مفاهيم حول الشرعية والمشروعية
الشرعية تعني في المصطلح السياسي مدى الرضا المتبادَل بين السلطة والحاكم والشعب ويقاس ذلك بمدى انحياز السلطة الحاكمة لأحلام ومطامح الشعب، ويمثل الشعب المجلس المنتخب انتخابًا حرًّا ديمقراطيًّا.




ويتمثل عدم رضا الشعب عن السلطة في حجم الأزمات التي تحدُث داخل البرلمان أثناء تشريع القوانين، فدائمًا الحكومة تنحاز إلى القوانين "التقييدية" مثل قانون الطوارئ وحبس الصحفيين والحبس الاحتياطي والوقوف أمام الرغبة الجامحة من الشعب في استقلال القضاة، وأيضًا أثناء الرقابة، فحجم الشفافية في الإعلان عن الميزانيات في بعض المؤسسات غير متوفر ويسوده الضبابية والغموض.



والمشروعية تعني مدى التزام المؤسسات والحكومة بالقانون والدستور، فمن خرج عن القانون والدستور صار محظورًا ومن وافق القانون صار مشروعًا



يميّز الفقه بين فكرة الشرعية و المشروعية على النحو الآتي :
ذهب بعض الفقهاء إلى القول بأنه لا يوجد فرق بين مصطلحي الشرعية و المشروعية و أنهما يدلان على معنى : <ضرورة إحترام القواعد القانونية بأن تكون جميع تصرفات السلطات العامة في الدولة متفقة و أحكام القانون بمدلوله العام>.
لكن أغلبية الفقه يميّز بين المفهومين كالآتي :
الشرعية : légalité يقصد بها السلطة أو الحكومة التي تستند في وجودها إلى القواعد المحددة في الدستور أو في النظام القانوني، فإذا وجدت سلطة أو حكومة دون أن تعتمد على السند الدستوري أو القانوني فإنها تسمى سلطة أو حكومة فعلية أو واقعية، و بالتالي فهي لا تتمتع بصفة الشرعية.
و نشير إلى أنه ليس هناك ترابط بين صفة الشرعية و الواقعية أو الفعلية للحكومة و بين مضمون نشاطها و أهدافها التي تسعى إلى تحقيقها و إنما العبرة من إستنادها في وجودها إلى سند قانوني لممارسة السلطة فإذا وجد هذا السند القانوني كانت حكومة أو سلطة شرعية أو قانونية أما إذا إنعدم السند القانوني فإنها تكون حكومة فعلية.

المشروعية : رغم صعوبة وجود معيار موضوعي واحد لتعريفها غير أنه في الغالب يقصد بالسلطة أو الحكومة التي تتمتع بصفة المشروعية تارة تلك السلطة التي تتفق تصرفاتها و نشاطاتها مع مقتضيات تحقيق العدالة، و تارة أخرى يقصد بها السلطة التي تستند إلى رضا الشعب، و من ثم يمكن القول أن سلطة الحاكم المطلق أو المستبد غير مشروعة و إن إستندت إلى نص الدستور القائم أي حتى و لو كانت سلطة قانونية، و على العكس تكون سلطة الحكومة الثورية مشروعة و لو قامت على أنقاض حكومة قانونية كانت تستند إلى أحكام الدستور.
و مثال التفرقة بين الحكومة أو السلطة التي تأتي عقب ثورة شعبية فهي تكون حكومة غير شرعية لكنها تتصف بالمشروعية لأن عملها يتقبله الشعب أما السلطة الإنقلابية فهي غير شرعية لأنها لم لم تستند في وجودها إلى سند قانوني و كذلك فإنها غير مشروعة لأن عملها لا يرضى به الشعب.
إذا لا يمكن القول بأن هناك :
* سلطة تتمتع بالشرعية و المشروعية، و * سلطة شرعية لكنها لا تتمتع بالمشروعية و هناك * سلطة غير شرعية و لكنها تتمتع بالمشروعية (السلطة الثورية) و هناك * سلطة غير شرعية و لا تتمتع بالمشروعية في نفس الوقت (الحكومات الإنقلابية



الشرعية والمشروعية ــ والاستثناءات التي تتعلل بها السلطة التنفيذية ــ وسيادة الدستور

بات من المسلمات الان، ان لايكفي لحماية حقوق الافراد وحرياتهم العامة، ان تتأكد سيادة القانون في شأن علاقتهم بعضهم مع البعض الاخر، بل اصبح يلزم لتوكيد هذه الحماية ان يسود القانون علاقتهم مع الدولة، وما يتفرع عنها من هيئات عامة. “1”
ومن البديهي ان القواعد القانونية تفقد قيمتها، إن هي فقدت سيادتها. فالقواعد القانونية وجدت لتحكم علاقات اجتماعية بهدف توجيهها وجهة تحقق الغرض الذي وجدت من اجله. فان اختلف الاتجاه الذي تسكله العلاقات الاجتماعية عن الاصول المفروضة في القواعد القانونية، دون ان يمكن تقويمها.. فقدت هذه القواعد مبرر وجودها، وبالتالي تقوضت سيادتها. فحين تتغاير الاتجاهات المتكونة في القواعد القانونية مع خطوط سير المصالح الاجتماعية التي تحوز الحماية القانونية .



نكون ازاء وضع تتخبط فيه سيادة القانون بين الواقع والتطبيق، وبين الاقوال المجردة وتبعا لدرجة التغاير التي تحوزها القواعد القانونية ومثيلتها التي تصب فيها روافد العلاقات الاجتماعية، والاقتصادية والسيادسية، “2” مما يتطلب الحل الصحيح، وباجراءات مشروعة وقانونية.
وتوجد فكرة عامة وشائعة ومسلم بها من قبل الاكثرية، حول من يمارس السلطة، وكيفية ممارسة هذه السلطة، ومدى خضوع الدولة للقانون.
وتعددت النظريات والاسس التي ساقها المفكرون الليبراليون، في تبرير وتفسير، وجوب خضوع الدولة للقانون، وان القواعد القانونية وخطابها تشمل السلطة ومؤسساتها، بهدف الوصول الى نوع من تقييد نشاط الدولة وعدم السماح لها بالتدخل في مجالات النشاط الاقتصادي، ولتبقى تلك المجالات حكرا للنشاط الفردي. ولما كانت العملية التشريعية تتم في صورة المجالس او البرلمانات، او ماشابه ذلك، فان اي تدخل من قبل الدولة في اي مجال، يمكن ردعه مقدما عن طريق عدم الموافقة عليه، بالصورة القانونية عبر التشريع من منطلق هيمنة الطبقة البرجوازية على تلك الاجهزة التشريعية ووفقا للمبادئ والافكار السائدة ووفقا لمصالحها.
ومن خلال ذلك، اي من خلال اخضاع الدولة للقانون. تحت شعار (مبدأ سيادة القانون) تكون النشاطات الاقتصادية وغيرها بمنأى عن اي تدخل محتمل من قبل الدولة حسب الفكر الليبرالي السائد.
ويلخص الاستاذ (محمد طه بدوي) الاتجاهات التي يعتمدها الفقه الليبرالي في هذا الشأن في معرض بحثه عن خاصية التعميم والتجريد في القاعدة القانونية في كتابه “الثورة بين الشرعية والحتمية” قائلا. “3”
“ان خاصية التعميم في القاعدة القانونية ليست معناها تعميم سريان القاعدة القانونية، ففي ظل النظم الحديثة لاتدع ايا كان، في داخل نطاق الجامعة السياسية ــ الدولة ــ يفلت من الامتثال لها، او يتمكن من الاخلال بها، وذلك دون تمييز بين حاكم او محكوم، او بين هيئة خاصة او عامة. وجملة القول، ان التعميم في القاعدة القانونية من شأنه إخضاع المحكومين والهيئة الحاكمة على السواء، للقاعدة. فليس للاخيرة ان تسمح لنفسها بالخروج على احكام القاعدة القانونية، بحجة انها موجهة الى المحكومين فحسب. ان السيادة في النظم الحديثة ــ للقانون ــ انه يتسلط على كل تصرف او اجراء يصدر عن اية سلطة داخل الدولة، مهما علا شأنها. ان السلطات العامة، تخضع في كل مايبدو منها من نشاط وما تتخذه من اجراء، للقواعد القانونية القائمة، فلا يفلت اي اجراء يصدر عنها من سريان القواعد القانونية التي تقدمته ــ انه نظام ــ المشروعية.
ان السلطة تعد في هذا النظام جائرة، اذا جاءت تصرفاتها مخالفة لقاعدة عامة مجردة معمول بها وقت وقوع التصرف، وان السلطة لاتكون عادلة الا اذا التزمت فيما تتخذه من قرارات او اجراءات، القواعد القانونية القائمة وباسم القانون.
فنظام الشرعية هذا يعلي القانون، على كل اعتبار اخر، وحتى على السلطة العامة. ان هذه السلطة لاتقوم ولاتسود في ظل نظام الشرعية الا عن طريق القانون.
ان القانون هو الذي يسود السلطة العامة، فمنه تستمد وجودها وسيادتها، فهي تحكم باسمه وعليها ان تستلزم حدوده فيما تتخذه من قرارات او اجراءات، او فيما تصدره من اوامر. ولقد سجل دستور 1791 الفرنسي الثوري هذا النظام، إذ نص، على انه ليس ثمة سلطة في فرنسا، أسمى من سلطان القانون، إن الملك لايحكم الا بمقتضاه وبأسمه. “4”
ومن الجلي ان الدستور عبارة عن تجسيم للفكرة القانونية السائدة، والتي هي اساس شرعية كل تصرف في هذا المجتمع السياسي. فالدولة عند وضعها القوانين، إنما تتبع قواعد معينة بالدستور، تحدد اختصاصها، وتبين ميادين نشاطها. فهي اذن مقيدة، بحدود مرسومة لها، لايجوز لها ان تتعداها، وهذا هو فيصل التفرقة بين الدولة الخاضعة للقانون، وبين انواع اخرى، من الدول التي لاتتقيد بحكم القانون.
فهناك في الدولة التي تخضع للقانون، قواعد قانونية مختلفة الدرجة من حيث الالزم، يخضع بعضها لبعض. ويترتب على هذا التدرج، ان القواعد التنظيمية يجب ان تعمل في الحدود التي ترسمها القواعد التي تسمو عليها. فالمرسوم يخضع للقانون والاخير يخضع للحدود الواردة في الدستور. ويتضح من ذلك، ان الدولة لايمكن ان تكون شرعية الا اذا كانت تصرفاتها في حدود القانون. وبغير ذلك تسقط عن الدولة صفتها القانونية. اما اذا كانت السلطات تستطيع التصرف خارج حدود القانون، فعندها لايمكن ان تتصف الا بالاستبداد، حتى وان اختار النظام السياسي، شكل ناظم ديمقراطي ويلبسه لبوسا معسولا بينما يطبق من حيث الواقع نظاما استبداديا تعسفيا استند فيه على الطائفية والعنصرية وسياسة الحزب الواحد، وبعيدا عن حرية الرأي، وسياسة الرأي والرأي الاخر، ولم يتقيد بكل قيد قانوني يفرضه الدستور الواجب احترامه من قبل الجميع.
لذلك نقول لابد للدولة الخاضعة للقانون بين التقيد في الحدود الواردة في دستورها، طالما ان الدستور ممثل للفكرة القانونية السائدة، او بعبارة اخرى ــ لابد ان تخضع السلطات جميعا ــ رئيس الجمهورية ــ رئيس الوزراء والوزراء والبرلمان لمبدأ شرعية تصرفاتهم. ويترتب على ذلك ضرورة الرقابة على تصرفات تلك السلطات ومنها السلطة التشريعية عند ممارسة نشاطها في سن القوانين. حيث عليها ان تحترم الحدود والقيود الواردة في سلطاتها وان تلتزم بها. والقضاء العادي او المتخصص هو المطبق لتلك القوانين. ويكون حارسا لهذا الاحترام وضامنا لهذا الالتزام، ويكون ذلك عن طريق تقرير حقه في مراقبة دستورية القوانين استنادا الى مبدأ شرعية تصرفات المسؤولين (الحكام) في الدولة التي تخضع للقانون. “5”
ان كل تصرف في نطاق العلاقات الاجتماعية، يتطلب نوعا من القيود، او بالاحرى القواعد، التي تقتضي، ليكون ذلك التصرف صحيحا، وان يتم بالاستناد الى تلك القواعد، وقد لاتكون تلك القواعد قانونية، بل قد تكون اخلاقية او اجتماعية، متعددة الطابع والطبيعة، وبالتالي يدور التساؤل حول علاقة هذه المطابقة التي تجري مع المبادئ الاجتماعية المتعددة بتلك التي تقع مع القواعد القانونية السائدة؟.
ان الفكرة القريبة من مبدأ “المشروعية” والتي نقصدها من “عمليات المطابقة التي تجري مع المبادئ الاجتماعية المتعددة او مع غير القواعد القانونية هي فكرة الشرعية، والمحل الذي تدور فكرة الشرعية حوله بصورة خاصة هو “السلطة” وبتعبير ادق حول مصدر السلطة في المجتمع وحول طريقة ممارستها”. “6”
ففي كل وقت يقول الدكتور الشاوي، ولاقول للاستاذ “سمير خيري ــ في رسالته للماجستير ــ في مبدأ سيادة القانون” “توجد فكرة عامة وشائعة ومسلم بها من قبل الاكثرية حول من يمارس السلطة وكيفية ممارسة هذه السلطة وانتقالها، وعليه فالسلطة تكون شرعية، اذا كان من يمارسها وطريقة ممارسته لها تتفق والرأي السائدة في المجتمع حول هذه الامور”. “7”
ففي كل مجتمع بشري كبيرا كان او صغيرا، نرى افرادا او مجموعة افراد، يقبضون على قوة إرغام يفرضونها على الاخرين، وهنا يجب ان نسلم بوجود سلطة اي “دولة”.
ونستطيع القول ان معادلة السلطة تتضمن طرفين ــ الحكام والمحكومين ــ وان طبيعة العلاقة بين الحكام والمحكومين تقوم اساسا على فكرة الامر والطاعة. لكنهم ادركوا عبر التأريخ، ان سلطة الحكام ستكون اكثر احتراما، اذا سلم المحكومون من ذاتهم بهذه السلطة، وآمن المحكومون بسلطة الحكام اي بشرعيتها. ولكن المسألة الاساسية هي:
ــ وفق اي مبادئ وتصورات تكون السلطة شرعية، ويكون التمييز بين الحكام والمحكومين مقبولا؟ لذلك فان مسألة شرعية سلطة الحكام هي اساس وجوهر كل بناء وتنظيم سياسي وقانوني.
ففي عملية وضع القاعدة القانونية او صحتها، ومن قبل الحكام يجب الاخذ بنظر الاعتبار دور السلطة ــ اي الهيئة ــ التي تضع القاعدة، وبالتالي إيجاد المحل المناسب لها في السلسلة او الهرم القانونية في الدولة بين القاعدة العليا التي تنفذها والقاعدة الدنيا التي تضعها.
فالقاعدة القانونية تكون وضعية وصحيحة وكاملة لمجرد انها تصدر عن سلطة مؤهلة، وتستقي هذا التأهيل من سلطة ناجعة، والسلطة الناجعة هي السلطة المطاعة والسلطة المطاعة هي السلطة الشرعية. كما ان القاعدة القانونية لابد ان تكون عامة مجردة، وان تتضمن امرا بعمل او إمتناع عنه.. وسوف نوضح ذلك لاحقا في بحث مستقل.
واخيرا فالشرعية هي اولا وقبل كل شيء معتقد او ايمان غالبية اعضاء المجتمع ايمانا حقيقيا، بان السلطة وقبل كل شيء يجب ان تمارس بطريقة قانونية والا فقدت مبرر طاعتها.
على ان الجزاء جزء من القاعدة القانونية، بل لاوجود للقاعدة من الناحية القانونية اذا لم تقترن بجزاء، فانها عندئذ ستكون أشبه بالوصايا والاقوال السياسية غير الملزمة قانونا.
ويرى البعض ان السلطة السياسية ضرورة ولانها ضرورة فهي دائما شرعية.. فذاك مانفرد له بحثا خاصا نشير فيه الى الاتجاه السلطوي الذي قد يصنع الاستبداد. ويمكن القول اخيرا ان الحياة الاجتماعية تقوم على اساسين هما المشروعية والشرعية، وعلى ادراك العلاقة والانسجام بينهما تقوم الحضارة. “8”


قيل غالباً بأن الانظمة تحتاج الى شرعية وأن فكرة خلق شرعية إصطناعية ترد بصورة طبيعية الى أذهان أغلب القادة، إن لم يكن جميعهم. إن العملية التي تتم بها محاولة هندسة شرعية اصطناعية تعرف بكونها مشروعية legitimation)).

إن الطريقة الخام او البدائية التي تتم بها تنشئة مشروعية هي عبر الدعاية. ومع تطور الاعلام الجماهيري، ففي التفكير الاولي، أن بإمكان الدعاية أن تنجح في تغيير أذهان السكان. إن وجهات النظر هذه كان يجب أن يتم التخلي عنها تدريجياً. إذ أن الانظمة التي تقوم على الدعاية قد سقطت، وأن كثيراً من المجهود الدعائي بدا بأنه لا ثمرة فيه ولا طائل. لقد بدا الآن واضحاً بأن لا أحد بإمكانه إن يسبغ مشروعية على الانظمة عن طريق الدعاية وحدها.

لقد تمت محاولة صناعة مشروعية عبر طرق أخرى. فمع تطور آليات استطلاع الرأي العام على نطاق واسع، فإن الحكومات منخرطة الى حد كبير في عملية المشروعية بصورة شبه يومية، أولاً للحكومة نفسها، وثانياً في حالات عديدة على الاقل للنظام السياسي أيضاً. في الماضي، كان على القادة الاتكال على القمع، وغالباً التشويه، حول الدعم الذي يحظون به: إنهم يزرعون جواسيس يتولون إدارة عمليات استطلاع خاصة من أجل اكتشاف الدعم الشعبي. وقد فعلوها. إن فكرة زيادة دعمهم تظل في أذهانهم بإستمرار، وأن أعمالهم موجّهة غالباً عن طريق هذه الفكرة.

وبحسب رؤية هذا الطريق، فإن مسألة الدعم تصبح على هذا النحو: الدعم يبقى لأن المجتمع يقنع الافراد ويستحثهم على تقديم الدعم. إن المشروعية تصبح جزءا من عملية الاجتماع والشراكية، ويصبح الافراد بمعنى ما التعبير عن القوى الاجتماعية: والنتيجة تبدو مبالغة، ولكن التناظر حولها يظل قائماً ومتصلاً.



مفهوم الشرعية في الفكر الإسلامي (3)

وعلى صعيد آخر، فإن مفهوم الشرعية في اللغة العربية يختلف - إلى حد ما - عن المفهوم في الفكر الغربي كنتاج لاختلاف البيئتين. في اللغة العربية: الشرع والشرعية والشريعة والتشريع والمشروع والشرعة كلها من جذر لغوي واحد "شرع"، والشرع لغة: البيان والإظهار، ويقال شرع الله كذا أي: جعله طريقًا ومذهبًا، والشرع مرادف للشريعة، وهي ما شرع الله لعبادة من الأحكام، والشرعي هو المنسوب إلى الشرع. وفي هذا السياق فلقد استخدمت الشرعية كصفة للأفعال المطابقة للقانون أو المقيدة به، ويقصد بالقانون الأحكام المستندة للشريعة الإسلامية.

ويلاحظ أن مفهوم الشرعية قد حُرِّف عن أصله اللغوي وسياقه الفكري في اللغة العربية بدعوى تطور المفهوم، وتحولت معاني المفهوم مع تزايد معدلات العلمنة؛ بحيث أصبح يعني القانون الوضعي والشرعية الوضعية. ولقد تحدثت بعض الموسوعات الحديثة، مثل موسوعة معن زيادة ، عن تعدد التعريفات لمفهوم الشرعية - طبقًا للرؤى الغربية- وكذلك عن أشكال النظام "الشرعي"، مما يضفي على مفهوم الشرعية عدم الثبات(4) .

وفي الواقع، فإن مفهوم الشرعية يشكل مركزًا لرؤية متكاملة في الفكر الإسلامي، وترتكز هذه الرؤية على المحاور التالية(5) :

&Oslash; مفهوم الشرعية مفهوم متكامل الجوانب: باعتبار أن الدين الإسلامي هو دين له بُعد سياسي،والسياسية الإسلامية هي سياسية دينية، والشرعية لا بد أن تكون دينية، وهي بهذا المعنى واحدة ومطلقة - كلية وشاملة، تمتلك العديد من العناصر والتطبيقات؛ أخلاقية واجتماعية وأيضًا قانونية وسياسية. -

&Oslash; السياسة الشرعية سياسة عادلة: ترتبط الشرعية الدينية في الإسلام بالجوانب السياسية، وذلك يعتبر ربطًا بين الفكر والتنظير في قواعد التأسيس في الشريعة الإسلامية، فالشريعة لها جوانب حركية متمثلة في السياسة أي القيام بالأمر وتدبيره بما يصلحه وفق النسق القيمي الإسلامي. ويلاحظ أن السياسة الإسلامية متصفة بالعدل باعتباره فريضة تتواءم مع روح الشريعة. -

&Oslash; الشرعية بين الحاكمية والعلمانية: يعتبر الحديث عن سياسة الدنيا في الإسلام جزءًا لا يتجزأ من الدين، طالما كان قانون الدولة الذي يحكمها "الشريعة"، وبهذا يعد الدين مفهومًا توحيديًا بين ما هو ديني وبين وما هو سياسي. ولا تنطبق هذه المقولة على الخبرة الغربية، التي يُستبعد فيها أي تأثير أو توجيه ديني على تنظيم المجتمع والعلاقات الإنسانية داخل المجتمع والقيم التي تحتويها هذه العلاقات فيما يعرف بـ "العلمانية". -

&Oslash; الشرعية: الطاعة والرضا والولاء والتغلب والخروج: ترتبط الشرعية بشبكة من المفاهيم المتعلقة بممارسة المحكومين لعلاقتهم بالسلطة السياسية. وترتكز الشرعية على أساس من الطاعة لأولي الأمر الذين يتحقق تجاههم الرضا الشعبي، والذين يتعلقون بأداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالشريعة العادلة. وقياسًا على ذلك فإن "إمامة التغلب" - أي الاستيلاء على الحكم قهرًا- تفتقد أهم عناصر الرضا والاختيار في عقد الإمامة- أي افتقاد الشرعية ذاتها، وكذلك لا يمنع الخروج على السلطة غير المؤدية لمهامها. -

وترتكز الدولة الشرعية في الرؤية الإسلامية على العقيدة باعتبارها مؤسسة لقيم الممارسة السياسية الشرعية، وتجمع بين الحق - أي ما يحدده الشرع - والقوة - في حدود الحق المنزل. والأمة هي قاعدة الدولة الشرعية باعتبارها الجماعة السياسية المنوط بها: حاكمية الشرع والعقيدة، وإنجاز الأمانة ، وتحقيق الخلافة. وتستند شرعية الحاكم في الدولة الإسلامية إلى عقد البيعة - أي مبايعة الرعية للحاكم بحيث تصير شرعية القيادة بالموافقة والرضا.


تأسيس السلطة السياسية

بين واقع تنازع المشروعيات ومتطلبات تحديد قواعد الشرعية في الدول العربية





يحتل غياب الديموقراطية وضرورة تفعيلها موقعا لا يستهان به في جل الدراسات التي تتولى تحليل بنية الأنظمة السياسية العربية. بيد أن الإشكال الذي تثيره هذه الدراسات هو تركيزها علي مظاهر هذا الغياب دون النفاذ إلى تحديد أسبابه للوقوف عند عمق الإشكاليات التي يطرحها. من هنا تبدو أهمية التعامل مع هذا الغياب من منطلق آخر تتحكم فيه ضرورة الانتقال من تنازع المشروعيات إلى تحديد قواعد الشرعية، هذا الانتقال الذي يتم عبر الانخراط في مسلسل تأسيس السلطة السياسة لجعلها متوافقة مع متطلبات الديموقراطية ودولة القانون. إن هذا التعامل يقتضي أولا وضع تلك العناصر في قلب إشكالية التحول الديموقراطي التي يعد تأسيس السلطة السياسية من متطلباتها، وثانيا تحديد مضامين تأسيس السلطة السياسية المتمثلة في الدمقرطة والتقنين، وثالثا رصد أبعاد تأسيس السلطة السياسية التي ترتبط بإعادة هيكلة السلطة السياسية وتحديد إمكانية تداولها. من هنا الفكرة الأساسية المتمثلة في تأسيس السلطة السياسية بين واقع تنازع المشروعيات ومتطلبات تحديد قواعد الشرعية، والأفق هو من أجل الارتقاء بالممارسة السياسية إلى متطلبات تأسيس السلطة.

I – إشكالية الانتقال الديموقراطي ومتطلبات تأسيس السلطة السياسية:

بالفعل لا أحد يجادل في أن غياب الديموقراطية يشكل الآفة التي تتجاذب –وبصفة متفاوتة- الأقطار العربية مما يطرح ضرورة تفعيلها بإلحاح. إن مظاهر هذا الغياب متعددة : غياب تعددية حزبية فعلية، غياب الانتخابات الحرة والنزيهة الخ. إن رصد هذه المظاهر من الأهمية بمكان، ولكنه يطغى على تحديد الأسباب بالشكل الذي يجعلنا أمام النتيجة لا أمام السبب، بمعنى أن هذه المظاهر على الرغم من أهميتها فهي لا تفسر لماذا تعد الديموقراطية غائبةK ولذلك يتعين البحث في اتجاه تحديد الأسباب.

إن تلك المظاهر تمثل بالنسبة لنا تجليات إشكالية لازالت معلقة، وهي إشكالية الانتقال الديموقراطي بحيث يتعين البحث لا في اتجاه تحديد تجلياتها فقط، بل أيضا –وأساسا في اتجاه تحديد أسبابها. هنا أنتقل إلى صلب الممارسة السياسية اليومية- التي يتداخل فيها الخطاب السياسي لتحديد طبيعة الصراعات السياسية المهيمنة، لأقول بأن هذه الصراعات السياسية لازالت تتحكم فيها ممارسة سياسية لم ترتق بعد إلى مرحلة تأسيس السلطة السياسية بالطريقة التي تجعلها متوافقة مع متطلبات الديموقراطية ودولة القانون. إن التنازع بين المشروعيات لازال يهيمن بدرجات متفاوتة، وبصفة صريحة أو ضمنية، على الصراعات السياسية ولم يتراجع إلى حد أن يستقر في إطار تحديد وتمتين قواعد الشرعي، الدستورية والديمقراطية، في آن واحد، أي قواعد اللعبة السياسية، التي تعد بمثابة الضوابط الموضوعية للحياة السياسية، في جانبيها السياسي والقانوني. إن تنازع المشروعيات بقدر ما يتمحور حول السلطة السياسية للمحافظة عليها أو الاستيلاء عليها، بقدر ما يتركز التنازع حول تحديد قواعد الشرعية في إطار إعادة هيكلة السلطة السياسية.

إن تحديد طبيعة الصراعات السياسية بالنظر إلى مجال الشرعية والمشروعية، أي بالتساؤل فيما إذا كنا أمام تنازع حول المشروعية أو الشرعية، لم يتم بمفهوم القطيعة بينهما، وإنما تم بدافع تحديد المجال المهيمن في دائرة الصراعات السياسية والممارسة السياسية. فالمجال المهيمن في الصراعات السياسية هو الذي يوجه الحياة السياسية ويمكن من تحديد المسافة التي تفصلنا عن الارتقاء إلى مرحلة تأسيس السلطة السياسية بالمفهوم الذي ذكرناه، أو من الوقوف عند التعثرات التي تعترض هذا الارتقاء. فبقدر ما يتركز التنازع حول المشروعية بقدر ما نبتعد عن تأسيس السلطة أو نخل به ويكون الالتفاف حول قواعد الشرعية الديموقراطية والدستورية –عندما لا يتم رفضها- تاكتيكيا خاضعا لمتطلبات الظرفية السياسية ولميزان القوى السياسية. وبقدر ما يصب التنازع في اتجاه تحديد قواعد الشرعية بقدر ما تصب بالممارسة السياسية في تأسيس السلطة السياسية بدعم قواعد اللعبة السياسية في أفق تأسيس ضوابط للحياة السياسية بالشكل الذي يجعلها، مهما كانت تغيراتها، لا تتنافى وسلطة المؤسسات واستقلاليتها لتندرج في إطار سيادة وسمو الدستور. هذا على أنه بقدر ما يحتل الصراع دائرة المشروعية بقدر ما يؤثر ذلك سلبا على كل الأطراف السياسية الفاعلة في النظام السياسي، وبقدر ما يتركز في دائرة الشرعية بقدر ما يستتبع ذلك تقوية كل الأطراف السياسية الفاعلة في النظام السياسي بما فيها قدرة هذا الأخيرة على الاحتواء.

عندما نحدد بأن هيمنة التنازع حول المشروعيات على الصراعات السياسية، هذا التنازع الذي قد يكون علنيا أو ضمينا، فذلك بالمعنى الذي يفيد بأن التعبير عن هذه الهيمنة يتم على مستوى الممارسة السياسية بأساليب مختلفة. إن هذه الأساليب تتراوح بين رفض مشروعية السلطة القائمة الذي يستتبع رفضا لقواعد الشرعية الديموقراطية والدستورية وبين خضوع الانخراط في قواعد الشرعية إما إلى رواسب ممارسة سياسية سابقة هيمن عليها رفض مشروعية السلطة القائمة، وإما إلى غياب تراكم في الممارسة السياسية بالشكل الذي يعبر عن تطورها الكيفي للارتقاء بها إلى مرحلة التأسيس، أو إلى هذين العاملين معا. إن هذا يستدعي التريث في الحكم على الأشكال الظاهرية التي اتخذها –في تجربة دولة كالمغرب- انخراط القوى التقدمية في قواعد اللعبة السياسية وذلك بالنفاذ إلى باطن الممارسة السياسية دون الاكتفاء بظاهرها. إن باطن الممارسة السياسية يهيمن عليه البحث عن أقصر الطرق للوصول إلى السلطة أو عن أنجع السبل للمحافظة عليها ولا يستبعد الانخراط في سياسة التوافقات للبحث عن الحلول السياسية. إن بحثا كهذا لا يستبعد تمرد كافة القوى السياسية على قواعد الشرعية الدستورية بإخضاع سيادة الدستور إلى اعتبارات تاكتيكية وظرفية، والاحتكام إلى سلطة الأشخاص بدل سلطة المؤسسات وإلى ما هو ضمني بدل ما هو صريح. وبدلا من أن تصب الممارسة السياسية في اتجاه الانخراط في مسلسل تأسيس السلطة السياسية وإنجاز متطلبات التحول الديموقراطي فإنها تبتعد بها عن هذا الارتقاء لتزج بها في متاهات التحول الديمقراطي التي يتحكم فيها الصراع حول السلطة السياسية. هنا نسقط في التنازع حول المشروعيات الذي يحمل في ثناياه ممارسة سياسية معبرة عن التنازع حول السلطة السياسية بدلا من الاتجاه إلى تأسيسها أو بالأحرى إلى الانخراط في مسلسل تأسيسها.

II – مضمون تأسيس السلطة السياسية: الدمقرطة والتقنين:

عندما نتحدث عن تأسيس السلطة السياسية الذي يوجد في صلب متطلبات الانتقال الديموقراطي وذلك إما بالارتقاء إليها كمرحلة أو بتجاوز التعثرات التي يعرفها، فإننا لا نختزل التأسيس في كونه الطفرة النوعية، أو القفزة النوعية. إننا نقصد به مسلسلا يتطلب الانخراط الواعي لكافة الفعاليات السياسية وتتجاوز حدوده تفعيل الديموقراطية لدرء غيابها. إنه مسلسل يرتبط به تأسيس الثقافة الديموقراطية من جهة والثقافة القانونية من جهة أخرى، مما يفضي إلى تأسيس ثقافة المعارضة الديموقراطية وتقويم الممارسة السياسية. إن هذا المسلسل تتحكم فيه ممارسة سياسية تنطلق من استقرار التنازع في مجال تحديد قواعد الشرعية وتصب في اتجاه التقاطع بين البعد القانوني والبعد الديموقراطي، حيث التأسيس كطفرة نوعية يتحقق بالتقاطع بين هذين البعدين. هذا على أن تأسيس السلطة كمسلسل لا يخضع في مضمونه لتعاقب المراحل: التقنين الذي تليه الدمقرطة، وإنما تتداخل فيه العمليتان وتتكاملان في آن واحد لتتمثل بداياته في الدفع بالممارسة السياسية في اتجاه التقاطع بينهما.

أوضح بأننا عندما نقول بأن تأسيس السلطة السياسية له بعدان: بعد سياسي يتمثل في دمقرطة السلطة، وبعد قانوني يتمثل في تقنين السلطة، فإننا لا نتكلم عن البعد القانوني كنتيجة للبعد السياسي أو كتابع له. قد نقول بأن هناك تداخلا بينهما، ولكن هذا التداخل ليس بمفهوم استيعاب أحدهما للآخر، أو بالضبط باكتساح البعد السياسي (الديموقراطي) للبعد القانوني. إنني أتحدث عن البعد القانوني كمجال مستقل يمكنه أن يتطور إلى أن يصبح البعد السياسي من مكوناته ولكن دون أن يحد هذا التطور من استقلاليته. وعندما أقول بأن عدم الالتزام بالقانون يطرح غياب ثقافة قانونية فأنا لا أعني بأن الالتزام به يستوجب أولا أن يكون القانون ديموقراطيا. فوق هذا الاعتبار نجد أن مسألة الحكم عن ديموقراطية قانون ما أو عدمها هي مسألة نسبية تتحكم فيها اعتبارات متعددة. وحتى لو افترضنا أن الالتزام بالقانون هو ثقافة وممارسة فإن هذا لا يمكن أن يتأسس بين عشية وضحاها بدمقرطته. وحتى ولو كان القانون ديموقراطيا حسب مقاييس خيالية فإن الانخراط في متاهة الحلول السياسية لا يستبعد تجاوز القوانين التي وضعت لتأسيس الامتيازات. إن ممارسة سياسة كهاته تدفع للقول بأن خرق القانون كيفما كان محتواه هو مسألة منافية للديموقراطية. لأية ديموقراطية ستؤسس على إمكانية تجاوز القانون حسب متطلبات الظرفية السياسية؟ إن الإشكالية التي تطرحها العلاقة بين القانون والديموقراطية يتعين حلها في إطار عملية تأسيس السلطة السياسية ولن تتم خارجها.

بالفعل لقد تم الحديث عن عدم الالتزام بالقانون وذلك بعدم تطبيقه. ولكن عدم الالتزام هذا ورد وكأنه نتيجة لغياب الديمقراطية. بيد أن تفعيل الديموقراطية لا يترتب عنه حتما تفعيل العمل بالقانون، خصوصا وأن الممارسة السياسية تفيد بأن تجاوز القانون يمكن أن يتخذ أشكالا أخرى يتعين ضبطها. فهناك الحالات التي تتعايش فيها القوانين الضمنية (لا أقصد العرفية) مع القوانين الصريحة، الدساتير الضمنية مع الدساتير الصريحة، ويتجاوز الأمر أحيانا التعايش ليصبح الضمني هو المتحكم في سير الحياة السياسية، وتفضي بنا هذه الحالات إلى أخرى لها علاقة وثيقة بها تعد معبرة عن اختلال العلاقة بين المرجعية التأويلية والمرجعية المكتوبة بحيث يطغى ما هو مؤول على ما هو مكتوب ويتعذر الاحتكام إلى سلطة القانون والمؤسسات.

إن هيمنة الدستور الضمني في مراحل حاسمة من الحياة السياسية كالانتخابات أو الإصلاحات الدستورية، تبلغ ذروتها عندما تتدعم بإجماع كافة القوى السياسية حولها لاعتبارات ظرفية وتكتيكية يتحكم فيها هاجس الصراع حول السلطة بدلا من تأسيسها، وتفسح المجال إما بتعليق العمل بالقانون أو تطبيق قانون بدلا من آخر أو الاتجاه إلى ممارسة تشكل خرقا سافرا للدستور الصريح. هنا نكون أمام تمرد كافة القوى السياسية على قواعد الشرعية الدستورية تحت ستار الإجماع والتوافق. في هذه الحالة نقول بأن الإجماع، كيفما كانت درجته، لا يمكن في أي من الأحوال أن يبرر خرق القانون أو تهميشه. في حالات كهاته كم تبدو المطالبة بدعم دولة القانون دون معنى، وكم يبدو الاتجاه إلى دمقرطة الحياة السياسية بالانخراط في عمليات انتخابية أو حتى بإشراك قوى تقدمية في مؤسسة حكومية أو بتعديل الدستور في ظل ممارسة تخرق الدستور القائم واهيا متنافرا مع دعم سلطة المؤسسات، وكم يبدو "الإجماع" مهزوزا ومختلا عندما لا يتم في إطار سيادة الدستور الصريح. إننا هنا أمام خلل في الممارسة السياسية يستوجب تداركه تقويم الأسس التي تقوم عليها. إن رصد خلل كهذا يفسر كيف أن تفعيل الديموقراطية يظل مبتورا إذا تم بمعزل عن دعم سلطة المؤسسات واستقلاليتها، وإن التفكير في المسافة التي تفصلنا عن الديموقراطية يتطلب التفكير في المسافة التي تفصلنا عن دولة القانون. هنا تطرح ضرورة الانخراط في عملية تأسيس السلطة السياسية التي تعد بمثابة تأسيس الضوابط القانونية والسياسية للحياة الدستورية والسياسية وتتجلى انعكاساتها على مستوى هيكلة السلطة، بمعنى أن هذه العملية دون أن يوجهها التنازع حول السلطة من أجل الاحتفاظ بها أو الاستيلاء عليها، فإنها لا تستبعد إمكانية انتقالها وتداولها.

III – أبعاد تأسيس السلطة السياسية: إعادة هيكلة السلطة وإمكانية التداول

إن تأسيس السلطة السياسية يبتعد بنا عن جعل التحولات الديموقراطية خاضعة لطرح يقوم على اعتبار أن انتقال السلطة أولوية وعلى أن التداول مسألة حتمية ناتجة عن تفعيل الديموقراطية. إن رهن التحولات الديموقراطية لا بتأسيس السلطة وإنما بانتقالها هو طرح يبدو من خلال التعامل مع التداول تارة على أساس أنه بند من البنود المعطلة، الأمر الذي يتطلب وضعه موضع التطبيق، وأخرى على أساس أنه مبدأ. هنا أعرج أولا على النصوص القانونية والدستورية التي عندما تنظم وتضبط مسألة انتقال السلطة بإخضاع مؤسسة معينة للتجديد فإنها لا تضبط بالضرورة مسألة التداول وإنما تفسح المجال بصفة ضمنية لإمكانية التداول الذي تتحكم فيه عوامل، كالحزبية مثلا، لم تضبطها النصوص الدستورية خصوصا إذا كان الأمر يتجاوز الأشخاص إلى الأحزاب، والمؤسسة الرئاسية إلى المؤسسة الحكومية والتشريعية. هنا أعود إلى التداول لأقول بأنه سواء تم تناوله كبند أو كمبدأ ففي كلتا الحالتين يتم التعامل معه كما لو كان من قبيل الحتميات لا من قبيل الإمكانيات. إن اعتباره كأولوية تفسح المجال لانتقال السلطة لا يترتب عنه بالضرورة –وفي العمق تحول في الممارسة السياسية أو في طبيعتها، وذلك عن طريق إعادة هيكلتها، وكأننا، بفعل طرح كهذا، أمام مرجعية هيمنت لمدة طويلة ولا زالت رواسبها قائمة، تتمثل في البحث عن أقصر الطرق للوصول أو للاستيلاء على السلطة السياسية كبديل للعجز عن الوصول إليها بواسطة العنف. من هنا كان توظيف التناوب بالطريقة التي يبدو أنها لم تستوعب بعد متطلبات التأسيس التي لا بد لها من مقدمات ومراحل تنخرط بفعلها جميع القوى السياسية في عملية التحول الديموقراطي وتعمل على مد الجسور بين مفاهيم الثورة والإصلاح، بدل الانزواء في طروحات وممارسات تعبر عن أن الالتفاف حول الديموقراطية وحقوق الإنسان والتداول لم يتحول إلى قناعة توجه الممارسة السياسية.

هل يعني هذا أن تأسيس السلطة السياسية يتنافى مع انتقال السلطة ومع التداول؟ إننا عندما نقول بأن تأسيس السلطة يتداخل فيه بعدان: بعد سياسي يتمثل في دمقرطة السلطة وبعد قانوني يتمثل في تقنين السلطة، بحيث يبدو التأسيس القاعدة الصلبة للديموقراطية، فإن أبعاده لا تتجلى في انتقال السلطة وإنما في إعادة هيكلة السلطة، كما لا تقتصر على الاحتكام إلى الديموقراطية فقط بل تمتد إلى الاحتكام إلى دولة القانون. إن القوى السياسية الفاعلة فيه لا تقتصر على هرم السلطة بل تتطلب انخراط كافة القوى السياسية الفاعلة في النظام السياسي. إن التفكير هنا لا ينصب على أقصر السبل للوصول إلى السلطة عن طريق انتقالها وإنما على أقصر الطرق لتحقيق الانتقال الديموقراطي الذي يعد تأسيس السلطة السياسية –كمسلسل طويل النفس- الوجه الآخر له. إنه مسلسل لا يتضمن بالضرورة عملية انتقال السلطة كما لا يشكل بالضرورة إرجاء لها. فهي يمكن أن تتخلل إحدى مراحله دون أن تشكل نهاية المطاف وذلك باعتبارها حلقة لا تعوق استكمال عملية التحول الديموقراطي التي تتأتى بالانخراط الواعي لكافة الفعالية السياسية فيها. هكذا يكون تأسيس السلطة السياسية بمثابة تأسيس شروط التناوب – الإمكانية التي يتداخل فيها البعد القانوني والبعد السياسي. بهذا يكون الانخراط في عملية تأسيس السلطة السياسية، بالمفهوم الذي ذكرناه، باعتبارها الوجه الآخر لعملية الانتقال الديموقراطي متضمنا لعناصر تحويل الصراع السياسي والممارسة السياسية من تنازع حول المشروعيات إلى تنازع حول قواعد الشرعية الديموقراطية. إنه بعبارة أخرى الارتقاء بالممارسة السياسية إلى متطلبات تأسيس السلطة السياسية.

lthidl p,g hgavudm ,hglav,udm