السياسة النقدية في الجزائر

المقدمة :



من المعروف أن البنك المركزي له القدرة على التأثير في حجم الائتمان وبالتالي في حجم النقود المصرفية , وعادة ما يستخدم البنك المركزي أسلحته في توجيه الائتمان وجهة تتفق وتنفيذ سياسة ائتمانية مرغوب فيها . وفي هذا الإطار اختلفت الوسائل التي أستعملها البنك المركزي الجزائري في تنفيذ سياسته النقدية منذ تأسيسه وذلك تبعا للأوضاع الاقتصادية والمالية التي مرت بها الجزائر .

قد سمحت التشريعات المنظمة لذلك إمكانية استخدام الوسائل الكمية والنوعية وكذلك المباشرة . تعتمد البنوك المركزية في إدارة شئون النقد والائتمان على وسائل متعددة هي الوسائل الكمية التي تهتم في التأثير بالائتمان المصرفي داخل الاقتصاد كمقدار دون الاهتمام بالتوزيع القطاعي له , والوسائل النوعية التي تهتم بنوع الائتمان الموجه نحو القطاعات المرغوبة ضمن برامج التنمية , والوسائل المباشرة التي تؤثر في أي شكل من أشكال الائتمان داخل الاقتصاد .



1- الأدوات المباشرة للسياسة النقدية المطبقة من طرف البنك المركزي:
1.1. سعر إعادة الخصم :


سعر إعادة الخصم هو سعر الفائدة الذي يتقاضاه البنك المركزي مقابل تقديم القروض أو إعادة خصم الأوراق المالية للبنوك التجارية وتغيير سعر إعادة الخصم من قبل البنك المركزي يعتبر وسيلة ضمن الوسائل الأخرى التي يستطيع أن يتحكم من خلالها في حجم الائتمان . ففي أوقات التضخم عندما يرى البنك المركزي أن حجم الائتمان قد زاد عن المستوى المطلوب للنشاط الاقتصادي فإنه يقوم برفع سعر إعادة الخصم – أي يقوم برفع تكلفة الائتمان الذي يمنحه للبنوك التجارية مما يؤدي إلى تقليل هذه البنوك عن الاقتراض من البنك المركزي , وتضطر بدورها إلى رفع أسعار الفائدة وسعر الخصم بالنسبــة للمتعامليـن معها أي سعـر البنـك ( سعر إعادة الخصم ) دائما أقـل من سعر
الفائدة الذي تقرض به البنوك التجارية ذلك أنه طالما أن البنوك التجارية تعرف أنها قد تلجأ إلى البنك المركزي طلبا للقروض أو لإعادة خصم الحوالات بسعر إعادة خصم معين فإنها لابد وأن تتقاضى من عملائها أسعار فائدة أعلى حتى تتمكن من تغطية نفقاتها وتحقق ربحا في النهاية وغالبا ما يكون سعر الفائدة في البنوك التجارية أعلى من سعر إعادة الخصم لدى البنك المركزي بحوالي 2% , وهذا
مايدفع هؤلاء إلى الحد من إقتراضهم والتخفيض من خصم أوراقهم التجارية لدى البنوك , وهكذا يمكن أن تخفض سياسة إعادة الخصم من حجم الائتمان المصرفي وتحد من الطلب الكلي .
وعلى العكس من ذلك إذا أراد البنك المركزي أن يزيد من حجم الائتمان في ظروف الكساد فإنه يلجأ إلى تخفيض سعر إعادة الخصم مما يشجع البنوك التجارية على خفض سعر الفائدة على عمليات الخصم والإقراض وذلك لتشجيع التجار ورجال الأعمال على الاقتراض وبالتالي زيادة الطلب الكلي .

وعندنا في الجزائر تعتبر عملية إعادة الخصم الأسلوب الأكثر استعمالا لإعادة تمويل البنوك والوسيلة
الأكثر أهمية لتدخل البنك المركزي الجزائري لإدارة السياسة النقدية , خاصة أن ذلك يسمح بالسير في توافق مع أحد أهداف السلطة النقدية الذي يهدف إلى الحد من اللجوء إلى الإصدار النقدي . وتشرح
النصوص القانونية المتعلقة بالنقد والقرض لعام 1990 المواضيع التي تتم عليها عملية إعادة الخصم في النقاط الآتية :
_ سندات تجارية مضمونة من قبل الجزائر أو من الخارج تتعلق بعمليات تبادل حقيقي لسلع
وخدمات .
سندات قرض قصيرة الأجل لمدة أقصاها ستة أشهر ويمكن تجديد هذه العملية على ألا تتعدى مجموع مهلة المساعدة التي يسددها البنك المركزي إثنا عشر شهرا .
سندات قرض متوسطة الأجل لمدة أقصاها ستة أشهر ويمكن تجديد هذه العملية في مدة لا تتجاوز ثلاثة سنوات.
سندات عمومية لا تتعدى الفترة المتبقية لاستحقاقها ثلاثة أشهر .

1.أ . مراحل تطور معدل إعادة الخصم في الجزائر :
1-أ-1- المرحلة الأولى : (1962- 1989)

بقي معدل اعادة الخصم ثابتا 2.75% إلى غاية 1986 تاريخ صدور القانون المصرفي الجديد ( 86-12) المتعلق بالبنوك والقرض . وكانت عملية إعادة الخصم تتم لدى البنك المركزي الجزائري بطريقة آلية على إعتبار أن وزارة المالية أنذاك هي من يحدد قيمة هذا الخصم , وكانت هذه النسبة متدنية جدا إذا ما قورنت بمعدل التضخم السائد في تلك الفترة . وللعلم فان إتفاق إعادة الخصم كان يشكل للبنوك عنصر هام للسيولة .

والقانون المصرفي الجديد ينص على تولي البنك المركزي تسيير أدوات السياسة النقدية وتحديد الحدود القصوى لعمليات إعادة الخصم المخصصة لمؤسسات القرض . وبالفعل إنتقل معدل إعادة الخصم إلى 5% خلال سنة 1986 كما يوضح الجدول رقم (2/2) , ثم عدلت النسبة برفع مستواها الاسمي إلى 7 % إبتداءا من ماي 1989 وهذا أيضا تطور آخر في تحريك معدل الفائدة لرفع مستوى الادخار وكان ذلك خلال إصلاح نظام الاستثمارات العمومية ودخول المؤسسات مرحلة الاستقلالية . وقد دعم هذا الاتجاه قانون النقد والقرض الصادر بتاريخ 14 أفريل 1990 .

1-أ-2-المرحلة الثانية ( 1990- 1995 ) :

وتتميز بارتفاع مستمر للمعدل الذي ارتفع إلى 10.5% في نهاية ماي من سنة 1990 وتبعه قيام بنك الجزائر بتحديد معدلات الفائدة المدينة والدائنة المستهدفة .

ترك هامش المبادرة للبنوك والمؤسسات المالية بتحديد معدلاتها الخاصة , واستمر الارتفاع إلى أن بلغ %15في نهاية سنة 1995 وقد جاء هذا التعديل بعد أن شعر بنك الجزائر بوجود توسعات تضخمية
في الاقتصاد وكان من أسبابها الافراط في التسهيلات الائتمانية . لذلك جاء هذا الرفع كمحاولة من خلالها ينبه البنوك التجارية على ضرورة رفع معدلات الخصم بغرض الحد من الطلب على خصم الأوراق المالية ولكن باعتبار أن

معدلات التضخم المرتفعة في هذه الفترة كان يفوق معدلات الفائدة الاسمية وهذا ما يجعل المعدلات الحقيقية سلبية وهذا مايحد من فعالية معدل الفائدة في قيادة السياسة النقدية .

1-أ-3-المرحلة الثالثة ( 1995- 2003 ) :
حيث عرف معدل إعادة الخصم انخفاضا منظما وانتقل من 15% عام 1995 إلى 6% عام 2000 ثم إلى 5.5% عام 2002 وهذا يبين مدى التحكم في معدل التضخم عن طريق الحد والتضييق على حجم الائتمان. وكان عام 1997 التاريخ الذي تم فيه الانتقال إلى أسعار الفائدة الحقيقية الموجبة وقد تدعم ذلك خلال السنوات الأخيرة وخصوصا أثناء عامي 1998و1999 وترغب السلطة النقدية في عدم الضغط على البنوك في توفير السيولة للائتمان , وفعالية هذه السياسة تكمن بضعف ودائع البنـوك التجارية من جهة , وتوفـير التمويل اللازم لانجاز المشاريـع المسطرة من جهة ثانية , الأمر الذي يفرض اللجوء إلى سياسـة إعادة الخصـم لإعادة تمويل الجهاز المصـرفي .

2-الأدوات غير المباشرة للسياسة النقدية المطبقة من طرف البنك المركزي:

1.2.عمليات السوق المفتوحة :


تاريخيا تم إكتشاف أثر سياسة السوق المفتوحة في التأثير على قدرة البنوك التجارية على منح الائتمان في الولايات المتحدة وبالتالي أمكن إستخدامها كأداة للرقابة على الائتمان , ومنذ عام 1923 أخذت هذه السياسة تحتل المقام الأول من بين الوسائل أو الأدوات الفنية التي تتكون منها السياسة النقدية والائتمانية وكانت هي الوسيلة التي أستخدمت في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الكساد العظيم.

وسياسة السوق المفتوحة تتميز عن سياسة سعر إعادة الخصم من ناحية مجال التطبيق وطبيعة العلاقة بين البنوك التجارية والبنـك المركزي فبينما يحاول البنـك المركزي في الثانية التأثير في سيولة البنـوك
التجارية وبالتالي في سيولة السوق النقدية لمحاولة تقييد أو توسيع الائتمان بحسب الأهداف الاقتصادية المرغوبة نجده على العكس من ذلك يحاول في الأولى أن يؤثر في سيولة السوق النقدية وفي هيكل هذا
السوق بهدف التأثير في سيولة وقدرة البنوك التجارية على خلق الائتمان .

وتعتبر عمليات السوق المفتوحة من ضمن الأدوات المهمة والأساسية في السياسة الائتمانية التي لازالت تستخدم في الاقتصاديات المتقدمة . ويقصد بهذه العمليات هو نزول البنك المركزي إلى السوق المالية كبائع ومشتر للأوراق المالية ( الأسهم والسندات ) أوسوق النقدية بوصفه بائعا أو مشتريا لأذونات الخزانة أو العملات الأجنبية مثلا وذلك وفقا لما هو مطلوب من السياسة الائتمانية في التوسع أو الانكماش .

و البنك المركزي يهدف من وراء عمليات السوق المفتوحة التأثير على حجم الائتمان بالتوسع أو الانكماش من خلال التأثير في عرض النقود أي النقود الورقية ونقود الودائع بشكل خاص . ففي حال الانكماش إذا شاء البنك المركزي في دفع التوسع للائتمان فانه ينزل إلى السوق مشتريا للأوراق المالية
والسندات الحكومية مثلا . وفي حالة التضخم إذا رغب البنك المركزي تضييق حجم الائتمان وإمتصاص
جزء من الأموال المتداولة فانه ينزل إلى السوق بائعا للأوراق المالية والسندات.

وقيام البنك المركزي بعمليات السوق المفتوحة يؤثر على سعر الفائدة فشراء البنك المركزي لبعض الأصول من السوق النقدية يزيد من الطلب عليها وهو بذلك يرفع من ثمن توازنها ( ثمن البيع والشراء ) ويخفض بالتالي من أسعار الفائدة الحقيقية عليها وفي نفس الوقت يزيد من عرض كميات النقود القانونية في سوق النقد والائتمان وتخفيض سعر الفائدة يشجع على طلب الائتمان وإتساعه , وعلى العكس من ذلك عندما يقوم البنك المركزي ببيع بعض هذه الأصول في السوق النقدية يزيد من عرضها ويقلل بالتالي من ثمن توازنها ( ثمن البيع والشراء ) ويرفع من سعر الفائدة عليها , وفي نفس الوقت يمتص كميات النقـود الموجودة في سوق الائتمان والنقـد مما يؤدي الى
الاحجام عن طلب الائتمان وانكماشه .
وتتوقف فاعلية السوق المفتوحة على مايلي :

_ تتحدد فاعلية هذه الأداة بقدر نجاحها في تحقيق سيولة أو عدم سيولة السوق النقدية ككل وعلى ذلك يجب أن تكون لهذه السوق من الشمول والسعة ما يجعلها معبرة عن إمكانيات النقود والائتمان لاقتصاد ما .
يجب أن تتوافر بكميات كافية للصكوك المتمثلة في أذونات الخزانة والأوراق المالية والتجارية والتي يمكن تداولها في هذه السوق .
_ تتحدد فاعلية هذه الأداة أيضا كأسلوب لتنظيم الائتمان بدرجة تقدم الوعي المصرفي والائتماني السائد .
وفي الجزائر سمح قانون النقد والقرض باستعمال وسيلة السوق المفتوحة أي بالمتاجرة في السندات العمومية التي لاتتجاوز مدة إستحقاقها ستة أشهر على أن لايتعدى المبلغ الاجمالي لهذه السندات 20% من الايرادات العادية للدولة التي ظهرت في ميزانية السنة الماضية والسندات الخاصة القابلة لاعادة الخصم من قبل البنك المركزي .وتمت أول عملية للسوق المفتوحة خلال عام 1996 والمتمثلة في شراء البنك المركزي للسندات العمومية التي لاتتجاوز مدتها ستة أشهر .

ولكن نظرا لضيق السوق النقدية وغياب سوق مالية متطورة تجلب إليها الموارد من أصحاب الفائض فإنه من الصعب تصور قيام بنك الجزائر بعمليات السوق المفتوحة للتأثير في حجم الائتمان المصرفي .

2.2. الاحتياطي القانوني:

تحتفظ البنوك التجارية لدى البنك المركزي برصيد دائن فرض عليها المشرع الاحتفاظ به في معظم دول العالم كنسبة من الودائع . وقد منح المشرع للبنك المركزي سلطة تغيير الحد الأدنى لنسبة الاحتياطي النقدي لأغراض السياسة النقدية .

وتستخدم نسبة الاحتياطي في كثير من بلدان العالم للحد من التضخم أو لمكافحة الكساد، ففي حالات التضخم فإن البنـك المركزي يمكنه عن طريق رفع نسبة الاحتياطي النقـدي أن يحد من قدرة
البنوك التجارية على منح الائتمان إذ قد تجد البنوك نفسها مضطرة إلى التوقف عن منح الائتمان لفترة من الزمن , حتى تتمكن من رفع رصيدها لدى البنك المركزي للقدر الذي تتطلبه نسبة الاحتياطي الجديدة وقد تلجأ هذه البنوك الى التخلص من بعض الأوراق المالية أو التجارية التي تحتفظ بها اذا كانت الزيادة في نسبة الاحتياطي كبيرة , وكلا الأسلوبين يمثل قوة إنكماشية للاقتصاد بحيث تخفض من الطلب الكلي على السلع والخدمات وبالتالي تخفض من مستوى الأسعار .
وبنفس المنطق يستطيع البنك المركزي أن يساهم في بعث نشاط جديد في سوق النقد عندما يخفض النسبة القانونية للاحتياطي النقدي , ومن ثم يصبح لدى البنوك التجارية فائضا في الاحتياطي النقدي يمكن أن تستخدمه أساسا في تقديم ائتمان جديد وخلق نقود مصرفية .

وتعتبر وسيلة الاحتياطي النقدي أكثر فاعلية في مكافحة التضخم عنها في حالة الكساد , ففي أوقات الكساد الاقتصادي قد يترتب على تخفيض النسبة القانونية للاحتياطي النقدي مجرد زيادة في فائض الأرصدة النقدية لدى البنوك التجارية , أم في أوقات التضخم فهي تكون أكثر فعالية من تغيير سعر إعادة الخصم لأنها تضع قيدا كميا مباشرا على مقدرة البنوك التجارية على التوسع في الائتمان . وعموما

تتوقف فاعلية رفع نسبة الاحتياطي على مالدى البنوك من فائض في احتياطياتها وعلى مدى إمكانية
حصولها على أرصدة نقدية من مصادر أخرى .

وفي الجزائر حدد الاحتياطي القانوني على الودائع المصرفية بموجب المادة 93 من قانون النقد والقرض بنسبة لاتتعدى 28% من المبالغ المعتمدة كأساس لاحتسابه . وحسب التعليمة رقم 16-94 الصادرة بتاريخ 19 أفريل 1994 فان البنوك والمؤسسات المالية ملزمة على الاحتفاظ بمبالغ معينة من الاحتياطات لديها في شكل ودائع لدى بنك الجزائر في ظل الشروط المذكورة في التعليمة الصادرة عن بنك الجزائر تحت رقم 73-94 بتاريخ 28 ديسمبر 1994 وذلك بهدف تنظيم السيولة في الاقتصاد الوطني . وحدد معـدل الاحتياطي الاجباري في هذه التعليمة بنسبة 2.5% على مجمـوع العناصر المذكورة في المادة الثانية في هذه التعليمة , وبعد ذلك رفعت نسبة الاحتياطي إلى 4% وفق التعليمة رقم 01-2001 الصادرة بتاريخ 11 فيفري 2001 عندما شعر البنك المركزي بتمادي المصارف التجارية في منح التسهيلات الائتمانية . وبعد تطبيق هذه التعليمة بحوالي عشرة أشهر فقط أصدر بنك الجزائر تعليمة أخرى تحت رقم 06-2001 برفع نسبة الاحتياطي ل4.25 % إنطلاقا من 25 ديسمبر 2001 وهذا يدل على رغبة البنك المركزي الجزائري بجعلها وسيلة هامة للتحكم في سيولة البنوك واستخدامها للحد من التضخم أو لمكافحة الانكماش , ولازالت عند هذا المستوى حتى الوقت الحاضر لكي تتوافق مع حاجات التنمية الاقتصادية والسياسية العامة للدولة .



hgsdhsm hgkr]dm td hg[.hzv