مفهوم الجريمة

الجريمة هي أي فعل يؤدي إلى انتهاك القانون ويعاقب صاحبه من قبل الدولة .
ورغم ما يشاهد من انسجام لهذا التعريف مع مختلف القوانين، إلا أنه لا يخلو من العيوب، شأنه شأن جميع التعاريف في مجال العلوم الإنسانية، وأهم هذه العيوب:
1 ان بعض المجتمعات لا توجد لديها قوانين مكتوبة حتى اليوم.
2 ان المشرعين لا يستطيعون الإحاطة بكل الأفعال الإجرامية أو الضارة بالمجتمع فيخلو التشريع من ذكرها بالتحديد.
3 ان القانون قد يكون مفروضا من سلطة محتلة أو أخرى ظالمة، وفي هذه الحالة لا يعبر سوى عن رغبة السلطة التي سنته، مما يجعل الامتثال له قليلا، لأنه لا يستند على إرداة الأمة واقتناعها به.
4 لا يمكن اعتبار كل مخالفة للقانون جريمة، ولا كل مخالف للقانون مجرما، فالقانون يحظر أفعالا غير إجرامية كثيرة، وقد يقوم بها أشخاص لا يوجد لديهم أي دافع أو تكوين إجرامي.
ثانيا: تعريف الجريمة في علم الاجتماع:
اختلفت مدارس علم الاجتماع وكذلك علماؤه في تعريف الجريمة، وقد أدى هذا الاختلاف إلى ظهور عدد من التعاريف ذات الاتجاه الاجتماعي، ومن أشهرها تعريف (سالن Sallin) حيث يقول : الجريمة هي انتهاك للمعايير الاجتماعية , وتأتي شهرة هذا التعريف من كونه جمع كثيرا من الاعتبارات الاجتماعية في عبارة قصيرة، فالعادات والتقاليد والأعراف والقانون كلها معايير اجتماعية, ومن أهم الانتقادات الموجهة إلى هذا التعريف ان المعايير الاجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر، ولعل ذلك هو ما دفع العالم (Rafaele Garofalo) إلى تصنيف الجرائم إلى جرائم طبيعية وجرائم مصطنعة، الأمر الذي أظهر تعريف (Sallin) وكأنه تعريف يخص مجتمعا واحدا، فقد قسم جاروفالو الجريمة إلى نوعين: جريمة طبيعية، وجريمة مصطنعة.
فالجريمة الطبيعية هي ذلك الفعل الذي لا يختلف شعور الناس تجاهه بأنه جريمة مهما اختلفت المجتمعات والأزمنة، كالاعتداء المادي أو المعنوي على الأفراد، والاعتداء على الأموال والممتلكات، أما الجريمة المصطنعة فهي الأفعال المنتهكة لمكونات ثقافية مصطنعة، أو ما يسمى بالعواطف غير الثابتة كالديانات والعادات والتقاليد, ولعل نظرية جاروفالو هذه من أكثر النظريات انسجاما مع الواقع الثقافي المعاصر، ذلك أنه لا يمكن بحكم هذا الواقع، أن يتم الحصول على تعريف اجتماعي واحد يكون مقبولا تماما في كل المجتمعات، أوعلى الأقل عند كل علماء الاجتماع، وعلى هذا الأساس فإن النقد الموجه لهذه النظرية من زاوية عدم تشابه عاطفتي الشفقة والأمانة لدى كل المجتمعات، وهو نقد جاء به العالم (Durkheim) نقد ضعيف لأنه لم يأخذ في الاعتبار أن الشعوب والثقافات قد لا تتفق على تعريف آخر أكثر من اتفاقها على هذا التعريف في هذا العصر بالذات، ثم انه يؤخذ على هذا النقد أن العواطف تتشابه لدى كل المجتعات لكنها لا تتطابق تماما، والأخذ بمسألة واحدة تتشابه عواطف كل الشعوب تجاهها، خير من تركها حتى يتحقق التطابق العاطفي التام.
ثالثا: التعريف الاجتماعي القانوني للجريمة:
يأخذ التعريف الاجتماعي القانوني للجريمة بمسألة الخروج على المعايير الاجتماعية وانتهاك القانون في آن واحد، ومن هذا المنطلق عرفت الجريمة بأنها: كل سلوك مؤذ وضار اجتماعيا، ويتعرض صاحبه للعقاب من الدولة .
وهي أيضا : كل فعل انتهك القيم الاجتماعية التي حددتها الغالبية العظمى من الهيئة التي وضعت القانون الذي يجسد هذه القيم .
رابعا: التعريف النفسي للجريمة:
شهد هذا الجانب، مثله مثل الجوانب السابقة، اختلافات أخرى، غير أن الاختلافات في مجال علم النفس تبدو أقل بسبب أنه ركز على جانبين في تعريفه للجريمة:
الأول :ان الجريمة غريزية.
الثاني: ان الجريمة فعل لا إرادي ناتج عن صراعات نفسية تحدثها مكبوتات اللاشعور.
ففي الجانب الأول عرفت الجريمة بأنها:
فعل يهدف إلى إشباع غريزة إنسانية ,, وصادف هذا الإشباع خلل كمي أو شذوذ كيفي في هذه الغريزة انهارت معه الغرائز السامية والخشية من القانون .
وفي الجانب الثاني عرفت الجريمة بأنها:انعكاس لما تحتويه شخصية الفرد من مرض نفسي,, يعبر عن صراعات انفعالية لا شعورية ولا يعرف الفرد صلتها بالأعراض التي يعاني منها .
بعض تعاريف علم النفس تمزج بين المفهوم النفسي والقانوني والاجتماعي للجريمة ومن قبيل ذلك تعريف يقول :الجريمة فعل إنساني يسأل عنه الفرد ويتحمل عواقبه إذا توافرت الإرادة والحرية والاختيار , ومما يلاحظ على التعاريف النفسية للجريمة أنها تركز على الحالة الصحية للنفس والعقل لدى الشخص وقت ارتكابه للفعل، وهي أمور تتطلب فحصا علميا متخصصا في الطب والعلاج النفسي، والطب العقلي، لإثبات اعتلال الصحة النفسية من عدمه قبل المحاكمة، وهناك من السلطات القضائية بل الدينية بشكل عام في بعض المجتمعات من لا تزال تنظر إلى علم النفس على أنه ضرب من الكفر.
إن علم الجريمة والعقاب علم واسع ومعقد، ويدخل في تراكيب وتفاعلات مفاهيمه كل مكونات المعرفة الإنسانية,, وما أوردناه من تعاريف ليس إلا اختصارا لعدد كبير وموسع من التعاريف التي احتوتها معظم الدراسات العربية والأجنبية في مجال علم الجريمة والعقاب، وهي في صياغتها ومواضعها الأساسية، وفي صورها المختصرة هذه تدل بوضوح على أنه قد أصبح لدى العلماء والباحثين والمفكرين اقتناع بوجود عوامل موضوعية وراء الإجرام، تشرك المجتمع ومؤسساته في المسؤولية عن السلوك الإجرامي، أو تخفف من العقاب على الجاني، أو تدرأ العقوبة بإخراج الجاني من نطاق المسؤولية الأخلاقية عن فعله، وهي العوامل نفسها التي دعت المشرعين إلى تصنيف الجرائم حسب شدتها إلى :جناية جنحة مخالفة, ويمكن تقسيم هذه العوامل إلى ثلاثة محاور، كل محور يحتوي على عدد من التفريعات على النحو الآتي:
المحور الأول البيئة الأساسية للمجتمع وتشمل:
البيئة الجغرافية البيئة الثقافية البيئة الدينية القيمية البيئة العائلية البيئة السياسية البيئة الاقتصادية البيئة التعليمية البيئة السكانية التغير الاجتماعي.
المحور الثاني المعايير الأخلاقية والمثالية السائدة وتشمل:
الضوابط الاجتماعية التقليدية والرسمية نظام التدرج الاجتماعي الدخل والثروة المنافسة والصراع .
المحور الثالث العوامل الشخصية وتشمل:
الوراثة التكوين النفسي التكوين العضوي.
من المؤكد أن هذا التحول لم يكن سريعا أوسهلا، فقد بدأت بوادر التفكير في الأسباب الموضوعية للسلوك الإجرامي منذ عام 1586م على يد العالم (ديلابورطا Della Borta) حين تحدث عن وجود علاقة بين الجريمة والعيوب الجسمية الظاهرة على الفرد، إلا أن بعض الموروثات الثقافية السيئة عن العصور القديمة والوسطى استمرت تتناقلها الأجيال كحجر لم يتبدل حتى العصر الحديث في بعض المجتمعات، من ذلك أن عقوبة الخرق على الخازوق ظلت تطبق في أوروبا حتى عام 1786م، كما أن الاتجاه الكنسي بالتخلي عن فكرة أن المجرم شيطان يجب استئصاله من المجتمع لم يظهر إلا في القرن الثامن عشر, وعلى الرغم من البطء الشديد للتغير الاجتماعي بعامة ووجود عوائق تلقائية وأخرى مصطنعة اعترضت سبيل هذا التغير فإن من الواضح أن التطورات الفكرية في مجال تفسير السلوك الإجرامي كانت سببا في تطور أهداف العقاب وتحولها من الرغبة في الانتقام من الجناة إلى الرغبة في إصلاحهم وإعادة تأهيلهم، والتحول من العقوبات الاستئصالية والبدنية إلى العقوبات السالبة للحرية ومنها السجن، ولكون المجتمعات الغربية حديثة عهد بعقوبات القرون القديمة والوسطى، فقد ظهرت عقوبة السجن على أنها اتجاه إنساني, ويبدو أيضا، أنه بازدياد التطور الفكري، بدأ النقد يطال هذه العقوبة، وازدادت القناعة بضرورة الإصلاح من نظم السجون، وتحويلها من مؤسسات عقابية بحتة، إلى مؤسسات إصلاحية، إلى جانب كونها تنضوي على إجراء عقابي كما هو الحال عندما بدأ إصلاح نظم السجون في أمريكا بعد الحرب الأهلية، ثم تحول هذا الاتجاه إلى برنامج رسمي في الولايات المتحدة الأميركية لتحسين أساليب التعامل مع المذنبين، وتطبيق بدائل الإجراءات الجنائية والعقابية وبرامج الخدمة الاجتماعية في جميع مراحل الدعوى الجنائية، وذلك في عام 1968م.
ويمكننا في نهاية هذا الموضوع أن نخلص إلى مجموعة حقائق واستنتاجات من أهمها:

 

 


1 ان التغير الفكري سمة لازمت الإنسان منذ الأزل القديم لكن هناك عوائق مادية ومعنوية ، طبيعية ومصطنعة، اعترضت طريقه مما أدى إلى ركوده أوتقهقره أو الإبطاء من سرعته.
2 ان تطور العقاب مرتبط ارتباطا تاما بالتطور في مجال تفسير السلوك الإجرامي وتابع له.
3 ان المؤسسات التشريعية في المجتمعات الغربية نظرت إلى عقوبة السجن كاتجاه إنساني في معاملة المذنبين، قياسا على العقوبات الوحشية التي كانت تطبق في المجتمعات الغربية خلال العصور القديمة والوسطى.
4 ان نتائج البحوث العلمية والفكرية لا تحدث التحول المطلوب في المجتمع بشكل سريع وفعال، ما لم يكن هناك سعي حقيقي من السلطة نحو الأفضل، بحيث تقبل تلك النتائج وترعاها.
5 إن العقوبة في معظم مجتمعات العصر الحديث، وبخاصة في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، لم تعد غاية في حد ذاتها، وإنما أصبحت وسيلة تهدف إلى العلاج والوقاية.
6 ان هناك ستة اتجاهات في تعريف الجريمة هي:
الاتجاه الإسلامي الاتجاه الاجتماعي الاتجاه القانوني الاتجاه الاجتماعي القانوني الاتجاه النفسي الاتجاه النفسي القانوني الاجتماعي.
7 انه لا يوجد تعريف للجريمة متفق عليه بين مختلف الثقافات والتخصصات العلمية، فالوقت لم يحن بعد.
8 ان تقسيم جاروفالو للجريمة إلى طبيعية ومصطنعة يمكن أن يكون مدخلاً لإيجاد تعريف متفق عليه للجريمة الطبيعية على أساس أن الشفقة والأمانة تتشابه لدى كل المجتمعات، وليس من المنتظر أن تتطابق في المستقبل القريب، وما لا يدرك كله لا يترك جله، أما الجريمة المصطنعة فسوف يبقى الاختلاف على تعريفها قائما طالما أن هناك اختلافات ثقافية كبيرة بين المجتمعات، وسوف تتقلص هذه الاختلافات كلما زاد عدد المجتمعات الموجودة على مقدمة مذنَّب الحضارة بسبب انتقال مجتمعات إلى هذا الموقع بعد أن وصلت من الرقي الحضاري إلى مستوى يؤهلها لهذا الانتقال، وهنا يكون التجانس الحضاري قادرا على إيجاد تعريف موحد للجريمة لا يشذ عنه إلا مجتمع ما زال على ذيل المذنَّب الحضاري.
9 ان المشرعين قد أحسنوا صنعا عندما قسموا الجرائم إلى : جناية جنحة مخالفة وكم سيكون مفيدا لو أن المشرعين تخلصوا من عيب دقيق في هذا التقسيم يتمثل في أنه تم في إطار لفظ الجريمة ومفهومها العام، فالمشرعون عندما قالوا : (تقسيم الجرائم) أبقوا المخالفة والجنحة جريمة، فجُرد هذا التقسيم من هدفه، ولجعل هذا التقسيم يحقق هذفه نقترح تعديل عبارة (تنقسم الجرائم) إلى عبارة (تقسيم الأفعال المعاقب عليها) ثم يتم إحلال لفظة (جريمة) محل لفظة (جناية) ليصبح التقسيم على النحو الآتي:
(تنقسم الأفعال المعاقب عليها إلى : جريمة جنحة مخالفة ) وهذا التقسيم المقترح سيسهل، ايضا، وصف من يرتكب فعلاً يعاقب عليه فيصبح: (مجرما، جانحا، مخالفا) (مجرمة، جانحة، مخالفة).


lti,l hg[vdlm