص قانونيـة
    تفترض التكتم وتعاقب الإفشاء(1) .
    وتعتبر السرية المصرفية من أكثر العقبات التي تقف عائقا أمام مكافحة عمليات تبييض الأموال ، حيث أنها تشكـل حاجـزا دون الإطلاع علـى الودائع المصرفية
    وبالتالي ملجأ للأموال المشبوهة وفي ذلك يقول " زيغلر " أحـد النـواب السويسريين
    والذي يسعى إلى إبطال نظام السرية المصرفية " تختفي الأموال القذرة في المغـاور داخل مصارفنا لتخرج ثانية في مظهر محترم جاهز للتوظيف "(2) ، وتختلف السرية المصرفية المفروضة على العمل المصرفي من دولة لأخرى تبعا للإمكانيات المتاحة للكشف عليها ، هذا بالإضافة إلى حرص البنوك على عدم تقديم المعلومات اللازمـة عن العملاء إلا لمن تحددهم القوانين وذلك انطلاقا من حرص البنوك على حماية الحق الشخصي للعميل ، هذا بالإضافة إلى مصلحة المصرف نفسه بالاحتفاظ على سريـة أعماله ، كما أن السرية المصرفية تساهم في جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وتدعم الثقة بالاقتصاد الوطني وبالجهاز المصرفي وتشجع الاستثمار وتوفـر الثقـة بالائتمان المصرفي ، وعلى الرغم من مجموعة الإيجابيات التي تتسم بها هذه العملية من توفير مناخ الاستقرار الاقتصادي إلا أن هنـاك أراء معارضة لنظـام السريـة المصرفية لأسباب عديدة وكثيرة كالتستر على الأمـوال القذرة لذلك نعرض بعـض الأمثلة لأنظمة السرية المصرفية في بعض الدول منها الأجنبية والعربية.
    I - السرية المصرفية في الدول الأجنبية :

    1. السرية المصرفية في الولايات المتحدة الأمريكية :

    اتبعت الولايات المتحدة الأمريكية نظام السرية المصرفية بموجب قانون السريـة المصرفية Bank secrecy Act الصادر سنة 1970 حيث أن هذا القانـون يسمـح بكشف سرية الحسابات المصرفية في الحالات الاستثنائية المتعلقة بالمصلحة العامة أو بمصلحة البنك أو في حالة وجود نـزاع بين البنك والعميل أو بالموافقة الصريحة أو الضمنية للعميل ، كما يعطي هذا القانون للحكومة الفيدرالية الأمريكية بمراقبة الصفقات النقـدية الكبيرة وحركـة العملـة الصـادرة والواردة مـن خـلال متطلبات الإقرار
    المفروضة على كل البنوك والعملاء تحت طائلة عقوبة الحبس سنة أو الغرامة ألـف
    دولار 1000 أو كلتا العقوبتين .
    وتقوم السلطات الأمريكية بالحصول على المعلومات والبيانـات اللازمـة عـن حسابات العملاء من خـلال ملاحقتها للمتهربين مـن تسديد الضرائب ، أو بمناسبـة مكافحتها لعمليات تبييض الأموال القذرة عبر البنوك .

    1. السرية المصرفية في فرنسا :

    كانت تتم حماية السرية المصرفية في فرنسا بموجب المادة 378 ق ع (1)، باعتبار
    أن العاملين في البنوك مؤتمنون ضروريين على أسرار من يتعاملون أو يتعاقدون معهم خصوصا أن التعامل مع البنك في الوقت الحالي لا يمكن الاستغناء عـنه مـن جانب الأفراد ، لكن السر المصرفي لم يكـن ممنـوعا علـى القضـاء والدوائـر الماليـة
    والإدارات العامة التي كان يحق لها الإطلاع علـى مجمـل العمليات الجاريـة مـع المصرف(2) ثم صدر القانون المصرفي بتاريخ 24/01/1984 ، ونصت المادة 57 منه على أن كل عضو مـن أعضـاء مجلس الإدارة أو مـن أعضـاء مجلس الإشـراف
    والمراقبة وكل شخص يشارك في إدارة أو تسيير مؤسسة ائتمان أو كان مستخدما لديها ملزم بحماية أسرار العملاء وفقا للشروط والعقوبات المنصوص عليها في المادة 378 من ق ع التي اعتبرت أن : " الأطباء والجراحين وسائر المكلفين بالوظائف الصحـية وكذا الصيادلة والقابلات القانونيات وسائر المؤتمنين بحسب وضعهم أو مهنتهم علـى أسرار تسلم لهم يعاقبون بالحبس من (1) شهر إلى (6) أشهر وبالغرامة من 100 ف إلى 500 فرنك فرنسي إذا أفشوا هذه الأسرار خارج الحالات التي يفرض عليهم فيها القانون إفشاءها " .

    II - السرية المصرفية في الدول العربية :
    1- السرية المصرفية في مصر (1) :
    طبقت مصر نظام سرية الحسابات المصرفية عام 1990 بموجب القانون رقـم 205 وذلك عقب حرب الخليج بين العراق والكويت ، ثم عدل هذا القانون بالقانون رقم 97 لعام 1992 ، بشأن سرية الحسابات في البنوك ، وقد أضفى القانون السرية بشكل صريح على أعمال البنوك والأموال التي تودع فيها ، وحظر على الجهـات الرقابـية أو أية جهات أخرى الإطلاع على أية بيانات خاصة بالعمـلاء ، وذلك بهـدف جذب
    المدخرات المصرية ومدخرات أبناء الخليج التي اتجهت إلى هجرة بلادها عقب الغزو العراقي للكويت وتشمـل السريـة ، حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزائنـهم بالإضافة إلى جواز فتح حسابات رقمية بالنقد الأجنبي ولا يجوز الإطلاع عليها إلا في حالات خاصة بناءا على حكـم قضائي أو حكـم محكمين أو بناءا على طلـب وزارة الاقتصاد و التجارة و مراقب البنـك المركزي و مراقب وزارة الاقتصاد و التجـارة الخارجية أو في حالة صدور حكم قضائي بالاطلاع على حسابات العملاء ، إذا كـان ذلك ضروريا لبيان الحقيقة في قضايا الجنح و الجنايات مع وجود دلائل جديـة علـى وقوعها ، أو للتقرير بما في الذمة المالـية بمناسبة حجز موقـع لدى أحـد المصارف الخاضعة لأحكام القانون .
    ثم جاء تعديل سنة 1992 في القانون رقم 97 يسمح للنائب العام أو من يفوضه بالاطلاع علـى حسابات أو ودائـع أو أمانات أو خزائن العمـلاء ، و تؤدي كـثرة الاستثناءات الموجودة في القانون إلى الكشف على حسابات العملاء السرية بسهولـة ، مما يوضح التردد في منح الحصانة للأموال المودعة في البنوك المصرية .
    و بالرغم من ذلك ، لا تزال هناك اعتراضات من البعض على السرية المصرفية الموجودة حاليا فـي مصـر ، و يطالبون بإلغائها كليا لمنـع أصحاب المداخيل غـير المشروعة من غسيل أموالهم ، بينما يرى فريق آخر ، ضرورة الإبقاء علـى سريـة الحسابات الموجودة مع إصدار قانون خاص لمنع عمليات غسيل الأموال و ملاحقـة الأموال المشبوهة .
    2-السرية المصرفية في لبنان :
    اعتمدت لبنان السرية المصرفية بموجب القانون الصادر بتاريخ 3/07/1956 ، حيث تعاقب المادة 579 من قانون العقوبات على إفشاء الأسرار مـن الأفراد الذيـن يعملون بها بحكم وضعهم و وظيفتهم أو مهنتهم أو فنهم ، دون أن يكون هناك سـبب شرعي أو استعماله لمنفعة خاصة أو عامة .
    و قد أطلق على لبنان تسمية سويسرا الشرق من خـلال مقارنته أو مقاربتـه لسويسرا في كونه ملجأ للأموال الخارجية الهاربة و من خلال اعتماده قانونا للسريـة المصرفية ، متوخيا منها دوافع اقتصادية تهدف إلى جلب رؤوس الأمـوال لتعزيـز الوضع الاقتصادي في البلاد ، إلى جانب الدوافع السياسية و ذلك بهدف حفظ سيـادة البلاد و استقلاله (1).
    و بموجب قانون 3/07/1956 ، تلزم المصارف الخاضعة لأحكامه بالسريـة المطلقة إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سـواء فـي مواجهة الجهات الخـاصة أو السلطات العامة ، و سواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية إلا في حالات معينة فـي القانون وردت على سبيل الحصر و هي :

    1. إذن العميل أو ورثته خطيا .
    2. إذا حكم بإشهار إفلاسه .
    3. عند وجود نزاع قضائي بينه و بين البنك بمناسبة الروابط المصرفية .
    4. إذا تعلق الأمر بالدعاوى المترتبة على جريمة الكسب غير المشروع .

    و قد جعل القانون اللبناني من إفشاء السر عمدا جريمة جزائية يعاقب عليها القانـون بجزاء أشد من الجزاء المقرر في غيره من التشريعات حيث مثلا يمكن خرق السرية المصرفية بموجب حكم قضائي من محكمة في سويسرا و لا يجوز ذلك في لبنـان إلا في حالات محصورة جدا .
    و مهما يكن القول عن السرية المصرفية فإنـها لا تزال تشكل عقبة أساسية و كبـرى تحول دون مكافحة جريمة تبييض الأموال و لكن السؤال المطروح هل هـي العقبـة الوحيدة أم أن هناك عقبات أخرى تشكل مانعا حصينا دون ملاحقة محترفي تبييـض الأموال ؟
    حتى و إن كانت جل التشريعات تحصر مشكلة مكافحة جريمة تبييض الأمـوال في عقبة السرية المصرفية إلا أن هناك عقبات أخرى تختلف مجالاتها يتم عن طريقها الدخول إلى عالم الجريمة البيضاء و التي تعيق هي الأخرى محـاربة هـذه الظـاهرة و ذلك ما سنحاول الوقوف عليه من خلال أمثلة من هذه العقبات فيما يلي :
    ثانيا : ضعف أجهزة المراقبة :
    لقد نصت الفقرة 9 من المادة 12 من اتفاقية فيينا 1988 على ضرورة إنشـاء نظام لمراقبة التجارة الدولية تسهيلا لكشف الصفقـات المشبوهة و إبـلاغ السلطـات المختصة عنها للقيام بالملاحقة و التحقق ، و قد قامت الدول المهتمة بمكافحة عمليـات تبييض الأموال بإنشاء أجهزة متخصصة في هذا المجال و مـن هـذه الأجهزة ، إدارة خدمة الدخول الداخلية Internal Revenue Services (IRS) في الولايات المتحدة الأمريكية و هيئة تراكفين (Tracfin ) في فرنسا ، و الوكـالة المركزية الأستراليـة
    ( Hustrac ) في أستراليا و لجنة المراقبة لمنع تبييض الأموال في لبنان .
    و مع ذلك لا تزال أجهزة المراقبة تعاني بعض النقائص التي تحد مـن فعاليتها و تتعلق هذه النقائص خصوصا بتنوع القانون المطبق و الغموض فـي المهمات الملقاة على عاتق هذه الأجهزة إضافة إلى أنه ما تزال إنتاجية المراقبة و الملاحقة محدودة إذ أنه من أصل 2800 تصريح بالشبهات مقدمة مـن المصارف الفرنسية أحيل علـى القضاء 90 ملفا فقط ، و قد أشارت مجموعة العمـل المـالي (GAFI ) إلى انـعدام التنسيق بين مختلف الأجهزة بالقيام بمكافحة التبييض(1) .
    و لذلك من الضروري المضي قدوما في تعزيز نظام المراقبة و تفعيل أجـهزة الرقابة الذي ما يزال غير متناسب من المخاطر القائمة ، بالإضافة إلى ضرورة إنشاء وحدة مركزية لتأمين التنسيق في مكافحة التبييض ، تحول دون الفصـل بيـن مختلف حلقات المكافحة .
    ثالثا : عدم وجود نظام معلوماتية متطور :
    إن تفعيل دور أجهزة الرقابة يتطلب توفير نظام معلوماتية متطور يساعدها على كشف المعلومات و تحليلها للوصول إلى الهـدف المنشود أي مكافحة جريمة تبييـض الأموال .
    و تعتبر استراليا أبرز الدول التي أنشـأت نظاما قوميا للرقابة علـى التحويلات البرقية حيث يتم نقل المعلومات من المؤسسات المالية إلى الوكالة المركزية ، و علـى الرغم من ذلك ما تزال هذه الأجهزة غير قادرة على ضبط كل عمليات التبييض بسبب عدم وجود نظام معلوماتية متطور يسمح بالتحقق من مصدر الأموال المعروضة بشكل سري و سريع ، هذا إلى جانب عدم وجود أجهزة معلوماتية في غالبية الدول .
    ومن هنا كانت الضرورة إلى وجود نظام معلوماتية متطـور يسمـح بمراقبـة تحركات المالية و معرفة مشروعية مصدرها ، ثـم تتبع مسارها و كيفية استعمالـها و المجالات التي يستثمر فيها ، و ذلك يتم عن طريق استحداث مركز معلوماتية رئيسي على اتصال وثيق و سري جدا مع المؤسسات المالية على اختلاف أنواعها ، التي تقوم بتزويد المركز الرئيسي بالمعلومات المطلوبة بواسطة التقارير الإلكترونية السرية ، بعد ذلك يقـوم مركز المعلوماتية الرئيسي بتحويل و تحليل هـذه المعلومات و التأكد مـن صحتها و تحديد مصدرها ثم مراقبة تحركها و أوجه استثمارها .
    بالإضافة إلـى ضرورة وجود نظـام معلوماتية متطور يجب إعـادة الكفاءة و تخصصية العنصر البشري الذي يلعب دورا هاما في التحليل و المراقبة ، كمـا يجب إعطاء أجهزة المركز الرئيسي سلطات و صلاحيات عملية و علمية من أجل إجهاض أية محاولة لتبييض الأموال ، كحق إخطار النيابة العامة بوجود جريمة مالية تستدعي التحرك و الملاحقة .
    رابعا: عدم التزام المصارف بالمراقبة و التحقق :
    إن الدور الأول في مكافحة التبييض يعـود بشكل أساسي إلى المصارف التـي تستطيع مراقبة عمليات الإيداع و السحب ، حيث فرض قانون السرية المصرفية فـي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا علـى البنوك إبلاغ إدارة الضرائب (IRS ) عـن كل عملية مصرفية نقدية تزيد قيمتها عن عشرة آلاف دولار(10000 دولار)، و عن كـل عملية دخول أو خروج لعملة أجنبية تزيد عن خمسة آلاف دولار (5000) دولار، غير أن بنوكا عدة لم تلتزم هذه التدابير ، الأمر الذي أدى إلى فرض غرامات مالية عليها .
    و يتضح أن جل المصارف لا تتعاون مع العدالة بما فيـه الكفاية للكشف عـن عمليات تبييض الأموال ، و ذلك من خلال الامتناع عن الإبلاغ عن الحالات المشبوهة بحجة الحفاظ على مبدأ السرية المصرفية ، كما أنها لا تكترث لبروتكول التحقق مـن صاحب الحق الاقتصادي خاصة عنـدما تكـون الوديعة المعروضة عليـها بالملايين الدولارات ، مما يدفعها إلى استقبال هـذه الوديعة الكبرى علـى الرحب و السـعة ، مفرطة بالمصلحة العامة التي تقتضي المكافحة في سبيل مصلحتها الخاصة ، و الواقع أن شروط نجاح المكافحة يتطلب موقفا متيقضا من المصارف يشكل منطلق كل مكافحة للتبييض ، علاوة على كونه خطوة احترازية و تعاونية مع السلطات المختصة ، إلـى جانب التشاور و التعاون بين الجهاز المـالي و السلطة التشريعية و سلطات مراقبـة و مكافحة التبييض بهدف تفعيل النظام و جعله ممكن التحقيق و هذا يتم عن طريق عدة
    مبادئ يجب أن تحترمها المؤسسات المالية و هي :

    1. معرفة الزبون و التحرك لاتقاء مخاطر عمليات تبييض الأموال .
    2. متابعة حركات رؤوس الأموال و العمليات المشبوهة ، و التبليغ عـن الشبهات إلى دائرة مكلفة بمركزة المعلومات .
    3. إحصاء العمليات غير المألوفة أو الشاذة ابتداء من مبلغ معين .
    4. توعية موظفي المصارف و تدريبهم على معرفة تقنيات مكافحة التبييض .

    خامسا: عدم وجود برنامج تدريبي للعاملين في القطاع المالي :
    إن انعدام الخبرة في كشف عمليات تبييض الأموال لدى العاملين بالقطاع المالي بشكل عام و القطاع المصرفي بشكل خاص ، تشكل عقبة كبـرى في وجـه مكافحة التبييض ، حيث يستطيع أصحاب الأموال المشبوهة إضفاء العمليات المـالية المتعددة لإخفاء المصدر غير المشروع لأموالهم بسهولة و حرية مطلقة نظـرا لضعف قدرات الموظفين في التعرف على الصفقات التي يتبعها المبيضون في إنجاز عملياتهم ، و أمام هذه العقبة الكبرى يجب تدريب و تنمية قدرات الموظفين بالبنـوك المختلفة و جمـيع العاملين في القطـاع المـالي على طريقة التعـرف على الصفقات المشكـوك فيـها و الإجراءات السياسية الخاصة لمجابهتها و كذلك الإجراءات القانونية الخاصة بعمليات تبييض الأموال .
    و هذا يتطلب ضرورة عقد دورات تدريبه محليا و عالميا على الطرق المختلفة التي تتبع لإخفاء حقيقة النشاط الجرمي و طرق تمويه المصدر الأساسي للدخل غـير المشروع ، أو تدريـب العاملين في الحقـل المالي على أساليب التمويـه و الحيـل و الألاعيب المختلفة التي يلجأ إليها أصحاب الدخول غير المشروعة لإخفاء حقيقة مصدر أموالهم .
    بالإضافة إلى تدريب العاملين في القطـاع المـالي علـى كيفية الكشف عـن المعاملات التي تثير الشبهات أو المشكوك في مشروعيتها وفقا للقوانيـن العامـة أو الخاصة المعمول بها في المجتمع ، و كذا التدريب على الوصول إلى قرائن التـي يمكن الاستدلال بها على شبهات الجريمة الاقتصادية و محاولات إخفاء حقيقة الدخول الناتجة عن هذه الجريمة بعيدا عن أعين السلطات الرسمية أو أجهزة الرقابة المتعددة ، كما يجب أن تشمل البرامج التدريبية للعاملين في القطاع المالي علـى موضوعـات قانونية تعرفهم و تنمي مهاراتهم و قدراتهم على اتباع الإجراءات القانونية المشروعة للتعامل مع عمليات تبييض الأموال .
    سادسا:عدم تنظيم عمليات الإيفاء النقدي :
    يلجأ المبيضون أحيانا كثيرة إلى تبييض أموالهم عبر قنوات غـير مصـرفية ، كشراء المؤسسات و الشركات و العقارات و المعادن الثمينة ، و دفع ثمنها نقدا و يحبذ الكثيرون استيفاء ثمن صفقاتهم نقدا ، نظرا لما توفره هذه الطريقة من سرعة في انتقال الأموال و إمكانية الاستفادة السريعة من فوائد الاستثمار الفوري ، و عليه يكـون مـن الضروري تحديد سقف للقيمة التي يمكن أن تدفع نقدا .
    و كان نموذج القانون الموضوع من قبل الأمم المتحدة لمكافحة تبييض الأموال قد نص في المادة الأولى منه على ما يلي(1) :
    Art 1 : Any cash payment of a sun greater than that fixed by decree ( variant by order of the minister of finance ).
    Shall be prohibited .
    أي : انه يجب منع الدفع النقدي عندما يتجاوز المبلغ حدا معينا ( يحدده قرار صـادر عن وزير المالية ) على أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار ، قيمة الممتلكات و ليس قيـمة المدفوع ، إذ يمكن و على سبيل التهرب من هذا المنع أن يسقط المبلغ إلى أجـزاء لا تتجاوز السقف المحدد ، بحيث يتم إيفاؤه على دفعات و مبالغ من ذلك السقف .






    (1) د/ صبحي تادرس قريصة و الدكتور عبد الرحمان يسري أحمد : مقدمة في الاقتصاد ، دار الجامعات المصرية 1971 ، ص 331 .

    (2) د/ عبد الرؤوف فطيش : النقود و التشريع المصرفي في لبنان 1994 ، ص 205 .

    (3) د/ الأستاذ نادر عبد العزيز المرجع السابق ص 193 .

    (1) د/ رمزي زكي ، التاريخ النقدي للتخلف ، عالم المعرفة ، الكويت ، 1987 ، ص 257 – 299 .

    (2) الدكتورة غادة عماد الشربيني ، المرجع السابق ص 533 .

    (3) الأستاذ نادر عبد العزيز شافي ، المرجع السابق ص 195 .

    (1) من تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي للأمم المتحدة بفيينا بتاريخ 16/3/1998 .

    (2) د/ غادة عماد الشربيني ، المرجع السابق ص 534 .

    (3) د/ غادة عماد الشربيني ، المرجع السابق ص 534 .

    (1) الأستاذ نادر عبد العزيز شافي ، المرجع السابق ص 202 .

    (1) الأستاذ نادر عبد العزيز شافي ، المرجع السابق ص 203 .

    (2) الأستاذ نادر عبد العزيز شافي ، المرجع السابق ص 204 .

    (1) الأستاذ نادر عبد العزيز شافي ، المرجع السابق ص 205 .

    (2) نعيم مغبغب ، تهريب الأموال المصرفية أمام القضاء الجزائي ، دار الفكر العربي 1986 ، ص 142 .

    (1) الأستاذ نادر عبد العزيز شافي ، المرجع السابق ص 206 .

    (1) الأستاذ نادر عبد العزيز شافي ، المرجع السابق ص 207 .

    (1) الموقع الإلكتروني :W W W ESSAHAB . NET / VB / SHOW THRED . PHP ? T = 942.

    (1) الأستاذ نادر عبد العزيز شافي ، المرجع السابق ص 243 .

    (2) غسان رباح ، قانون المخدرات و المؤثرات العقلية الجديد ص 151 .

    (1) موقع الأنترنيت السابق .

    (1) انظر المادة 65 مكرر 2 و المادة 65 مكرر 3 من قانون الإجراءات الجزائية .

    (2) المادة 389 مكرر 1 من قانون العقوبات .

    (3) المادة 389 مكرر 2 من قانون العقوبات .

    (4) المادة 389 مكرر 3 من قانون العقوبات .

    (1) ارجع إلى المادة 389 مكرر 7 من قانون العقوبات .

    (2) أحمد بن محمد العمري ، المرجع السابق ص 105 .

    (1) المادة 5 من الاتفاقية .

    (2) يلاحظ أن هذه الاتفاقية تقتصر على تجريم تبييض الأموال الناتجة عن المخدرات دون الأعمال غير المشروعة الأخرى ، كالرشوة و الفساد الإداري و السياسي ،و التهرب الضريبي و المتاجرة غير المشروعة في الأسلحة ....

    (1) د/ أحمد بن محمد العمري ، المرجع السابق ص 125 إلى 127 .

    (2) د/ أحمد بن محمد العمري ، المرجع السابق ص 127 .

    (1) القاضي الدكتور روكس رزق ، السر المصرفي ، المؤسسة الحديثة للكتاب ، طرابلس لبنان ص 10 .

    (2) د/ غسان رباح ، المرجع السابق ص 45 .

    (1) د/ بيار صفا ، السر المصرفي ، محاضرات مطبوعة على الآلة الناسخة ، الجامعة اللبنانية ، كلية الحقوق 1971 / 1972 .

    (2) د / عبد القادر العطير ، سر المهنة المصرفية في التشريع الأردني ( دراسة مقارنة ) مكتبة دار الثقافة ، عمان 1991 ص 168 .

    (1) د/ حمدي عبد العظيم ، المرجع السابق ص 248 .

    (1) القاضي الدكتور غسان رباح ، المرجع السابق ص 136 .

    (1) Dr/ Jihad Azour : La lutte contre le blanchiment de l’argent de la drogue dans le monde , P 44 .

    (1) نادر عبد العزيز شافي ، المرجع السابق ص 315 .

    ندرك ان العمر قد ينتهي في أي لحظة

    لكننا مع كل هذا نضبط المنبه لنستيقظ باكرا في اليوم الموالي !!


    || فهل هذا أمل ||



  6. #6

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    2,642
    الجنس
    ذكر
    like
    0
    liked 171 Times in 135 Posts
    معدل تقييم المستوى
    396

    افتراضي رد: بحث حول جريمة تبييض الاموال

    الخاتمــة

    من خلال ما سبق ذكره نخلـص إلى الإشارة إلى أن الربط بين المــخدرات وغسيل الأموال أوقع العديد من الدراسات القانونية في منزلق أدى إلى تصور أنشطـة
    تبييض الأموال جزءا من أنشطة المخدرات فقط ، لكن لم تلبث الجهود العلمية والبحثية
    أن تبينت التمييز بينهما ، بل تتجه الآن إلى القول بظهور مصادر جديدة للأموال غـير المشروعة أكثر أهمـية مـن المخدرات مثل أنشطة المقامرة وتحديدا عـبر الأنترنت والأنشطة الإباحية وأنشطة الفساد الإداري والمـالي المتفـشي بالخصوص في الدول النامية .
    وفي إطار اهتمامنا الجماعي الذي أستغرق أربعة أشهر خلال التربص والـذي سبقه اهتمام فردي قبل ذلك بهذه الجريمة نظرا لما يثيره الموضوع من خطورة ، فقـد
    واجهنا عدة عقبات في أثناء إعـداد هذا البحث سواء في جمـع المراجع والمعلومات أو تحليلها أو صيـاغة المباحث والفصول ، ومـرد هذه العقبات هـو ندرة المراجـع و الأبحاث التي تناولت هذا الموضوع لكونه مستجد والنصوص المجرمة له لم تستكمل بعد ، بحيث أن النص المجرم لهذا النشاط في بلادنا قد صـدر بتاريخ 12/11/2004 وهذا بعـد مباشرتنا للبحث ، كما أنه وعنـد انتهائنا مـن إعـداد المذكرة وبتاريـخ 22/12/2004 قدمت اللجنة القانونية بالمجلس الشعبي الوطني 31 تعديلا من جملة 36 مادة يتضمنها مشروع قانـون الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما وقد ركز السيد وزير العدل حافظ الأختام خلال عرضه لهذا المشروع على الدور الذي أولاه القانون للجنة الاستعلام المالي في محاربة الآفتين ، وأعتبر أن التدابير التي جاء بها مشروع القانـون تعـد استكمالا للتدابير التي تضمنها قانـون العقوبات في مجال مكافحة هذه الجريمة .
    ورغم تجاوب الجزائر على غرار العديد من الدول لما دعت إليه اتفاقيـة فيينا
    المتعلقة بمكافحة المخدرات المبرمة خـلال سـنة 1988 ، وذلك بإصدارها لقوانـين تتصدى لهـذه الظـاهرة و مخاطرها ، إلا أن هذه التجاوبات تبقى قاصرة بالنظر إلى الخطر المحدق الذي تشكله هذه الجريمة بالمجتمع الدولي بصفة عامـة جراء سرعـة انتشارها وتعدد وتعقد التقنيات التي تستعمل فيها ، وهو ما يحتم ضرورة تظافر الجهود
    على المستوى العالمي للحـد منها ، وقد انتهينا من خـلال هذا البحث إلى جملة مـن الاقتراحات نرى ضرورة الأخذ بها للقضاء على هذه الآفة وهي كالتالي :
    * فيما يتعلق بالإطار القانوني :

    1. إن البناء القانوني القائم بما يحتويه من ثغرات يمكن غاسلي الأمـوال النفاذ من خلالها لتحقيق أنشطتهم غـير المشروعة ، وهـو ما يحتم على الدول ضرورة الإحاطة بالمحتوى الفني لعمليات التبييض ، والواقـع القانوني الذي يتيح النفاذ بالإضافة إلى تبيين خصائص النظام المـالي والأنشطة البنكية ، وبهذا تتضـح بشكل دقيق الصـور الجرمية المتعين اتخـاذ التدابير لمكافحتها وهـو المدخل الإستراتيجي لإيجاد آليات المكافحة .
    2. ضرورة تجريم نشاط تبييض الأموال بمقتضى نص جنائي خاص يعكس كافـة جوانب هذا النشاط ، ولإعطاء مثل هـذا النص فعالية كبيرة فإنه يتعين الأخـذ بالتدابير الآتية :
      • الالتزام بالصياغة الدقيقة لهذه الجريمة والابتعاد عن مظاهر التوسـع في التجريـم ، وذلك بتبيان صـور السلوك المكـون للركن المـادي لـها والمقصـود بالمحـل الذي يرد علـيه النشاط ، وفي ما يخص الركـن المعنوي فإنه ولضمان ملاحقة جزائية فعـالة يجب أن يتم تحديد نطاق العلم بالقانون ، وإزالة كل التباس في هذا الصدد .

    ب-اعتبار جريمة تبييض الأمـوال واستخدام عائداتها جريـمة غـير قابلة للتقادم ، أو جريمة مستمرة لا يبدأ تقادمها إلا منذ اليوم التالي لإنتهاء النشاط أو استخدام العائدات .
    جـ- اتخـاذ إجراءات رادعة في هذا الشـأن ، وذلك بتشديـد العقوبـات خصوصا المالية منها .

    1. ضرورة تعميق أواصر التعاون الدولي فيما يتعلـق بمكافحة هذه الآفة ، وذلك بتنسيق الجهود والإجراءات والقوانيـن التي تحقق لمختلف الدول مزايـا تعقب الجريمة والمجرمين ومصادرة أموالهم داخل البلاد وخارجـها ، مع مراعـاة احترام السيـادة التشريعية والقضائـية لكل دولة ونرى أن ذلك يتم من خـلال التدابير التالية :
      • العمل على الاستفادة من تجـارب بعض الدول المتقدمـة في مواجـهة عمليات التبييض كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا .

    ب- ضرورة إصدار اتفاقية دولية لمكافحة هذه الجريمة ، وذلك بتجريمـها
    وتجريم كافة الصور المرتبطة بها وهذا في إطار منظمة الأمم المتحدة .
    ج- إنشاء وكالة أو مؤسسة عالمية تتولى مسؤولية مكافحة عمليات التبييض على المستوى الدولي ، وتعمل على التنسيق بين مختلف الدول لتحقيق ذلك .
    د- إيجاد قائمـة دولية للمدانـين فـي جرائم المخدرات وتبييض الأمـوال وأصحاب السوابق والمشبوهين ، تشمل الأفراد والمؤسسـات والشركـات بحيث يتم تغذية هذه القوائم من قبل وزارات العدل والداخلية في دول العالم.
    هـ- التوسع في الاتفاقيات الخاصة بتسليم المجرمين بإعتباره آلية مشجعـة للمكافحة .
    و- جعل نظام الاختصاص الجنائي الدولي بملاحقة هـذا النشاط الإجرامي لكافة الدول التي وقع على إقليمها نشاط التبييض أو استخدام عائداته ، بدون الانتقاص من مظاهر السيادة القضائية الوطنية ، بحيث ان اتفاقية فيينا تقرر
    أنـه لا يجـوز لأي دولة طرف أن تقوم على إقليم طـرف آخر بمباشـرة الإجراءات التي يقتصر الاختصاص بها على سلطات ذلك الطرف الأخـر بمقتضى قانونه الداخلي .
    ي- الاعتراف بحجية الحكم الجنائي الصادر في إحدى الجرائم المنظمة على إقليم دولة ما أمام محاكم الدول الأخرى ، وعلى وجه الخصوص تلك الدول التي وقعت فـوق إقليمها عمليات التبييض أو أحـد العناصر المكونة لهـذه العمليات .
    * فيما يتعلق بالإطار المصرفي :
    باعتبار أن البنوك تعد المستهدف الرئيسي في عمليـات التبييض نظرا لدورهـا المتعاظم في تقديم مختلف الخدمـات المصرفية ، وتحديدا عمليـات الصرف والتحويل النقدي ، فإن البنوك ذاتها تعد رأس الحربة في مكافحة أنشطة التبييض وهـذا لحمايـة نفسها أولا مـن المخاطر المـالية والمسؤوليات القانونـية المترتبة على خوضـها أو مشاركتها في هكذا أنشطة من جهة ، ومن جـهة أخرى للمشاركة الفاعلة في الجهـد الدولي لمكافحة جرائم تبييض الأموال .
    ولتقوم البنوك بدور فعال في هذا المجال فإنه يتعين الأخذ بإستراتيجية تقوم على الأسس الآتية :

    1. محاربة ظاهرة البنوك الوهمية التـي تقـوم بدور خفي في عمليـات التبييض وذلك بتقييد الترخيص بإنشاء البنوك بشروط تكشف جديتها وشرعية نشاطـها وهذا لتفادي ما حدث ببلادنا خصوصا من خلال انهيـار بنك الخليفة والبنـك الصناعي والتجاري .
    2. ضرورة قيام البنـك المركزي بإلغاء ترخيص أي بنك يثبت تورطه في القيـام بعمليات التبييض ، وهذا ما تم في بلادنا من خلال مشروع قانون الوقاية مـن تبييض الأموال والذي أقـر صلاحيات واسعـة للجنة المصرفية التابعة لبنـك الجزائر في مجال مراقبة البنـوك والمؤسسات المالية وضرورة توفرهـا على برامج الكشف عن عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب .
    3. ضرورة إيجاد إدارات متخصصة في البنوك على شكـل خلايا استعلام وهـذا لأجل مكافحة استخدام الحسابات والخدمات البنكية في عمليات التبييض ، وهذا مكرس في بلادنا من خـلال خلية الاستعلام المالي المنشـأة بموجب مرسـوم تنفيذي صادر في أفريل 2002 ، والتي منحت لها في مشروع قانون الوقايـة من تبييض الأموال صلاحيات واسعة للتحقيق والتحري في مصادر الأمـوال على ضوء الملفات التي تخطرها بها مختلف البنوك واللجنة المصرفية .
    4. على البنك عدم التهاون في التوثق من هوية العميل ، وتحديدا لدى بدء التعامل سواء كان الشخص طبيعيا أو معنويـا، وكذلك التوثق مـن مصدر الأمـوال ووجهتها ، وقد جاء مشروع قانون الوقاية مـن تبييض الأمـوال ضمن هـذا الإطار بحيث فرض على البنوك التأكد من هوية وعناوين زبائنها قبل فتح أي حساب أو القيام بأية عملية مالية ، مـع الاستعلام بكل الطـرق القانونية عـن مصدر هذه الأموال ووجهتها .
    5. اعتماد سياسة التقارير الدورية حول النشاط البنكي وتحليل معطياتها مع إحالتها للجهات المختصة بالرقابة .
    6. اعتمـاد إجراءات جزائية صارمـة في حـق الموظفين والأعـوان ومختلف المسؤولين في البنوك والمؤسسات المالية إذا خالفوا واجب الإخطار أو ساهموا بأي شكل من الأشكال في هذه الجريمة ، وفي هذا السياق أقر مشروع قانـون الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب عقوبات مالية على كل من يقـوم بدفع أو يقبل دفعا خرقا لأحكام هذا القانـون ، وضاعفـها إذا تعلقت المخالفة بالخاضعين أو المكلفين بالإخطار .

    *فيما يتعلق بجانب التأطير البشري والكفاءات :

    1. ضرورة إيجـاد برامج تدريبية ومناهـج دراسية في كليات الحقـوق ومدارس الدرك والشرطة والمعاهد المصرفية والإعدادية المعنية بهـذا المجـال ، وذلك لتأطير كوادر بشرية قادرة على التعامل مع هذه الظاهرة في أماكن المواجـهة الميدانية .
    2. ضرورة رفع مستوى العاملين في ميدان التحقيقات الجنائية وهذا لكـون الكثير منهم غـير ملم بمتطلبات التحقيق في جرائم تبييض الأمـوال ، وذلك لتشعب وقائعها وتعدد أطرافها وكثرة المستندات التي تحتاج إلى فحص دقيق لاستخراج أدلة الإثبات ، ويتم ذلك من خلال التربصات ودورات الرسكـلة وهو ما تـم تجسيده مـن خلال الملتقى المنظم خلال شهر أكتوبر 2004 بالمعـهد الوطني للقضاء والذي حضره وكلاء الجمهورية وعمداء قضاة التحقيق .
    3. بالنسبة للبنوك فإن الخطورة تكمن في عدم تعميمها لأدلة وطرق المكافحة على كافة موظفيها وانحصارها في فئة الإدارة العليا، وهـو سلوك خاطئ لأن أكبر عمليات التبييض كشفت في الغالب من طرف موظفين حذقين لاحظوا أنشـطة مريبة سـواء على الزبائن أو أشخاص إدارات البنك ، وعليه فيجب إخضـاع الموظفين إلى برامج تدريبية عملية تتناول تحليلا معمقا لحالات تتصل بأنشطة دوائر البنك المختلفة ، وهي حالات إمـا واقعية أو افتراضية لكنـها بالنتيـجة حالات يمتحن فيها قدرة الموظف على التقاط ما يسمى بالحالة المريبة .

    في الأخير وبالنظر إلى كـون ظاهرة تبييض الأمـوال بكل آثارها الضـارة على المجتمع والأمن والاقتصاد حديثة نسبيا ، فإن مكافحة هذه الجريمة والعمل للحد من اتساع نطاقها وتفاقم أضرارها هو – بالنسبة لنا كقضاة الغد – مـن جـهة واجب علمي يتطلب إجراء الدراسات وإعداد البحوث وتقديم المقترحات – وهو ما حاولنا القيام به من خلال عملنا هذا المتواضع ، وإن كنا نأسف لكوننا قد أنجزناه في ظل عـدم اكتمال المنظومة القانونية الشاملة المحاربة لهذه الآفة ، وخصوصا قانـون الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتها والـذي مازال قيد العرض على المجلس الشعبي الوطني – ومن جهة أخرى هو واجب ميداني يقتضي سلامة التطبيق لقواعد الإجراءات الجزائية بصورة صحيحة تضمن عدم التعرض للبريء
    وعـدم الإفلات للمذنب ، وهذا لنواكب التطورات الجارية على المسـتوى العالمي ولأجل أن تبقى العدالة في خدمة الفرد واستقرار المجتمع .



    قائمة المراجع المعتمدة

    أولا : بالغة العربية

    1. – المراجع العامة :
      1. د/ أحسن بوسقيعة- المنازعات الجمركية ، الطبعة الثانية ، دار النخلة .
      2. د/ أحسن بوسقيعة – الوجيز في القانون الجنائي العام ، الديوان الوطني للأشغال التربوية ، الطبعة 2002 .
      3. د/ أحسن بوسقيعة – الوجيز في القانون الجنائي الخاص ، الجزء الثاني دار النخلة 2003 .

    4- د/ أحمد لعرابة – دروس و محاضرات ألقيت على الطلبة القضاة الدفعة 13 من السنة الثانية ، السنة الدراسية 2003- 2004 بالمعهد الوطني للقضاء .
    5- د/ رمزي زكي ، التاريخ النقدي للتخلف ، عالم المعرفة الكويت 1987.
    6- د/ حسن المرصفاوي – قانون العقوبات الخاص ، منشأة المعارف ، الإسكندرية
    1993
    7- د/ حسين كامل مصطفى – الرقابة على النقد والتجارة الخارجية في الجمهورية العربية المتحدة – مكتبة القاهرة الحديثة 1967 .

    1. د/ عبد الفتاح الصيفي – المطابقة في مجال التجريم ومحاولة فقهية لوضع نظرية عامة للمطابقة ، دار النهضة العربية طبعة 1991 .
    2. د/ صبحي تادرس قريصة والدكتور عبد الرحمان سيري أحمد –مقدمة في الإقتصاد دار الجامعات المصرية 1971 .

    10- د/ محمد حسين هيكل- زيارة جديدة للتاريخ ، شركة المطبوعات للطباعة والنشر ، بيروت لبنان 1985 .
    11- د/ محمد نجيب حسني – شرح قانون العقوبات القسم العام ، دار النهضة العربية ، الطبعة السادسة .


    • المراجع الخاصة :

    1- د/ أحمد بن محمد العمري – جريمة غسيل الأموال ، مكتبة العبيكات 2000 .

    2- د/ سليمان عبد المنعم - ظاهرة غسيل الأموال غير النظيفة- مجلة الدراسات القانونية الصادرة عن كلية الحقوق بيروت ، العدد الأول ، المجلد الأول سنة 1998

    3- د/ مهدي أبو الفطيم – مقال حول جريمة غسيل الأموال منشور في الأنترنت على الموقع fadha .com . w.w.w. .

    4- د/ صلاح الدين السيسي – القطاع المصرفي وغسيل الأموال – عالم

    الكتب 2003 .
    5- د/ رياض فتح الله بصيلة – جرائم بطاقات الإئتمان – دار الشروق
    القاهرة 1995 .
    6- د/ جلال وفاء محمدين – دور البنوك العربية في مكافحة غسيل الأموال
    دار الجامعة الجديدة للنشر 2004 .
    7-الأستاذ نادر عبد العزيز – دراسة مقارنة – رسالة الماجستير في قانون
    الأعمال ، تقديم القاضي الدكتور غسان رباح ، منشورات الحلبي بيروت.
    8-حمدي عبد العظيم – غسيل الأموال في مصر والعالم – دار الفكر
    العربي 1997 .
    9- سليمان عبد المنعم – مسؤولية المصرف الجنائية عن الأموال غير
    النظيفة – دار الجامعة الجديدة للنشر ، الإسكندرية الطبعة 1999 .
    10- عبد الله عبد العزيز – جريمة تبييض الأموال ، بحث لنيل شهادة
    الماجستير ، كلية الحقوق والعلوم الإدارية بن عكنون الجزائر .
    11- د/ غادة عماد الشربيني – المسؤولية الجنائية عن الأعمال البنكية
    ( دراسة مقارنة ) دار أبو المجد للطباعة بالهرم 1999 .
    12- نعيم مغبغب – تهريب الأموال المصرفية أمام القضاء الجزائي دار
    الفكر العربي 1986 .
    13- عبد الرؤوف مهدي – المسؤولية الجنائية عن الجرائم الإقتصادية ،
    منشأة المعارف 1976 .
    14- د/ عبد الرؤوف فطيش – النقود والتشريع المصرفي في لبنان 1994.
    15- القاضي الدكتور روكس رزق – السر المصرفي المؤسسة الحديثة
    للكتاب طرابلس .
    16- د/ بيار صفا – السر المصرفي، محاضرات مطبوعة ، الجامعة اللبنانية
    كلية الحقوق للسنة الجامعية 1971 –1972 .
    17- د/ عبد القادر العظيم سر المهنة المصرفية في التشريع الأردني ( دراسة
    مقارنة ) مكتبة دار الثقافة عمان .
    18- د/ غسان رباح – قانون العقوبات الإقتصادي – منشورات حسون
    الثقافية بيروت 1990 .
    19- د/ غسان رباح – قانون المخدرات والمؤثرات العقلية الجديد .
    20- مهدي محفوظ – علم المالية العامة والتشريع المالي والضريبي – دار الكتب
    القاهرة
    جـ) النصوص القانونية :
    1-القانون رقم 90-36 المؤرخ في 31-12-1990 المتضمن قانون المالية 1991 .

    1. القانون 91-25 المؤرخ في 18-12-1991 المتضمن قانون المالية 1992 .
    2. القانون 95-06 المتضمن قانون المنافسة.
    3. الأمر 96-22 المؤرخ في 09 يوليو 1996 المعدل والمتمم بالأمر 03-01 المؤرخ في 19فبراير 2003 المتعلق بقمع مخالفات التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج .
    4. قانون مكافحة تبييض الأموال اللبناني الحامل رقم 318 المؤرخ في 20 نيسان 2001 .
    5. القانون 04-14 المؤرخ في 10نوفمبر 2004 المعدل والمتمم للأمر 66-155

    المضمن قانون الإجراءات الجزائية.
    7- القانون 04-15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 المعدل والمتمم للأمر
    66 –156 المتضمن قانون العقوبات الجزائري .
    8- إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الإتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات
    العقلية المبرمة بفيينا في ديسمبر 1988 .
    9- قانون العقوبات الفرنسي الجديد – دالوز طبعة 2000 .
    10- القانون الفرنسي 90/614 المؤرخ في 12-07-1990 والخاص بمشاركة
    الهيئات المالية في مكافحة تبييض الأموال الآتية من المخدرات .
    11- القانون الفرنسي رقم 96/392 المؤرخ في 13-05-1996 المتضمن مكافحة
    التبييض واستخدام عائدات الجرائم .
    د) الدوريات والمنشورات والمقالات :

    1. تقرير المجلس الإقتصادي والإجتماعي للأمم المتحدة بفيينا بتاريخ 16-03-1998 .
    2. مجموعة أحكام محكمة النقض المصرية .
    3. مجلة الكويت العدد الأول الصادرة بتاريخ 01-01-1998 .
    4. نشرة الأمم المتحدة سنة 1998 .
    5. ملحق الأهرام الإقتصادي بتاريخ 29-05-1998 .

    6-المحامي يونس عرب – دراسة في ماهية ومخاطر جرائم غسيل الأموال
    والإتجاهات الدولية لمكافحتها وبيان مخطط المصارف لمواجهة هذه الجرائم ، نشرت في مجلة البنوك الأردن – العدد الأول لشهر فيفري 2004 .
    هـ) مواقع على شبكة الأنترنت :

    1. w.w.w.Fadha . com .
    2. w.w.w.Essahab . net vb show thred . bh ? t = 942 .
    3. w.w.w.Jorad . p.d.z .

    ثانيا: باللغة الأنجليزية

    BARBARA Webester and michel : S.M.G compbell :- international money loundering – National of Justice ( September 1998 ) Fesearch in Brief .
    ثالثا : باللغة الفرنسية

    - V- ander Bossard- la criminalité internationale . PNE . paris 1988

    ندرك ان العمر قد ينتهي في أي لحظة

    لكننا مع كل هذا نضبط المنبه لنستيقظ باكرا في اليوم الموالي !!


    || فهل هذا أمل ||



 

 

المواضيع المتشابهه

  1. مذكرة تبييض الاموال و اثاره على الاقتصاد
    بواسطة روآء الروح في المنتدى مذكرات تخرج و رسائل جامعية في العلوم الاقتصادية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01-12-2011, 21:01
  2. تبيض الاموال
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى مذكرات التخرج و أطروحات العلوم القانونية والادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-08-2011, 14:25
  3. جريمة تبييض الأموال وفقا لأحكام المادة 389 مكرر من قانون العقوبــات
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى مذكرات التخرج و أطروحات العلوم القانونية والادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-10-2010, 19:55
  4. تبييض الاموال
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى مذكرات التخرج و أطروحات العلوم القانونية والادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-10-2010, 17:17
  5. جريمة تبييض الاموال
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى مذكرات التخرج و أطروحات العلوم القانونية والادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-10-2010, 12:29

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Powered by vBulletin® Version 4.2.1
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Translate By Almuhajir
Image resizer by SevenSkins
جميع الحقوق محفوظة لشبكة و منتديات طموحنا
الساعة الآن 22:33