معوقات التحول الديمقراطى فى نيجيريا

لكي تتضح الغاية الأساسية من هذا الموضوع كان لزاما أن يشرح أن المقصد من الخلفية التاريخية والثقافية وتأثيرها علي الاستقرار السياسي، هو أنه ما زالت العقلية الإفريقية، وخاصة إذا كانت الأمور تصب في وعاء السياسة أو المصالح الاقتصادية، فإنها تضع اعتبار لحوادث وفترات تاريخية، أو لأعراف وقيم كانت سائدة في فترات فائتة، وكثيرا ما ينشأ من ذلك اضطراب في استقرار الدول الإفريقية .
ومن ذلك أن تحاول نخب أو جماعات معينة الهيمنة علي شعوبها بصورة انتقامية، مثل أن يكون الحكم في يد جماعة ترجع الي سلالة معينة كانت مهمشة أو مضطهدة من قبل، ووصلت إلي السلطة بواسطة المستعمر، أو بمساعدة دول مجاورة، وهكذا نجد في الحياة السياسة الإفريقية اهتمام كبير بالماضي (التاريخ) بكل ما فيه من هيمنة قبلية ودينية واقتصادية وثقافية، وظل التفكير من ذلك المنطلق من أشد العوائق التي واجهتها الدول الإفريقية .
- وكانت إفريقيا ما قبل الاستعمار قد نشأت فيها بعض النظم السياسية، كانت هي نفسها وليدة الأحوال الحياتية الإفريقية، وذلك وفق ما تمليه الأحوال البيئية أو الاجتماعية والاقتصادية وظروف السلم والحرب .
- يلاحظ أن قضية التعددية بمعناها العام قد شكلت أحد الملامح البارزة للتاريخ الإفريقي، ويمكن تلمس ذلك بوضوح عند دراسة إشكاليات التنوع الهيكلي للنظم السياسية التقليدية في إفريقيا، فقد وجدت مجتمعات افريقية اتخذت من رابطة الدم الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها السلطة السياسية ,إذ كانت بعض النظم السياسية التقليدية أكدت علي مبدأ توارث السلطة فإن البعض الآخر اعتمد علي آليات السلطة بشكل عام، كما أمنت بعض النظم الإفريقية بأن ممارسة السلطة حق لجماعة معينة داخل المجتمع قد تكون هذه الجماعة طبقة اجتماعية أو منظمة أو جماعة عرقية1 .
- وقبل استعراض بعض نظم الحكم في إفريقيا قبل الاستعمار، أو ما يطلق عليه نظم الحكم التقليدية يستوجب علينا أن نوضح مفهوم الاستقرار السياسي، أن هذا المفهوم أكثر المفاهيم السياسية غموضاً وتعقيداً، فقد يعني هذا المفهوم عدم الاستقرار الحكومي أو التغيرات السريعة المتتابعة في عناصر الهيئة الحاكمة، وقد يري البعض أن المفهوم يعني عدم استقرار النظام بمعني التحولات في الإطار النظامي للدولة، مثل التحول من حكم مدني إلي حكم عسكري أو العكس، وقد يزداد المفهوم اتساعاً ليعانق الصور المختلفة للعنف السياسي كأعمال الشغب والمظاهرات والاضطرابات والحروب الأهلية والحركات الانفصالية، والواقع أن لجوء الجماهير إلي الشغب والمظاهرات يعكس السخط الشعبي علي السلطة الحاكمة وقراراتها، بل وقد يعبر عن بداية لحركة عنيفة للإطاحة بالحكم (السلطة)، كما أن الحروب الأهلية والانفصالية تعد أعنف صور عدم الاستقرار السياسي في الدولة التي تعاني الانقسامات الداخلية الحادة، خاصة عندما يعجز النظام القائم عن تسوية التوترات الناتجة عن هذه الانقسامات1.

النظم السياسية التقليدية في إفريقيا :
في دراسة للنظم السياسية التقليدية في إفريقيا، لا نستطيع التسليم بتطابق هذه النظم التقليدية وتواكبها تطوراً ونضحاً، حيث أن الخبرات التاريخية التي تؤثر فيها علاقات الجوار والموقع الجغرافي والمعتقد السائد تختلف من منطقة لأخرى ومن عشيرة لأخرى، ولكن يمكننا الحديث عموماً عن نمطين أساسيين للتنظيم السياسي التقليدي في إفريقيا .
النمط الأول : قبائل ذات كيانات متعددة بنظم سياسية مختلفة تحكم نفسها بنفسها
النمط الثاني : قبائل تخضع لحكم أو لحماية قبائل أخرى سواء كان ذلك طوعاً أو كرهاً
ويتميز كل نمط عن الآخر، حسب التنظيم السياسي السائد فيه .
ففي النمط الأول تتمتع هذه المجتمعات بالسلطة المركزية بفروعها القضائية والإدارية، ويكون علي رأسها رئيس أو شيخ قبيلة، مما جعل علماء السلالات يسمونها مجتمعات الدولة أو مجتمعات السلة المركزية، وينطوي هذا النمط علي مجتمعات فانتي في غانا، واليوربا في نيجيريا، والموسي Mossi في بوركينا فاسو والسوزاي والزولو في جنوب أفريقيا .
- وقد داب علماء السلالات علي تسمية المجتمعات التي تستغني عن الحكم المركزي، أو الرئيس بمجتمعات اللادولة Stateless society، وينطوي هذا النمط علي مجتمعات ايبو Iybo في نيجيريا والكرو Kro في ليبريا، والتلنسي Tliensi في غانا، والكون كومباكون Kon Kombakon في توغو، والفولاني في نيجيريا والصوماليين، وكذا الجي Jie في أوغندا، والامبري Mbere في كينيا1.
- ويرجع هذا النمط في المجتمع القبلي إلي شيخ القبيلة أو إلي أسلافه كما يحدث في أحيان كثيرة، أن تلجأ إلي هذا المجتمع عناصر من خارجه، وقد يصغر حجم هذا المجتمع القبلي مثل الامبري في كينيا، أو يكبر مثل الايبو في نيجيريا، وكثيرا ما تنشق أحد البطون القبلية برئاسة شيخ العشيرة لأسباب سياسية، مثل الاختلاف مع رئيس القبيلة، أو اقتصادية مثل ضيق الرقعة الزراعية، أو اجتماعية بكثرة الأبناء والإتباع، وتؤسس هذه العشيرة المنفصلة مجتمعها المستقل، وهذا ما جعل هذا النمط أكثر شيوعاً في افريقيا2.
- ولعدم وجود السلطة المركزية لهذه المجتمعات، تعتمد الجماعة علي نظام التمثيل من كل عشيرة، بقدر العشائر التي يتكون منها المجتمع، ودور هذه المجموعة الممثلة، هو الوصول إلي حلول للمنازعات، وليس من حقها سن أحكام أو وضع عقوبات كما هو عند النوير في جنوب السودان، والتيف والايبو في نيجيريا، والعرب البدو في شمال إفريقيا .
- وأما المجتمعات التي عرفت السلطة السياسية المركزية، واستحكمت بهيئات ومناصب قيادية، تتمتع بحق اتخاذ القرار والتنفيذ، وقد استقرا علماء السلالات أربع هيئات أساسية لحكومتها وهي :
الهيئة الأولي : القائد رئيساً كان أو ملكاً
الهيئة الثانية : المجلس الخاص والمستشارون
الهيئة الثالثة : مجلس الشيوخ (الكبار) ويتكون من رؤساء العشائر التي يتكون منها المجتمع، فإن كان مجتمع الولف في السنغال يتكون من عشر قبائل فمجلس شيوخ المملكة يتكون من عشرة شيوخ .
الهيئة الرابعة : جمعية سكان القرية الذين يجتمعون في المناسبات وفي الحالات الطارئة لاتخاذ القرارات1.
- فمجلس الشيوخ سلطته تحديد شخص القائد ضمن من رشحوا له، وله أيضاً حق تعينه دون الرجوع إلي الانتخابات بين المرشحين، ثم يتولي الملك بعد ذلك تعيين مجلس المستشارين وهو المجلس الخاص ممن يثق فيهم من شخصيات القرية وحكمائها، ومن هنا تكون سلطة الملك قائمة علي سلطة مجلس الشيوخ والمستشارين اللذين يخضعان كلاهما لجمعية سكان القرية، التي تربطها الحكمة القائلة (السلطة تبقي حيث الجماعة)، وكثيرا ما تحدد جمعية سكان القرية ناطقها الرسمي2.
- وكانت الهدن والمداولات والمقاومات في صفوف المجتمعات القديمة مرتبطة بتواجدها، كما نوه بذلك بعض العلماء وفي هذا الصدد أصبح الفارق بين المجتمعات بلا دولة، والمجتمعات التي تحكمها دولة ، أصبح الآن نسبيا ومتحررا من جوانبه التطورية المحتملة، ومع أن الانتقال إلي نظام الدولة يعتبر خطوة كبري إلا أنه ليس أمرا لا مفر منه. فقد تبني الايبو Iybo في شرقي نيجيريا طرازاً آخر من التنظيم السياسي بالرغم من تطورهم الاقتصادي واندماجهم في مجال اقتصادي مزدهر، أو غير قابل للرجوع عنه، وقد حلت مجتمعات مجزأة محل ممالك كونجو Kongo والإمبراطورية المانديجية Man Dingoue في مالي، وهذه التذبذبات تتوالي وتنتمي إلي التضاريسية الطويلة المدي، فقد تأسست مملكة الباموم Bamboum بهذه الطريقة في الكاميرون من خلال ثورات ممتد إلي المجتمع، واستمرت في استخدام اجراءاته السياسية، كما أن الكوتو كولي Koto Koli في وسط توغو، انتقلوا في غضون قرنين من الزمن، من نظام (بلا رأس) إلي الزعامة ثم المملكة، وفي هذه المراحل استمر نظام النسب في إطار البناء السياسي الجديد مع تأدية وظائف أخرى3.
- وعلي نفس هذا المنوال، لم تؤدي تصفية جمهورية الماندينج وانكماشها السياسي حول الكافو Kafu التقليدين إلي زوال تمثيلاتها الإمبراطورية، التي حافظت علي دورها في إعادة تشكيل البنيات السياسية المحلية البديلة، وفي مواصلة المشاريع التوسعية حتى ملحمة ساموري Samori في القرن التاسع عشر .
- وفضلا عن ذلك لا يبدو أن ا يا من التصوريين المتعلقين بالنسب والدولة، يتفق مع إشكال سياسية متماثلة، ومن المفارقات في هذا الصدد، أن علماء الانثربولوجيا الماركسيين الفرنسيين افترضوا وجود انتاج يعتمد علي النسب بينما كانت فكرة النسب تشير إلي تحفظات متزايدة، وتؤكد الدراسة الوافية للمجتمعات المجزأة، التنوع الشديد في الأوضاع التي تشملها في الواقع هذه الفئة، كما أن مفهوم الدولة الذي يمكن أن يكون موضع نقاش لأغلب الملكيات في القارة يخص هو أيضاً عدداً كبيراً من التشكيلات التي تتطور مع الزمن.
- من البديهي أن نلاحظ أن الحياة السياسية في إفريقيا كانت حياة معقدة، وان نظم الحكم التي كانت تسيطر علي الأوضاع لم تكن في الغالب مرضية عنها من قبل المجتمعات الإفريقية، فهي إما بالتوراث أو بالنسب أو بالاحتواء والهيمنة أو أنها تحالفات بما تكون في الكثير من حالاتها مبنية بصورة غير متكافئة، ثم أيضاً يلاحظ أن السياسة كثيراً ما تتدخل في الاقتصاد، حيث هناك العديد من القوانين أو الأعراف التي تنص علي أنه يسمح للزعيم أو طبقة معينة من حاشيته، امتلاك مساحات زراعية واسعة أو مراعي أو غير ذلك حسب البيئة والمجتمع، مما يؤثر سلباً علي حياة المجموعات الإفريقية .
- وينتج عن ما تقدم أن تظهر الثورات والتمرد علي السلطة، والتاريخ الإفريقي حافل بمثل هذه الأحداث، وتقوم تعاهدات وتحالفات جديدة، يظهر علي أثرها أنظمة جديدة، وتزدهر لغات كانت مهمشة وتنتشر ديانات ومعتقدات كانت لم تكن ذات شأن كبير.
- هذا التحول الكبير في الحياة السياسية الإفريقية، وعدم الاستقرار الذي يرافقها، بصاحبه نزعة حرص وتحوط، وخوف من الثأر والانتقام من قبل السياسيين الأفارقة المعاصرين.


- نجد علي سبيل المثال بعض الدول الإفريقية، تخاف من جماعة معينة، وتخشي أن تقع السلطة في أيديهم، وذلك لاعتبارات تاريخية، ففي دول مثل مالي والنيجر فأن الإطار السياسي والقانوني لتطوير اللغة الطارقية وثقافتها وترقيتها متوفر، إلا أنه لا يزال نظرياً، وهذا يعود الي المشاكل التي تعيشها هذه البلدان، وأيضاً إلي أقلية ونوعية النخب الطارقية ذات التكوين العصري ، زيادة على ذلك فمن الناحية السياسية توجد كراهية وضغينة قوية تكنها السلطات المركزية المسيطرة من طرف الزنوج تجاه الطوارق الذين حكموا وسيطروا قديماً علي المنطقة، وكأنه انتقام تاريخي من الطوارق المبعدين حالياً من السلطة، والذين ينظر إليهم حالياً كقوة خطيرة ومهددة للنظام، وهي موضوعة تحت مراقبة نظام إداري يشرف عليه الجيش في النيجر ومالي علي حد سواء1.
- وفي دول أخرى من القارة الإفريقية، نجد دولة مثل نيجيريا، وهي دولة مصطنعة من قبل الاستعمار الأوربي، ودولة مثل السودان وإن كان أكثر تماسكاً من حيث اللغة والدين من نيجيريا، نجد أن الخلفية التاريخية تسيطر علي عقلية السياسيين، وأن الصراع في نيجيريا مثلاً له بعد تاريخي وثقافي وأنه صراع تقاليد .
يرجع تباين هذه التقاليد إلي ظروف نشاة الدولة النيجيرية ذاتها، فنيجيريا كما سبقت الإشارة إلي ذلك دولة مصطنعة حديثة النشأة، أنشأتها بريطانيا علي أنقاض العديد من الممالك والكيانات التي أخضعتها لسيطرتها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين2.
- وضمت هذه الدولة الناشئة جماعات متباينة، ليس فقط من حيث ثقافتها ولغاتها وأصولها الأثنية، ولكن أيضاً من حيث تقاليدها الدينية وخبراتها التاريخية بالنسبة للعلاقة بين الدين والدولة، ويبدو أن المشكلة الحقيقية في الجدل حول هذه القضية تتمثل في خوف كل من المسلمين والمسيحيين في نيجيريا بشكل متبادل من مخاطر هيمنة أي منهما علي الآخر ، حيث تعني الدولة العلمانية من وجهة نظر المسلمين سيطرة مسيحية، بينما تعني الدولة الغير علمانية من وجهة نظر المسيحيين سيطرة إسلامية3.
وساعد علي ذلك عدم قطعية النصوص الدستورية حول هذه القضايا، ومن ثم قام كل من الطرفين بتضمين هذه النصوص بما يؤيد وجهة نظرهم، وأدي ذلك ضمن عوامل أخري إلي استمرار الجدل حول هذه القضايا4.
- وفي السودان فإن تأثير الخلافات الناتجة عن الأبعاد التاريخية للعلاقة بين السلالات الأفريقية واضحة جداً، فمسألة الرق أو الاستعباد من المسائل التي لها بعد تاريخي عميق في القارة، ولكنها في السودان تدخل في صميم الصراع السياسي.
بالرغم من أن تجارة الرقيق مسألة لها أبعادها ومحدداتها التاريخية المعقدة، وأنها فرضت علي السودان فرضاً من قبل السلطات التركية المصرية، وقد شارك فيها نفر محدود من التجار ذوي الأصول الشمالية، إلا أن ذلك لم يمنع دعاة الفرقة من إعادتها إلي مسرح نقاش علاقات الجنوب والشمال كلما اشتد الصراع واحتدم النقاش.
وينسي هؤلاء أن تجارة الرقيق في السودان لم يزاولها الأوربيون من مختلف الجنسيات والمصريون والشماليون فقط، بل إن القبائل السودانية الجنوبية تعاطت هذه التجارة فيما بينها، وكان أشهر المتعاملين بهذه التجارة (موبوي) أحد رؤساء قبيلة الزاندي، الذي تاجر بالألوف من الأرقاء الذين حصل عليهم إما من القبائل المستعبدة التي أخضعها أو الغزو المنظم للشعوب المحيطة1.
- ونظراً للاستغلال السيئ للأحداث التاريخية والتنوع الثقافي من قبل الزعامات الإفريقية وبعض المثقفين وذوي المصالح الخاصة، فإن الخلفية التاريخية والثقافية لشعوب القارة سيكون لها شأن أكبر في الحراك السياسي الإفريقي، وستظل عقبة أمام الاستقرار السياسي لدول القارة.
- ولكي تتجاوز الدولة الإفريقية الأزمات الناشئة من التفكير السياسي النابع من الخلفية التاريخية والثقافية، علي الدول الإفريقية إن تقر الحقوق والحريات السياسية والمدنية والإعلام الحر، والاعتراف بالتعددية في المجتمع، وإقرار مبدأ سيادة القانون ودولة المؤسسات واستقلال القضاء، وفهم أن الماضي صنعه الآخرين.



lu,rhj hgjp,g hg]dlrvh'n tn kd[dvdh