الإصلاح التربوي

تمهيــد:
تعد التربية بمثابة القالب الذي تصاغ فيه شخصية الأمة، وتتشكل فلسفتها للوجود ولما وراء ذلك، فهي تسعى للحفاظ على مقوماتها وخصائصها الثقافية حيةً في العقول والنفوس، كما تعمل على توجيه حركتها في الحياة وكذا ممارسات أفرادها بما يتفق والتوجهات العامة والمصالح العليا لهذه الأمة.
ولكي تحافظ التربية على مبررات استمرارها فهي مطالبة دوما على الأخذ بعين الاعتبارات المستجدات والتطورات حتى تكون أداة للتحول الاجتماعي الواعي المتناغم مع التراكم المعرفي المتجدد والتطورات التقنية وغيرها التي تساعد على تسريع النمو الاقتصادي والازدهار الثقافي.
ونظرا لذلك فإن عملية التجديد أو الإصلاح التربوي أو التطوير لا بد أن تكون من أهم الأولويات، حتى يتم تحديد متطلبات الإصلاح بشكل عام، بما في ذلك الإصلاح التربوي بشكل فعال، يسمح بتعيين كافة العناصر والشروط التي يجب توفيرها لإنجاح عملية التطوير للبرامج والمناهج.
وقد أصبح هذا المطلب أكثر إلحاحا في الوقت الراهن، بعد أن أصبحت الدوائر الخارجية هي التي تسعى لفرضه، وبعد اكتساح موجة العولمة لكافة المجتمعات والثقافات واختراقها للحدود والجغرافيات.
وتعتبر العولمة نزعة شمولية توسعية، ذات قدرة كبيرة على استنفار وشحذ كافة العناصر والأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والتقنية، بطريقة تتجاوز نطاق المكان والجغرافية وبآليات تَعبُر عوائق الحدود السياسية، ولذلك كانت تنطوي على أشكال جديدة للتعامل بين الأطراف الدولية(1).
وعليه، صار من الضروري أن تسعى البلدان إلى رسم السياسات وإقرار الإصلاحات التي بإمكانها مواكبة التطورات الحاصلة على كافة الأصعدة العالمية، وفي إطار التعاون الدولي الحر بعيدا عن الضغوطات والإملاءات، حتى تؤدي التربية والتعليم الدور المنتظر منهما، ولذلك لابد أن نطرح تساؤلات حول طبيعة متطلبات الإصلاح في ظل العولمة؟ وما هو الدور المنتظر من النظام التربوي في بلادنا كقناة لنقل التراث الثقافي وأداة للتحول الاجتماعي؟
أولا- متطلبات أو تحديات العولمة:
تسعى العولمة كعملية توسعية إلى فرض واقع جديد على كافة أصعدة المجتمع، مما يعني أنها تمثل تحديا بحد ذاته، يجب على البلدان مجابهته لتجاوز سلبياته والتخفيف من أضراره وللاستفادة من ثماره وما يرافقه من إيجابيات، وذلك بأن تتبع البلدان، في مجال التربية والتعليم مثلا، سياسات حكيمة تساعد على تحيين وتطوير مناهجها وسياساتها التربوية دون وأد عناصرها ومقوماتها الحيوية،حتى تكون هذه الإصلاحات أداة تطوير للقدرات الذاتية الإبداعية بما يتناغم والمستجدات الراهنة في هذه الحقبة التي أضحى فيها تعميم أنماط بعينها للاقتصاد والثقافة والعلاقات الدولية من أبرز عناوين وسمات هذا العصر.
هذا، وقد أوضحت الدراسات التي تناولت العولمة، منذ مراحل الأولى، أنّها تعمل من خلال آلياتها على تعميم منطقها الاستغلالي، مما جعل البعض لا يقول بما يسمى بالقرية الكونية في ظل العولمة، ولكن يقول مع أنطوني جيدنز أن العالم في ظل العولمة يبدو في "حالـة نهب كوني " (2).
هذا وقد ذهب فريق آخر مثل السيد ياسين أن دراسة الخصائص الجوهرية للعولمة يكشف أنها تعمل على تعميم المعلومة وانتشارها لتصبح متاحة لكل الناس، وتذويب الحدود بين الدول، وأخيرا تعمل على زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات.
ويرى السيد ياسين أيضا أن هذه العمليات تنطوي على نتائج إيجابية لبعض المجتمعات ونتائج سلبية بالنسبة لمجتمعات أخرى، وبعد عرضه لهذه العمليات الكاشفة لجوهر العولمة يصل الباحث إلى أن جوهر عملية العولمة يتمثل في سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني (3).
ومع أن هذه المحاولة حالفها التوفيق في الكشف عن جوهر العولمة إلا أنها مع ذلك افتقرت إلى الدقة عندما افترضت أن العولمة تقتضي زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات.
فالعولمة تنطوي في حقيقتها " الجوهرية" على زيادة التباين والتفاوت بين الجماعات والمؤسسات سواء فيما يتعلق بالانخراط في منظومة الاقتصاد أو الاستفادة من منتجات الثقافة وثروة المعلومات أو في الأوضاع الاجتماعية لأفراد المجتمعات الناتجة عن آثار العولمة.
بل أن هذا التباين قد يعتري الحي الواحد فما بالنا بالمدينة أو المدن أو الدول، ولهذا فإن التماثل الوحيد الممكن حدوثه لغالبية أبناء العالم الثالث هو الخضوع المشترك للسيطرة الاقتصادية والهيمنة الثقافية والسياسية للبلدان ذات الموقع القوي في تيار العولمة(4).
ويجب التسجيل أنّ العولمة على المستوى الثقافي - بوصفه مادة رئيسة للتربية والتعليم- لا تنطوي بتاتا على تعميم شامل لرأسمال ثقافي إنساني موحّد من شأنه تجاوز الانقسامات الثقافية بين الشعوب، فتصبح ثقافةُ الكوكب ثقافةً واحدة، فالعولمة تتوفر على ثقافة خاصة بها، أطلق عليها سمير "ثقافة العولمة"، وهي حسب رأيه ثقافة الرأسمالية السائدة عالميا، التي تُعيد تكوين الخصوصيات المحلية (5).
ومن جهته، أكد الجابري أن العولمة تحمل، بحكم طبيعتها، ثقافة الاختراق لكونها تقوم على جملة أوهام، كما يقول الجابري، تهدف إلى التطبيع مع الهيمنة، وتكريس الاستتباع الحضاري، فهي تتولى القيام بتسطيح الوعي، واختراق الهوية الثقافية للأفراد والأقوام والأمم، من خلال: غرس "وهم الفردية" لتضيق خناق الفرد داخل أسوار نفسه. و غرس "وهم الخيار الشخصي" لتكريس النـزعة الأنانية، وغرس "وهم الحياد" لتكريس التحلل وعدم الارتباط بأي قضية. وهي كلها أوهام تجعل الفرد قابلا للاستعمار كما يقول مالك بن نبي. كما أنها تعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى، وتدفع إلى التفتيت والتشتيت ليربط الناس بعالم اللاوطن واللاأمة واللادولة(6).
وتجدر الإشارة إلى أن " هربرت شيللر" Herbert Shiller كان قد تحدث من قبل عن الحملات الثقافية والإعلامية التي تعد آليات جديدة للهيمنة للنظام العالمي حيث قال:" << إذا كان الاقتصاد العالمي المعاصر يسعى إلى تعزيز سيطرته من خلال تحالف رأس المال العالمي، وتحطيم الحواجز القيمية، وتوحيد السوق العالمية، فإن القضيـة في المجال الثقافي تُصبح تتمثل في كيفية توظيف الإعلام والثقافة في مجتمعات العالم الثالث لخدمة هذه الأهداف، أي ترسيخ تبعيتها الاقتصادية بوضع إمكانياتها الثقافية والإعلامية في خدمـة مصالح رأس المال العالمي وأجهزته وتحويل العالم إلى قرية إتصالية شديدة الترابط (7) >>.
ولمواجهة ذلك دعا سمير أمين على سبيل المثال إلى عولمة بديلة في المجال الثقافي، بإمكانها أن تنتج ثقافة عالمية، وقد أطلق على هذا الجهد أو النضال" عولمة الثقافة"، التي تزدهر فيها الخصوصيـة في إطار من المنظومة الكلية(8).
وفي ذات السياق، دعا العلماء إلى الاستفادة من تجليات العولمة في المجال التربوي والتعليمي، حتى تواكب المدرسة التطور الحاصل في المؤسسات الاقتصادية، وأن تكون في تجدد مستمر، وتأخذ بعين الاعتبار مطالب المجتمع و"متلقي الخدمة" والذي من أهمه المؤسسة الاقتصادية.
وينبغي التأكيد على أن للعولمة في المجال التربية مظاهرها السلبية كما أن لها مظاهرها الإيجابية، وهي كلها جوانب ينبغي اعتبارها تحديات يجب أخذها بعين الاعتبار لأنها تساعد على رسم وتبين متطلبات للإصلاح. ومن هذه المظاهر ذات الطابع الإيجابي هو التدفق المعلوماتي الكبير، الذي يشكل تحديا أمام الحكومات والأفراد من أجل تقليص الفوارق المعرفية والتكنولوجية التي تفصل بلداننا عن البلدان الرائدة.أن التغيرات المصاحبة للعولمة تعمل على الحث على توفير المزيد من الحريات السياسية والمجتمعية والثقافية، مما يعني وجوب الالتزام بنشر القيم الديموقراطية في المجال السياسي والتربوي وغيره، واعتبار المدرسة أداة فاعلة في المساهمة في هذا التحول الديموقراطي، بوصفها مجتمعا مصغرا يمارس فيه التلميذ حريته، وتنمو فيه خصائصه الاجتماعية(9).
علاوة على ذلك فإن منظومة العولمة تحمل في طياتها خطابا إنسانيا ينبغي استثماره ليصبح الإنسان محور أهداف المناهج التربوية، وفضاء لتعليم مبدأ التعايش السلمي، والتقارب الثقافي بين المجتمعات والثقافات، وعلى أن فكرة المصير المشترك للإنسانية، وتعزيز الإحساس بضرورة العمل لتفادي الكوارث البيئية والصحية ومآسي الحروب.
وكما تعتبر هذه الجوانب تحديات يتطلب أخذها بعين الاعتبار، فإن ينبغي اعتبار التجليات السلبية، من وجهة نظرنا، تحديات يجب مجابهتها، وذلك مثل كون العولمة ذات طابع تغريبي، ينبع من التجربة والنزعة الأوروبية الغربية، المتمركزة حول الذات الغربية، ومن الجوانب الأخرى لخصائص العولمة المراد فرضها هو طابعها العلماني، الذي يدفع إلى محاولة تجفيف منابع الدين داخل مؤسسات التربية.
ثانيا- متطلبات الإصلاح التربوي:

 


إذن، تعتبر العناصر المشار مشار إليها آنفا بمثابة تحديات ينبغي أخذها بعين الاعتبار لوضع سياسات ملائمة، بحيث يشكل كل تحد عامل تحفيز ودافعا قويا لتوفير المتطلبات القادرة على إنجاح عمليات الإصلاح التربوي، وقد أشرنا في معرض الحديث عن بعض هذه الإجراءات ، ويكن أن نقدم توجيهات عامة لإنجاح هذه العملية، من بينها:
1. ضرورة الارتقاء بالمنظومات التربوية لتصبح مدخلا للتقدم والنمو، من خلال تكييف السياسات التربوية لتسمح بملاحقة المستجدات والتطورات السريعة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وغير ذلك من المجالات الحيوية.
2. ضرورة تحقيق تعلم نوعي وتعليم متميز للجميع، من أجل إنجاز استثمار حقيقي ومتميز للمــوارد البشرية، وكذا التحضير الجدي لمجتمع الاقتصاد المعرفي.
3. لا بد من المزاوجة بين زيادة القدرة على التفاعل الإيجابي مع الثقافات العالمية والتجارب الإنسانية مع إثراء وتأصيل رصيد الأمة الثقافي، بحيث يساعد على ذلك على ترقية هويتها ويعمق تقاربها الثقافي مع الأمم الأخرى.
4. لا بد من توفر إرادة السياسية صادقة تتبنى فعلياً وعلنياً الإصلاح وتضعه في قائمة أولوياتها، وتتعامل معه على أساس أنه مشروع وطني تنموي شامل، مع تحفيز وتوسيع مشاركة كافة الفاعلين في إنجاز ذلك.
5. ينبغي تبني رؤية تربوية تنموية شاملة لتنمية قطاع التعليم ككل، ووصل كافة مراحله من التعليم الابتدائي إلى التعليم الجامعي، ويشمل ذلك أيضا التعليم المهني، وذلك بقصد تقليص الفجوات بيم كافة المراحل، ومواجهة التحديات العلمية والتقنية الراهنة، وتطوير القدرات والمهارات والكفاءات بالشكل المطلوب.
1. فضلا عن ذلك يجب التأكيد على فلسفة تربوية مستقلة ونابعة من ثوابت المجتمع، وقادرة على توجيه المشاريع التربوية وفق اتجاهات أكثر دقة ورحابة.
2. لا بد من التخفيف من الرتابة البيروقراطية، وتطوير الإدارة وترشيدها، ووضع ضوابط مرنة وصارمة، وعدم تهميش الكفاءات ووضع معايير للفرز، وكذا توظيف التقنيات الحديثة.
وفي الختام، لا يمكن أن تكون مثل هذه الينبغيات، على حد تعبير سعد الدين ابراهيم، مثل وصفات عامة لكافة الظروف والحالات فلكل بلد ظروفه، ولكل مرحلة شروطها، فينبغي تحديد التحديات والرهانات بدقة وتوفير المتطلبات الحقيقة التي تساهم في إنجاح عمليات الإصلاح الجارية في كافة البلدان العربية والأجنبية، مما يسمح برسم وإقرار سلم للضوابط يحدد الأولويات ويضع الأمور في نصابها.

hgYwghp hgjvf,d