مفهوم العقد الاجتماعي

بسم الله الرحمن الرحيم
ورقة علمية بعنوان:
مفهوم العقد الاجتماعي
رضوان الحسن إبراهيم
أستاذ علم الاجتماع
جامعة دنقلا
1 يناير 2008م
بسم الله الرحمن الرحيم
ورقة علمية بعنوان: مفهوم العقد الاجتماعي
مقدمة للمشاركة في ورشة العقد الاجتماعي والمجتمع المدني – مركز التنوير المعرفي الخرطوم – 1 يناير 2008م
تمهيد:
ليست مفردات الواقع الاجتماعي بارز وواضحة للجميع وبالدرجة نفسها، بل تختلف باختلاف الراصدين للوقائع أولاً، والمختصين فيها ثانياً، والمتعايشين معها ثالثاً، لذلك مطلوب من الباحث أن يعتمد علي بعض المصطلحات المفاهيمية فإن تحديد المفاهيم البحثية يساعد علي التقرب إلي المعاني ويقود إلي الموضوعية، وعندما نريد تحديد مفهوم ما فإننا نلجأ غالباً إلي ما يعرف بالمفاهيم النظرية Theoretical Definitions أو المفاهيم الإجرائية Operational Definitions والأولي تعني التحديدات المجردة، و المنطقية المعقولة التي صاغها المنظر الاجتماعي أو السياسي واختبرها باقي المنظرين، أما الثانية تعني المفردات المستقاة من واقع البحث والتي تملك الخصوصية الاجتماعية المختلفة عن مثيلاتها في المجتمعات الأخرى.(1)
والمفاهيم بصورة عامة نستطيع أن نقول عنها أنها الصورة الذهنية الإدراكية المتشكلة بواسطة الملاحظة المباشرة الأكثر من مؤشر واحد من واقع ميدان البحث. وبتعبير آخر يعني المفهوم رموزاً مجردة تعكس مضمون فكرة أو سلوك، أو موقف أفراد مجتمع البحث بواسطة لغتهم.(2)
ولارتباط المفاهيم بواقع الموضوعات المدروسة فإن واقع المفاهيم في العلوم الاجتماعية والإنسانية (الاجتماع، الفلسفة، السياسة ، الاقتصاد..الخ) يتصف بعدم الدقة والثبات ومرد ذلك لطبيعة الموضوعات التي تتناولها هذه العلوم والتي ترتبط برصد الظواهر الاجتماعية الإنسانية المتعلقة بالسلوك الإنساني الذي يتصف بالتحول.
هذه الورقة تسعى إلي التوصل إلي فهم ما يعنيه مصطلح (العقد الاجتماعي) محاولة في ذلك تتبع جذور مفهوم العقد الاجتماعي والمعاني الدالة عليه في الفكر السياسي ففي بداية ظهوره لم يكن بالصيغة المتطورة المعروفة (بالعقد الاجتماعي).
كما تحاول أن تصف طبيعة التفكير الفلسفي والظروف العصرية التي مهدت لظهوره وارتبطت بنشأته ثم الفلسفة الفكرية السياسية التي سادت في أواخر القرن السادس عشر الميلادي والتي تمخضت عن ميلاد نظريات العقد الاجتماعي وآراء علماءها. كما تتناول الحقائق التي تنطوي عليها مفهوم التعاقد الاجتماعي ومدلولاته في محاولة لتفنيد آراء علماء نظريات العقد الاجتماعي و المفاهيم التي اعتمدوا عليها في شرح مفهوم التعاقد كالحالة الفطرية السابقة للوجود أو التنظيم الاجتماعي وصيغة التعاقد وطبيعته وحقيقته ثم الانتقادات التي قوبلت بها هذه المفاهيم.
وأخيراً تتناول الورقة هذه الإسهامات الفكرية في وضع أسس وأشكال وشرح نظم الحكم والسياسية وأنماط الحكومات وتطورها.
ظهور فكرة العقد في الفكر السياسي القديم:
يصعب واقعياً تحديد دقيق لتاريخ أي مصطلح أو مفهوم ذلك لأن كل مصطلح أو مفهوم هو في الحقيقة (تجريد لواقع) فهو مشترط بتطورات هذا الواقع الذي يعبر عنه، فالمفهوم أيضاً (عملية سيرورة فكرية) وعندما نريد تحدي مفهوم ما، لابد أن نرصد ظروف نشأته ودلالة استخدامه بغية أن يساعد ذلك في التقرب إلي المعاني ويقود إلي الموضوعية. فالمتتبع لتاريخ الفكر السياسي (الفلسفة السياسية) يلحظ دون عناء تردد فكرة العقد وإن لم ترد بالصيغة المعروفة (العقد الاجتماعي) Social Contract إلا أنها كان تستخدم مفردات تشير لمعنى ضرورة وجود اتفاق أو ميثاق لقيام المجتمع السياسي، مما يدفعنا للقول أن هذه الفكرة ليست جديدة من مبتكرات العقل الأوربي، وإنما هي فكرة سياسية سبق وأن ظهرت في التوراة وهي (فكرة الميثاق) وهي أحد عناصر ما عرف بالقانون الطبيعي والتي تتكون عناصره الرئيسية من مبادئه الطبيعية، وميثاق الحكومة، وحق المقاومة.
كما ظهرت هذه الفكرة أي فكرة العقد في الفلسفة الرواقية الابيقورية ثم انتقلت إلي الرومان باسم (التعاقد الحكومي) وبالرغم أن الرومان لم يؤمنوا بفكرة شيشرون عن الحرية، فإنهم كانوا مثله في إرجاع السلطة السياسية إلي الشعب وهذا يدل علي أن الرومان لم يجيئوا بنظرية واضحة عن العقد، ولكنهم جاءوا بكثير من مقوماتها، لأن القانون الروماني كان يعتبر القبول أهم أركان القانون وفكرة العقد الاجتماعي تتضمن فكرة القبول بل أنها ركن أساسي منها ثم جاءت القبائل الألمانية بأفكار سياسية من أهمها أن الشعب يجب أن يوافق علي تعيين الملك. ومعنى هذا أن الملك حين يتولى الحكم يكون ضمنياً قد تعاقد مع الشعب.(3)
كما ظهرت في الفلسفة اليونانية عند ارسطو في كتابه (السياسي) وقصد به الإشارة إلي مجموعة سياسية خاضعة لقوانين تشكل مجتمعاً سياسياً يعترف مواطنوه بقوانين الدولة ويتصرفون وفقاً لها، حيث دعا أرسطو لتكوين مجتمع سياسي (البرلمان) إلا أن المشاركة في هذا المجتمع السياسي تقتصر علي مجموعة من النخب في المجتمع دون إعطاء حق للمرأة والعمال والأرقاء حق المشاركة والمواطنة، ويذكر أرسطو أن الإنسان هو حيوان اجتماعي لأنه يملك الشعور بالخير والعدالة وينتهي أرسطو إلي أن الطبيعة هي التي تدفع الناس بصفة غريزية إلي الاجتماع السياسي، وهذا الاجتماع لابد أن يقوم علي القانون وتحقيق العدالة إلا أنه لا يخوض في طبيعة هذه القوانين وكيفية تحقيق العدالة وآلياتها. ويركز علي أن الدولة هي نسيج ملتئم والأفراد خيوطه والدولة هي التي تعطي الفرد وجوده الحقيقي لأن الإنسان الفرد في الكون ليس له وجود، أما أفلاطون فقد انطلق لتوضيح فكرة العقد بالإِشارة إلي أن للفرد حاجات ذاتية وهو يسعى لإشباع هذه الحاجات ولا يمكن إشباعها بطريقة فردية مما يدفعه للتعاون مع الآخرين.
أما ابن خلدون فيقول في بحوثه السياسية بتحليل وجود النظام السياسي. إن الحكومة ظاهرة طبيعية للمجتمع وأول مظاهرها هو تجمع السلطة في يد رئيس واحد وقيامها ضرورة اجتماعية وتسيير في بادئ الأمر بمقتضي شهوة الحكم ويغلب عليها حب السيطرة والطغيان ألا أن المجتمع سرعان ما يطلب تطوره تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم إذ هي حقيق اجتماعية لا يخلو منها مجتمع.(4)
كما عادت فكرة العقد إلي الظهور في القرون الوسطى وأثيرت في عصر تتويج الأمبراطور شرلمان باسم مبدأ (رضا الشعب) وقد شغلت فكرة العقد هذه حيزاً كبيراً في تفكير المصلح الديني والاجتماعي حنا كلفن Calvin – عصر الإصلاح (1509 – 1564م) وحاول كلفن أن يقيمها علي دعائم من نصوص الإنجيل إلي حد أنه اعتبر المسيحية نمواً طبيعياً للميثاق القائم منذ بدء الخليقة بين عهود الله وبين الناس. وقد أدت هذه الفكرة إلي استقرار المواطنين في ظل النظم الحكومية. فالرجل (الكلفني) العقيدة يعتقد في طيب خاطر أنه قد قطع مع الله عهداً فكيف به لا ينقاد لفكرة إبرام عقد مع ملك أو أمير. وقد نقل فكرة التعاقد من ميدان السلطة المدنية إلي دائرة الكنيسة فاعتبر الكنيسة جماعة دستورية قائمة علي تعاقد.(5)
كذلك النظام الإقطاعي بُني علي فكرة (الاتفاق) وهذه الأفكار في جوهرها تقترب من فكرة العقد الاجتماعي، وكان مانجولد لوتنباخ أول من وضع النظرية في صورتها المعروفة إذ كان يعتقد أن مركز الملك مقدس وأن الملك يستمد سلطته من الشعب. وأن الشعب يعطيه هذه السلطة مقابل أن يحميه من الطغيان والفساد فإذا انقلب الملك علي الشعب واستبد به كان من حق الشعب أن يتحرر من حكمه ما دام لم يحترم العقد المبرم بينهما.(6)
من خلال هذا السرد يتضح لنا جلياً أن الفكرة لم تكن غائبة عن عقل الأوربيين في نهاية القرن السادس عشر - فترة بروز مصطلح العقد الاجتماعي- إنما لجأ إليها فلاسفة ذلك العصر لمقاومة السلطة الاستبدادية التي استخدمها الأمراء و التي أتاحت ظهور مفهوم العقد الاجتماعي بصورته التي سوف نبينها.
ظهور مصطلح العقد الاجتماعي Socail Contract
إن مصطلح العقد الاجتماعي يعود في أدبيات الفكر السياسي إلي القرنين السادس عشر والسابع عشر الذين عرفوا بعلماء نظرية العقد الاجتماعي (وتعود نظرية العقد الاجتماعي إلي الفيلسوف جان جاك روسو المولود في جنيف والذي عاش في باريس 1778م حتى جلب له (العقد الاجتماعي) غضب السلطة).
وكان يشير في ذلك الوقت إلي مجتمع المواطنين الأحرار الذين يختارون بإرادتهم الحرة شكل وشروط الحكم الذي يعيشون في ظله، وعبر مفكرو ذلك العصر توماس هوبز (1588 – 1677م) وفيسكو (1689 – 1755م) وجون لوك (1632 – 1704م) وجان جاك روسو. عبروا عن شروط الاختيار الحر بـ (العقد الاجتماعي) وهو عقد افتراضي وليس عقداً حقيقياً بالمعني الحرفي للكلمة. وكانت مقدمات هذا العقد وشروطه عند توماس هوبز تقضي إلي قبول النظام الملكي المطلق الذي لا رجعة فيه بينما كانت مقومات هذا العقد وشروطه عند جون لوك وبعده عند جان روسو، تقضي إلي نظام ملكي مقيد يمكن سحب الشرعية منه إذا أخل بحقوق المواطنين.(8)
وقد كانت هذه الآراء محاولات لتبرير أوضاع قائمة ولتأكيد تماييز الدولة والمجتمع بإقرار الحقوق المدنية للأفراد أو المواطنين باعتبار قيام السلطة السياسية أو الدولة هو نتيجة تعاقد اجتماعي وتنازل متبادل بين السلطة والفرد والخروج من (الحالة الطبيعية) إلي نشأة المجتمع المنظم.(9)
مفهوم العقد الاجتماعي:
إن فكرة العقد الاجتماعي تعني التحول من الحالة الطبيعية الافتراضية التي يري الكثيرون أنها لم توجد واقعياً بل هي نموذج ذهني مثالي ووصولاً إلي المجتمع حيث يتوافق الجميع علي قواعد يتنازل بموجبها الفرد عن حريته المطلقة مقابل قدر الأمن والاستقرار والنظام. أي خضوع الإرادة الحرة إلي الإرادة العامة. ومن المفيد التوقف عند مفهوم العقد الاجتماعي يوصفه مدخلاً لفهم تطور فكرة المجتمع المدني.
يقول قاموس الفلسفة في تعريفه للعقد الاجتماعي (هو اتفاق بين أفراد وقوة حاكمة حيث يتم التنازل إرادياً عن بعض الحريات الشخصية مقابل منفعة تتمثل في مجتمع حسن التنظيم أو حكومة رشيدة)(10)
العقد الاجتماعي والتفكير السياسي في أوربا:
ارتبطت مسارات التفكير في أوربا بفكرة العصر الطبيعي والتي تعني أن الأفراد قبل انضوائهم تحت نظام مجتمع سياسي. كانوا يعيشون في مجتمع ساذج تحكمه قانون الطبيعة ولأفراده حقوق طبيعية وهذه الفكرة ليست من مستحدثات التفكير السياسي الغربي، وكل ما هنالك أنه صارت موضع عناية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأهم ما تجب ملاحظته عليها أنها لا تركز علي أصل تاريخي ثابت ولكنها قائمة علي الافتراض المحض من ناحية وأن الغرض منها إرجاع السلطة إلي أصل شعبي وتأكيد حق الأفراد من ناحية أخرى.(11)
وقد سارت فكرة العصر الطبيعي في اتجاهين وهما:
الأول: يعتبر العصر الطبيعي ممتازاً بالبساطة والفضيلة، ثم قضي تكوين المجتمع السياسي علي هذه الفضائل ولذلك كان من واجب الإنسانية أن تعمل للرجوع إلي هذا العصر.
الثاني: يرى أن العصر الطبيعي كانت تسوده مساوئ تتمثل في القوة والظلم ثم قضي تكوين المجتمع السياسي علي هذه المساوئ وأن الإنسانية قد تنكب بعودة هذه المساوئ ما لم تحافظ علي التكوين السياسي الممثل في الدولة.
وتأرجحت أوربا بين هذين الاتجاهين تبعاً للظروف و العوامل المؤثرة في حياة الأفراد هناك ففي خلال العصور الوسطى مال الفلاسفة والمفكرون السياسيون إلي الأخذ بالاتجاه الأول وكان طبيعياً أن يتجه التفكير السياسي في العصور الوسطى هذا الاتجاه الذي يصور ما كان بين الدولة والكنيسة من صراع، فالفلاسفة وجلهم من رجال الدين، يمجدون العصر الطبيعي لغاية في أنفسهم هي الحط من قيمة سلطة الدولة، وإعلاء شأن سلطة الكنيسة التي كانت تحاول الرجوع بالناس إلي المجتمع الطبيعي تركيزاً لسلطتها.
وأثناء القرن السادس عشر بدأت الأفكار السياسية تتغير تبعاً للتغيرات الاقتصادية التي شهدتها أوربا خلال هذا القرن الذي أمتاز بكثير من النشاط الاقتصادي والتوسع التجاري حيث استلزم ذلك تقوية سلطان الدولة الممثلة في شخص الملك وأخذ المفكرون السياسيون بالاتجاه الثاني فصوروا العصر الطبيعي علي أنه عصر الظلم والاستبداد أما الدولة فعلي نقيض، تعبر عن أنبل أعمال الإنسان لما أوجدته من استقرار وطمأنينة وعدالة.(12)
وقد ظهرت فكرة العقد في صور متعددة في كتابات السياسيين فبعضهم يقرر وجود عقد بين الله والشعب للمحافظة علي العقيدة الحقة، وأحياناً يظهر بعضهم هذه الفكرة في صورة عقد بين الأفراد وبعضهم البعض لتكوين مجتمع أو إبراز الفكرة في صورة عقد بين الحاكم والمحكومين لتفسير سلطة الحاكم وتحديدها.
وفي هذا الأثناء ظهرت النواة الأولى لنظرية العقد الاجتماعي علي يد الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588 – 1679) وتطورت علي يد مواطنه الفيلسوف جون لوك (1632 – 1704) وبالرغم من أن العديد من الفلاسفة قد تناولوا هذه النظرية، فإن هذه النظرية تنسب إلي (روسو) والسبب في ذلك يعود إلي أن (روسو) عرض هذه النظرية بوضوح معبراً عن آرائه وآراء من سبقوه بأسلوب ثوري رائع في كتابه الشهير (العقد الاجتماعي)(13)
نظرية العقد الاجتماعي:
تقوم هذه النظرية علي فرضين الأول حالة الفطرة الأولى والثاني العقد وهو إما أن يعني عقداً سياسياً اجتماعياً يوضح نشأة المجتمع وأما أن يعني عقداً حكومياً بمعنى الاتفاق بين الحاكمين والمحكومين.
أولاً: حالة الفطرة وتفترض أنها هي الحالة التي سبقت التكوين السياسي للمجتمع وأن المنظم الوحيد لحياة الناس في هذه الفترة كان هو القانون الطبيعي وليس قوانين وضعية وأكثر الكتاب يصفون الحالة بأنها كانت وحشية (كما سبق وأوضحنا في فكرة العصر الطبيعي)
ثانياً: العقد الاجتماعي وقد تعددت آراء العلماء في فرضية العقد فبعدهم عدة حقيقة تاريخية ثانية تشرح نشأة المجتمع، بينما اعتبره آخرون عقداً حكومياً بين الحاكمين والمحكومين وهناك من اعتبره أساساً صالحاً لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحاكمين والمحكومين.
ولقد كان لنظرية العقد تأثيراً كبيراً علي عقيدة معظم الكتاب السياسيين في أوربا وخلال الفترة الأخيرة من القرن السابع عشر، والجزء الأكبر من القرن الثامن عشر وبتأثيرها حلت العلاقات المدنية بين الأفراد محل العلاقات الطبيعية وكانت قوتها راجعة إلي أنها أوجدت تفسيراً مدنياً للسلطة السياسية لتحل محل التفسير المعتمد علي نظرية الحق الإلهي ، واعتمد عليها أيضاًَ أنصار مذهب الحرية لأنها أمدتهم بوسيلة واضحة للحد من سلطة الملك المطلقة.(14)
وبوجه عام كان لهذه النظرية جاذبية خاصة للمجتمع الأوربي في ذلك الوقت لأنها أتاحت للفرد مركزاً ممتازاً في المجتمع إذ نظرت إليه علي أنه الوحدة التي قام عليها العقد، فسواء أكان العقد بين الله والشعب أو بين الأفراد وبعضهم أو بين الحاكم والمحكومين، فإن غايته في كل ذلك تحديد سلطة الحاكم واختصاصاته وفي ذلك تأكيد لحقوق الفرد.
ونظرية العقد لا تستند إلي حقيقة تاريخية لأن التاريخ لم ينقل لنا كيف تمكن الإنسان من تكوين المجتمع السياسي ولكنها رغم ذلك كانت ذات شأن كبير في التفكير السياسي في الغرب وبخاصة انجلترا، والولايات المتحدة وفرنسا إذ كان لها شأن كبير في الثورات التي قامت في هذه الأمم وشأن في تطوير النظم الديمقراطية والحريات الفردية في تلك البلاد.
العقد الاجتماعي بين روسو ولوك وهوبز:

يعد جان جاك روسو من أبرز علماء نظريات العقد الاجتماعي لما تتصف به آرائه من ثورية وقد شمل تناوله لنظرية العقد الاجتماعي آراء من سبقوه في كتابه الشهير (العقد الاجتماعي) نعرض فيما يلي باقتضاب لأوجه الاتفاق والاختلاف بين رواد هذه النظرية حتى نمسك بطبيعته ومفهوم حقيقة العقد الاجتماعي كما يراه لعلماء. وقد كان روسو خير معبر عن مشاكل فرنسا السياسية والاجتماعية في فترة ما قبل الثورة الفرنسية وكان يهدف من كتاباته البحث عن حل صحيح لهذه المشاكل وقد اكتسب شهرة واسعة وكان لها أثر كبير في كل ما قام في أمريكا وفرنسا من حركات ثورية. وقد لجأ روسو إلي استخدام العقد الاجتماعي بطريقة تختلف اختلافاً تاماً عما أبته لوك وهوبز فكان أكثر شعبية من لوك وأكثر تقيداً بالمبادئ من هوبز فقد كانت المثل العليا التي يدعو لها هي الديمقراطية المباشرة والمساواة التامة واتجهت أفكاره إلي إعادة بناء النظام الاجتماعي والسياسي.
وقد وضح الاختلاف بين كل من روسو ولوك وهوبز في عدة نقاط أو فروق وهي(15):
1.يصور هوبز الرجل البدائي علي أنه أناني وأن الحالة الفطرية الأولى كانت حالة حرب دائمة، أما روسو فيصوره رجلاً صالحاً والحالة الفطرية الأولى تمثل السعادة المثالية ، ويأخذ لوك طريقاً وسطاً بين الرأيين.
2.يقول هوبز وروسو أن السيادة مطلقة أما لوك فيرى أنها مقيدة.
3.يرى هوبز أن السيادة قد تكون ملكاً لفرد واحد أو لمجموعة قليلة من الأفراد أو الغالبية منهم، وأن الشعب إذا تنازل عنها لأحدى هذه الهيئات لا يمكن استرجاعها منه، أما روسو فيري أن السيادة ملك للشعب دائماً وتبعاً لذلك يجب أن تصدر عن الإرادة العامة أي عن إرادة الشعب مجتمعة.
4.لم يميز هوبز من الدولة والحكومة، ويرى أن الحكومة الفعلية هي القانونية أما روسو ولوك فقد ميز كل منهما بين الدولة والحكومة وهناك فرق بين الحكومات الفعلية والحكومات القانونية.
5.كان من رأى هوبز أن تغيير الحكومة معناه انحلال المجتمع والعودة إلي الفوضى الأولى، أما لوك فيرى أن الشعب حق اختيار الحكومة وحق تغييرها إذا رأي أناه غير مرضية، أما روسو فيرى أن الحكومة وكيل عن الشعب لتنفيذ رغبات الإرادة العامة.
6.أتفق روسو ولوك في وضع السيادة في الشعب وفي الحد من سلطة الحكومة، ولكن لوك يرى أن الشعب يحتفظ بالسيادة لاستعمالها وقت الضرورة القصوى.
لقد اتفقت آراء العلماء مع المنطلقات الفكرية (الأيديولوجية) لكل منهم فكان لوك يدافع عن نظام الحكم الدستوري كما كان يدافع هوبز عن النظام الملكي فهو لا يؤمن بإرادة العامة بل بإرادة الحاكم منفردة وقد تأثر هوبز بالحرب الأهلية في انجلترا تأثيراً جعله مؤازراً للملك واستند فيما كتب إلي نظام الحكم المطلق وكان يعتقد أن النظام الملكي أكثر النظم استقراراً وأكملها نظاماً ولما لم يستطع الدفاع عن نظرية الحق الإلهي للحكم ليبرر سلطة الملك المطلقة لجأ إلي نظرية القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي.
أما روسو فقد تأثرت آراءه بترقييه تأثيراً كبيراً فقد كان ثائراً علي التقاليد وكان لا يتفق بالسلطة الحاكمة ويكره المدنية ويكثر من الإشادة بالجمهوريات الإغريقية والرومانية القديمة ولا يثق بمظاهر المدنية الصناعية لذلك جاءت آرائه توضح إيمانه العميق بوجود الحياة الفطرية وأن الدولة شر أوجدته ظروف خاصة.
نقد نظرية العقد الاجتماعي:
إن أهم ما وجه إلي نظرية العقد الاجتماعي يلخص في الآتي:





1.أنها غير حقيقية لا سند لها في التاريخ
2.فكرة حالة الفطرة الأولى بعيدة عن الصواب غير منطقية لا تعتمد علي أساس علمي صحيح.
3.النظرية غير منطقية لأن الحرية لا يمكن أن تتحقق في حالة الفطرة الأولى كما يزعم القائلون بهذه النظرية، إذ أن الحرية تستوجب وجود حقوق أما في حالة الفطرة الأولى فلم يكن هناك حق إلا باستعمال القوة.
4.النظرية مستحلية لأنها تستوجب وجود نظام قانوني لحماية العقد وأن حالة الفطرة المزعومة خالية من القانون فاحترام العقد أمر لا يتصور.
5.نظرية العقد تنطوي علي آراء خطرة علي الدولة إذ أن المؤمنين بها يؤمنون بأن الشعب حقاً مطلقاً في الثورة وهذه أفكار هدامة تؤدي إلي القضاء علي المجتمع بأثره.(16)
ورغم الانتقادات الكثيرة الموجهة إلي النظرية فقد حققت في بدء ظهورها فوائد جمة للمجتمع الأوروبي، لأنها وقفت في وجه نظام الحكم المطلق وأيدت حقوق الشعب ووضعت حداً لطغيان الطبقة الحاكمة وطبقة النبلاء.(17)
وقد أسهمت نظرية العقد الاجتماعي بوضع أسس وأشكال مختلفة لنظم الحكم والسياسة وزودت الفكر السياسي بتاريخ عميق إذ أصبحت مصدراً أساسياً لجميع المهتمين بقضايا السياسية وأنماط الحكومات وتطورها كما مهدت لظهور علم الاجتماع السياسي.
الهوامش:
1.معن خليل عمر، مناهج البحث في علم الاجتماع، دار الشرق، عمان، الأردن، 1997م ص ص 56 ، 59.
2.غالي بطرس غالي ومحمود خيري، المدخل إلي علم السياسة، ط9، الأنجلوالمصرية، 1990م، ص 176.
3.نفسه، ص 177.
4.مصطفى الخشاب، تاريخ التفكير الاجتماعي وتطوره، بدون تاريخ، ص 145.
5.نفسه ، ص ص 97 ، 101
6.غالي بطرس غالي ومحمود خيري، مرجع سابق، ص 176.
7.ثريا البرزنجي، المجتمع المدني: المرأة العراقية والمفاهيم المعاصرة، جريدة المدى، http://www.almada.paper.org صفحة آراء، الجمعة 2 فبراير 2007م.
8.محمود محمد علي، بناء العقد الاجتماعي الارتيري، ورشة مركز التعايش والحوار بشرق أفريقيا، الخرطوم، الأحد 19 أغسطس 2007م.
9.ثريا البرزنجي، مرجع سابق.
10.نفسه.
11.غالي بطرس غالي ومحمود خيري، مرجع سابق، ص 101.
12.نفسه، ص 101.
13.محمود محمد علي، مرجع سابق.
14.عمر يوسف الطيب، علم الاجتماع السياسي، عزة للنشر، الخرطوم، ص 103 ، 2004م.
15.غالي بطرس غالي، محمد خيري، مرجع سابق، ص 176.
16.حورية توفيق مجاهد، الفكر السياسي من افلاطون إلي محمد عبده، ط2، مكتبة الأنجلومصرية، 1992م ، ص ص 359 ، 360.
17.نفسه ، ص 161.




lti,l hgur] hgh[jlhud