القيم الاجتماعية

" ... فالقيم عموما من اهم الديناميات التي توجه سلوك الفرد في حياته اليومية ، وهي تمثل المراكز النشطة غي الجهاز النفسي الاجتماعي لكل فرد التي تستقبل الاحداث المادية بصورها المختلفة ثم تقوم بعملية انتاج السلوك الذي يقود بدوره الى تكوين العلاقات البشرية في الجماعات المختلفة .
والقيمة الاجتماعية في ابسط حالاتها تنشأ وتتكون في مواقف المفاضلة والاختيار حيث يتحتم على الفرد اختيار احد حلين بقدر ما تسمح به قداراته وامكانياته .
وكلما ازدادت خبرة الانسان بمثل تلك المواقف – اقصد مواقف المفاضلة – كلما تكونت لديه القيم الاجتماعية ، ونضجت واستقرت وكونت له جهازا يستطيع عن طريقه ان يحكم على الاشياء والاحداث .
ولذا فانه يمكن تعريف " القيم الاجتماعية " بانها مجموعة من الاتجاهات العقلية التي تكون فيما بينها جهازا شبه مقنن يستخدمه الانسان في قياس وتقدير المواقف الاجتماعية .
وتمر القيم بمراحل عديدة حتى تستقر وتصبح هي الوحدات المعيارية في الضمير الاجتماعي لدى الانسان ، وأثناء هذا التطور والنمو تأخذ القيمة الاجتماعية صفة الثبات النسبي .
والقيمة تمثل ركنا اساسيا في تكوين العلاقات البشرية ، اذ أن القيمة هي التي تنتج السلوك ، والسلوك ( التفاعل الاجتماعي ) هو الذي يؤدي الى تكوين شبكة العلاقات البشرية ، وهذه الاخيرة تؤثر مرة اخرى على تكوين القيم وتطويرها ...."
- اسس القياس النفسي الاجتماعي – دكتور سعد عبد الرحمن – مكتبة القاهرة الحديثة – 1966





... ان القيم تمرر من جيل لآخر عن طريق عمليات التنشئة الاجتماعية والجماعات المرجعية والمؤسسات البنيوية ، وتنتقل من مجتمع لآخر عن طريق وسائل الاتصال والانتشار الحضاري والاحتكاك المجتمعي ، وعند مرورها عبر الاجيال والمجتمعات والحضارات لا تبقى ثابتة وراسخة ، بل تتعرض للتحوير والتغيير، لكي تتلاءم مع الافكار والعقول التي تنتقل اليها، ومع البيئة التي تدخل فيها، ومع روح العصر التي تكتنفها وتشكل اطارها المرجعي والسلوكي . وعملية التغيير والداينميكية والتحوير التي تشهدها القيم تؤدي دورها الفاعل والمؤثر غي حركة المجتمع، ومسيرة الحضارة المادية والروحية، وفي شخصية الفرد وعناصرها التكوينية، ودرجة تكيفها مع المحيط ..."
– احسان محمد الحسن – التراث القيمي في المجتمع العربي بين الماضي والحاضر- دراسات عربية – العدد 9 تموز –يوليو 1990 ص 88


" ... فالقيم هي معيار عام ضمني او صريح ، فردي او جماعي يعتمده الافراد والجماعات في الحكم على السلوك الاجتماعي قبولا او رفضا .ان القيم هي مقاييس اجتماعية وخلقية وجمالية تقررها الحضارة التي ينتمي اليها افراد المجتمع وفقا لتقاليد المجتمع واحتياجاته واهدافه في الحياة . كما عرفت القيم على انها مجموعة مبادىء وضوابط سلوكية واخلاقية تحدد تصرفات الافراد والجماعات ضمن مسارات معينة اذ تصبها في قالب ينسجم مع عادات وتقاليد واعراف المجتمع . لذا فالقيم الاجتماعية انما هي نوع من العايير السلوكية والاخلاقية التي ترتبط بمعايير اخرى يحددها الاطار العام للمجتمع والمرحلة الحضارية التاريخية التي يمر بها والظروف الموضوعية والذاتية المحيطة به والمؤثرة في ظواهره وعملياته الاجتماعية . ..."
المصدر السابق ص 89

"... اذن القيم الاجتماعية التي يحملها المواطنون تؤثر في سلوكيتهم وتقودها في مسارات معينة ، قد تتميز بالايجاب او السلب تبعا لنوعية وطبيعة القيم التي يحملونها .فالقيم تنقسم الى قسمين :القيم الايجابية والقيم السلبية ، وكل نوع من هذه القيم يؤثر في سلوكية الفرد تأثيرا واضحا ، بحيث تكون السلوكية متجاوبة مع القيم ومنسجمة مع نصوصها وتعاليمها .كذلك الحال بالنسبة للمجتمعات وماهية القيم التي تؤمن بها . فهناك المجتمعات الزراعية زالصناعية والمجتمعات الاقطاعية والراسمالية والاشتراكية ، والمجتمعات المتخلفة والنامية والمتقدمة صناعيا وتكنولوجيا . ولكل من هذه المجتمعات قيمها وممارساتها الخاصة بها وبمرحلتها الحضارية التاريخية التي تمر بها . فالمجتمع الاقطاعي مثلا يشجع جوانب معينة من الحياة ولا يشجع الجوانب الاخرى . فهو يحفز الافراد ويحثهم على احترام وتقدير الطبقة او الفئة التب تمتلك وسائل الانتاج بصورة خاصة , ويفضل عمل الرجل على عمل المرأة ، ويقيم المراكز الدينية والعسكرية ، ويفضلها على المراكز التجارية والانتاجية في المجتمع وهكذا .
في حين ترى بأن للمجتمع الصناعي قيما تتناقض مع نلك التي يتمسك بها المجتمع الاقطاعي . فالمجتمع الصناعي يقيم المراكز والاعمال المهنية والانتاجية التي تحتاج الى الدراسة الطويلة والتدريب والخبرة والموهبة , ويساوي بين عنل النراة وعمل الرجل حيث انه يعتقد بمساواة المراة مع الرجل في الواجبات والحقوق الاجتماعية ، ويؤمن بضرورة اعتماد الافكار والصيغ والممارسات الحديثة التي من شأنها ان تطور المجتمع وتقوده الى الامام ، مهما تكن طبيعته ومهما يكن مصدره. واخيرا يقيم كفاءة الفرد وقدرته التكنولوجية في اداء الواجبات التي يحتاجها المجتمع ويثمن مواهبه وامكاناته ولا ينظر الى حسبه ونسبه وانحداره الاجتماعي وخلفيته الطبقية ومعتقدانه الدينية واصوله العرقية والعنصرية عند التعامل معه داخل وخالرج عمله الوظيفي ...
نفس المصدر : ص 90-91



حول نشأة القيم
......وإذ يناقش (فيلي willi) أربع نظريات ظهرت منذ القرن الثامن عشر حول نشأة القيم، هي: النظرية الفردية (1700 1850)، ومن روادها: (هوبز)، و(روسو)،
والنظرية الطبيعية (1850 1910)، ومن روادها: (سبنسر)، (هوتنغتن)، و(مالينوفسكي)،
والنظرية الثقافية (1920 1950)، ومن روادها: (شبنغلر)، (سوروكين)، و(الفرد فيبر)،
والنظرية السوسيولوجية (1900 1930)،
يظهر للقارئ أن النظرية الثقافية التي ترى أن الثقافة هي المصدر الوحيد للقيم تلبس بين حقيقتين، الأولى أن القيم مكون ثقافي، والثانية أن الثقافة مؤثرة في القيم. ذلك أن الثقافة في مفهومها الشمولي تنشأ عن معطيات مختلفة، من ضمنها القيم الدينية والاجتماعية، وقيم أخرى ترسبت من تجارب الأشياء. ليصبح ذلك كله بدوره مؤثراً في صيرورة القيم وتجلياتها.
إلا أن التفريق ضروري بين سؤال النشأة والصيرورة. فالسؤال الأول كالسؤال عن مكونات (الماء)، مثلاً. بينما السؤال الثاني كالسؤال عما يمكن أن يؤثر على طبيعة الماء، فيغير من لونه أو طعمه أو رائحته. فإذا قيس النظر إلى القيمة، في علاقتها بالثقافة، بالنظر إلى مثال (الماء)، أمكن القول: إن الثقافة بمفهومها الأشمل من القيم تناظر (الجو) الطبيعي بمكوناته الغازية الأشمل من مكونات (الماء)، إذ لا يمكن أن نقول: (إن الماء ينشأ عن الجو)، وإنما (عن عنصرين من عناصر الجو، هما الأوكسجين والهيدروجين)! وإن كان هذا لا يقصي فكرة تأثير الجو بكليته على طبيعة الماء، كتأثير الثقافة بكليتها على طبيعة القيمة واتجاهاتها المتجددة. ولذلك كان علم الاجتماع أقرب إلى الدقة حينما بحث نشأة القيم في الإطار الاجتماعي لا في الإطار الثقافي العام.
بيد أن (موسوعة القيم ومكارم الأخلاق العربية والإسلامية)، (الرياض: دار رواح، 1421هـ 2000م)، وقد قدمت ذلك العرض شبه التفصيلي عن حركة البحث في القيم، قد آلت إلى حيث انطلقت، قائلة: (ويبقى السؤال الذي بدأنا به.. حول نشأة القيم، ولا نملك من الإجابة إلا أن نكرر ما قاله الأولون: بأن الدين، ومثاليات المجتمع، وظروف البيئة واقتصادها، مع اعتبار المستجدات المعاصرة، مثل ثورة الاتصالات والمعلومات، كل تلك تحدد قيماً وأخلاقاً تسود في مجتمع أو تنهار في آخر). (1: 94). وبهذا يتضح أن الإجابات على اختلافها توشك أن لا تخرج عن تلك الأصول الثلاثة: التي كان قد قررها الخطاب الفلسفي، والسابقة إليها الإشارة، وهي:
(الدين العقل المجتمع). فهذه الأقانيم الثلاثة تظل سواء اتسع مفهومها أم ضاق هي مولدات القيم في كل زمان ومكان.
2
ويتخذ الباحثون في تصنيف القيم ثلاثة منظورات: يتعلق
الأول بمنشأ القيم، فردية، اجتماعية، أو ثقافية.
والثاني، من حيث الحقول التي تنتمي إليها أشكال القيم، وهي حسب (شيلر): (القيم الشخصية، وقيم الأشياء، والقيم الذاتية، وقيم ردة
الفعل، والقيم الوظيفية، وقيم النجاح والفعل والتفكير، وقيم الحالة الراهنة، والقيم القصدية)().





والمنظور الثالث من حيث وظائف القيم: أخلاقية، جمالية، أو نفعية.
ويتداخل في هذا التصنيف الأخير تصنيف متفرع، يميز فيه بعض الباحثين بين القيم الخارجية الوسيلية، المتخذة إلى غاية (كالكرم، والشجاعة)، والقيم الداخلية الغائية، المنشودة لذاتها أصلاً، مستقلة عن أي غاية، وإن تحققت بها بالضرورة غايات اجتماعية، وذلك (كالحرية، والكرامة، واحترام الآخرين، والحكمة، والوحدة، والعدالة، والسلم)، (وتسمى القيم من هذا النوع الأخير بالقيم والمثل العليا((2).
غير أن (موسوعة القيم) تكتفي بذلك العرض التصنيفي دون تفصيل أو تمثيل، ودون تحليل أو تعليل، متكئة على النقل دون النقد. ولو عاد القارئ إلى التصنيف الأول، الدائر حول ذلك السؤال المهم، وهو: (ما الأساس الذي يقوم عليه تصنيف القيم؟ هل هو المجتمع الذي يحدد القيمة ويعرفها، أو (كذا) هو الفرد، أو الثقافة، أو غير ذلك؟)(3). لتبدى أن القيمة في أصلها تنشأ عن ممارسة فردية، يستحسنها المجتمع، لتتحول إلى قيمة ثقافية. صحيح أن القيمة كما يراها الوضعيون وتراها المدرسة الاجتماعية معطى اجتماعي، وأن حكم الفرد فيها إنما يعكس ما تواضعت عليه الجماعة(4)، ولكنه صحيح كذلك أن ليست هناك قيمة ثقافية إلا وقد نشأت فردية، ثم انتقلت إلى كونها جماعية، قبل أن تصبح ثقافية. فليس السؤال إذن هاهنا، وإنما السؤال: هل هناك في المجتمع والثقافة قابلية لاحترام القيم الفردية والأخذ بالصالح منها، لتصبح قيماً اجتماعية ثقافية، أم أن عائق (الثبات)، والتبعية للجماعة، سيحولان دون نشوء قيم جديدة، أو حتى نقيضة، من خلال الأفراد. وعلى محك هذا السؤال يختلف المجتمع العربي التقليدي عن مجتمع الغرب والمجتمعات المتأثرة به. وهذا ما عرضت إليه الموسوعة، في مسعى منها إلى القول إن القيم العربية هي قيم عليا، ثابتة، سائدة، دائمة، استمرارية، أزلية، أبدية، وليست عابرة كالقيم الغربية. ذلك لأنها قد نسبت إلى (الجاحظ) دون توثيق جعله القيم العليا في المجتمع العربي التقليدي: القيم الدينية، وقيم الشرف، والأصل، والأسرة، والثأر(5). وفي المقابل، كما تقول الموسوعة: (نلاحظ المجتمعات الغربية المعاصرة تنظر إلى أن القيم العليا فيها هي: قيم العمل، والحرية، والفردية. وفي هذا يكون من السهل أو المقبول بعد الاستقراء الذي لا يبعد كثيراً عن الواقع أن يقال: إن القيم غير المادية هي العليا في المجتمع العربي أو في المجتمعات الصحراوية والتقليدية. ويقابل هذه القيم قيم الحضارة أو قيم مجتمع الرفاهية، وهي التي يعيشها مجتمع الغرب، والمجتمعات المتأثرة به(6).
وسبب الاختلاف هنا أن الثقافة العربية لا تعترف بالقيمة إلا حينما تغدو جزءاً من النسق الاجتماعي، تقليداً في المجتمع، وعرفاً في الثقافة. أي حينما تصبح ضمن (ميكانيزمات) القوى الاجتماعية، التي لا محيص عن الامتثال لمتطلباتها(7). ولذلك ترى قيمه تلك التي نسبت إلى (الجاحظ) قيماً جماعية ماضوية، تبلغ من جماعيتها وماضويتها حد الهلامية التي تستعصي عن التحديد، فإذا هي تتيح لكل أن ينظر إليها بحسبه ويتأولها كما يشاء، كقيم الشرف، والأصل، والأسرة، والثأر.
ولو أمعن النظر في هذا التصنيف المروي عن الجاحظ، لتبين أنه تصنيف ينتمي إلى ما قبل الإسلام، وأن قيم العمل، والحرية، والفردية، والمساواة، هي قيم إسلامية، لا غربية، انبثقت في الأساس من القيم الدينية، التي تنطلق من قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13) سورة الحجرات، وقوله عز وجل: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} الزلزلة (78) سورة الزلزلة، وقوله سبحانه: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (105) سورة التوبة. (والحديث مستمر).
إحالات:
1 الموسوعة، 1: 76.
2 انظر: م.ن، 1: 7577. وقارن: كلاّب، إلهام، (1994)، (نسق القيم في لبنان)، مجلة المستقبل العربي، (مركز دراسات الوحدة العربية)، ع 183، ص 92.
3 موسوعة القيم، 75:1.
4 انظر مثلاً: بيومي، محمد أحمد، (1981)، علم اجتماع القيم، (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية)، 46.
5 موسوعة القيم، م.ن.
6 م.ن.
7 انظر مثلاً: بيومي، 21 25.



hgrdl hgh[jlhudm